حكم نقل الميت من بلد إلى بلد آخر
دراسة فقهية في ضوء الكتاب والسنة وأقوال
الفقهاء
السُّؤَالُ :
ما حكم نقل الميت من البلد الذي مات فيه
إلى بلد آخر ليدفن فيه؟ وما حكم العمل بوصية الميت إذا أوصى بأن يُدفن في مكان وفاته؟
وما الحكم إذا خالف الأقارب هذه الوصية ونقلوا الميت إلى بلد آخر؟ وهل يجب عليهم شيء
من الصدقات أو الكفارات؟ وما الشروط التي اشترطها الفقهاء لجواز النقل؟ وما حكم نقل
الميت بعد دفنه إلى مقبرة أخرى؟
الجواب
️ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ
الله، أمَّا بعدُ:
نقل الميت من بلد إلى بلد آخر من المسائل
التي كَثُرَ السؤال عنها في هذا الزمان؛ لكثرة الاغتراب وسهولة الانتقال، وقد كرَّم
الله تعالى الإنسان حيًّا وميتًا، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء، رقم: ٧٠].
ومن إكرام الميت بعد وفاته التعجيل بتجهيزه
ودفنه، وصيانة حرمته، وعدم التلاعب بجثمانه. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافًا
بيّنًا، وفرَّقوا بين النقل قبل الدفن والنقل بعده، كما فرَّقوا بين ما إذا كان هناك
غرض صحيح معتبر شرعًا أو لا.
وسوف نقف مع هذا الموضوع من خلال العناصر
التالية:
العنصر الأول: مفهوم نقل الميت وحكمه في
ضوء مقاصد الشريعة
تعريف نقل الميت:
المراد بنقل الميت: إخراج جثمانه من المكان
الذي توفي فيه إلى مكان آخر، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، وسواء كان قبل الدفن أو بعده.
الأساس الشرعي في تكريم الميت:
كرَّم الله تعالى الإنسان حيًّا وميتًا،
فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء، رقم: ٧٠].
ومن مظاهر هذا التكريم بعد الموت: المبادرة
إلى تجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾
[عبس، رقم: ٢١].
العنصر الثاني: حكم نقل الميت قبل الدفن
— آراء الفقهاء وأدلتهم
مذهب الحنفية — الجواز مع الكراهة أو بدونها
قال الحنفية: يستحب أن يُدفن الميت في الجهة
التي مات فيها، ولا بأس بنقله من بلدة إلى أخرى قبل الدفن عند أمن تغير رائحته.
قال في "البزازية": نقل الميت
من بلد إلى بلد قبل الدفن لا يكره.
وقال شمس الأئمة السرخسي في "شرح السير":
لو لم يكن في نقله إلا تأخير دفنه، لكان كافيًا في كراهته، وذكر شيخ الإسلام في شرحه:
أن نقل الميت من بلد إلى بلد لغرض ليس بمكروه، وفي العيون: ذكر مطلقًا أن نقل الميت
من بلد إلى بلد ليس بمكروه. <رد المحتار على الدر المختار 27/ 115، المحيط البرهاني
للإمام برهان الدين ابن مازه 5/ 217>
مذهب المالكية — الجواز بشروط ثلاثة
قال المالكية: يجوز نقله بشروط ثلاثة؛
أولها: ألا ينفجر حال نقله، ثانيها: ألا
تُنتهك حرمته، بأن ينقل على وجه يكون فيه تحقير له،
ثالثها: أن يكون نقله لمصلحة، كأن يخشى
من طغيان البحر على قبره، أو يُراد نقله إلى مكان ترجى بركته، أو إلى مكان قريب من
أهله، أو لأجل زيارة أهله إياه، فإن فقد شرط من هذه الشروط الثلاثة حرم النقل.
<حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 165>
مذهب الشافعية — التحريم إلا لاستثناءات
محددة
قال الشافعية: يحرم نقله إلى محل آخر ليدفن
فيه، حتى لو أمن تغيره إلا إذا جرت عادتهم بدفن موتاهم في غير بلدتهم، ويستثنى من ذلك
من مات في جهة قريبة من مكة أو المدينة المنورة أو بيت المقدس، أو قريبًا من مقبرة
قوم صالحين فإنه يسن نقله إليها إذا لم يخشَ تغير رائحته، وإلا حرم، وهذا كله إذا كان
قد تم غسله وتكفينه والصلاة عليه في محل موته، وأما قبل ذلك فيحرم مطلقًا. قال صاحب
الحاوي: قال الشافعي: لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فنختار
أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها.
وقال صاحب "التهذيب" والشيخ أبو
نصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله. وقال القاضي حسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب
"التتمة": يحرم نقله. <روضة الطالبين وعمدة المفتين 1/ 194>
مذهب الحنابلة — الجواز بشرط الغرض الصحيح
قال الحنابلة: لا بأس بنقل الميت من الجهة
التي مات فيها إلى جهة بعيدة عنها، بشرط أن يكون النقل لغرض صحيح، كأن ينقل إلى بقعة
شريفة؛ ليدفن فيها، أو ليدفن بجوار رجل صالح، وبشرط أن يؤمن تغير رائحته. ودفن الشهيد
بمصرعه سُنة، نص عليه، حتى لو نقل رد إليه، ويجوز نقل غيره أطلقه أحمد، والمراد وهو
ظاهر كلامهم إن أمن تغيره، وذكر صاحب "المحرر": إن لم يظن تغيره، ولا ينقل
إلا لغرض صحيح كبقعة شريفة ومجاورة صالح، كما نقل سعد وسعيد وأسامة إلى المدينة، لئلا
تفوت سُنة تعجيله، وظاهر كلامهم: ولو وصى به، وصرح به أبو المعالي. <الفروع لابن
مفلح 3/ 327>
العنصر الثالث: حكم نقل الميت بعد دفنه
مذهب الحنفية:
يحرم إخراجه ونقله، إلا إذا كانت الأرض
التي دُفن فيها مغصوبةً، أو أُخذت بعد دفنه بالشفعة؛ يعني استحقها شخص آخر مجاور لها.
<حكم نقل الميت بعد دفنه إلى مقبرة أخرى: علي جمعة محمد، موقع: دار الإفتاء المصرية>
مذهب الشافعية:
يحرم نقله إلا لضرورة، كمن دُفن في أرض
مغصوبة، فيجوز نقله إن طالب بها مالكها. <حكم نقل الميت بعد دفنه إلى مقبرة أخرى:
علي جمعة محمد، موقع: دار الإفتاء المصرية>
مذهب الحنابلة:
يجوز النقل بالشروط المذكورة في النقل قبل
الدفن، فإن فُقد شرط كان النقل حرامًا قبل الدفن وبعده. <حكم نقل الميت بعد دفنه
إلى مقبرة أخرى: علي جمعة محمد، موقع: دار الإفتاء المصرية>
مذهب المالكية:
يجوز نقله بالشروط الثلاثة المذكورة في
النقل قبل الدفن، فإن فُقد شرط منها حرم النقل. <حكم نقل الميت بعد دفنه إلى مقبرة
أخرى: علي جمعة محمد، موقع: دار الإفتاء المصرية>
القول المعتمد في النقل بعد الدفن:
إذا كانت هناك حاجةٌ مُلِحَّةٌ لنقل الميت
بعد دفنه ولم يكن جسمه قد انفجر ولا رائحته قد تغيرت ورُوعِيَ في النقل الحفاظُ على
حرمته؛ يجوز في هذه الحالة نقله. <حكم نقل الميت بعد دفنه إلى مقبرة أخرى: علي جمعة
محمد، تاريخ النشر: 02 أغسطس 2011 م، موقع: دار الإفتاء المصرية>
العنصر الرابع: مسألة العمل بوصية الميت
بنقله أو دفنه في مكان معين
حكم تنفيذ وصية الميت:
تنفيذ وصية الميت واجب، سواء أوصى بواجب
أو مستحب. <انظر الشرح الممتع 5 / 333>
تفصيل المسألة عند الفقهاء:
قال ابن مفلح في الفروع بعدما ذكر أنه لا
ينقل إلا لغرض صحيح: وظاهر كلامهم ولو وصى به وصرح به، أبو المعالي. انتهى. <الفروع
لابن مفلح>
وصرح الشافعية بأن الوصية لا تنفذ إلا إذا
كان النقل إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس كما في المجموع وغيره، وشرط هذا أيضاً
عند الجواز هو الأمن من الانفجار أو التغير، كما نص الحنابلة والشافعية. <المجموع>
الخلاصة في الوصية بالنقل:
إذا أوصى الميت بأن يُدفن في مكان معين،
فإن كانت هناك مصلحة معتبرة شرعًا في النقل، تُنفَّذ وصيته؛ لأن تنفيذ الوصية واجب.
أما إذا لم يكن هناك غرض صحيح، فالأصل أن
يُدفن حيث مات، ولا تُنفَّذ الوصية حينئذٍ عند بعض الفقهاء؛ لأنها وصية بما لا مصلحة
فيه، مع ما فيه من تأخير الدفن ومخالفة السنة.
العنصر الخامس: الضوابط الشرعية لجواز نقل
الميت
الضابط الأول: وجود غرض صحيح معتبر شرعًا:
مثل أن يُخشى من دفنه حيث مات من الاعتداء
على قبره، أو انتهاك حرمته لخصومة أو استهتار وعدم مبالاة، فيجب نقله إلى حيث يؤمن
عليه. ومثل أن ينقل إلى بلده تطييبًا لخاطر أهله وليتمكنوا من زيارته: فيجوز. ومثل
نقله إلى بقعة شريفة كالمدينة المنورة أو مكة المكرمة أو بيت المقدس، أو ليدفن بجوار
رجل صالح. <فتاوى إسلامية 2 / 31، 32>
الضابط الثاني: أمن تغير الجثة:
اشترط الفقهاء ألا يُخشى على الجثة من التغير
أو الانفجار أو تغير الرائحة بسبب التأخير. <المغني 2 / 193 – 194>
الضابط الثالث: عدم انتهاك حرمة الميت:
أن لا يُنقل على وجه يكون فيه تحقير له
أو امتهان لكرامته. <حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 165>
الضابط الرابع: عدم الإسراف في الإنفاق:
تحاشي الإسراف بإنفاق أموال طائلة من غير
ضرورة ولا حاجة شرعية تدعو إلى إنفاقها، مع مراعاة حقوق الورثة، وتوجيه المصارف الشرعية
وأعمال البر التي ينبغي أن يُنفق فيها هذا المال وأمثاله. <فتاوى إسلامية 2 /
31، 32>
العنصر السادس: أدلة القائلين بعدم النقل
إلا لغرض صحيح
الدليل الأول: السنة العملية في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم:
كانت السنة العملية في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم وفي عهد أصحابه أن يُدفن الموتى في مقابر البلد الذي ماتوا فيه، وأن يُدفن
الشهداء حيث ماتوا، ولم يثبت في حديث ولا أثر صحيح أن أحدًا من الصحابة نُقل إلى غير
مقابر البلد الذي مات فيه أو في ضاحيته أو مكان قريب منه. <فتاوى إسلامية 2 /
31، 32>
الدليل الثاني: تعجيل الدفن:
الشرع أمر بالإسراع في تجهيز الجنائز، قال
صلى الله عليه وسلم:
📝 (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك
سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». خرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 1315، ومسلم
في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 944.)
الدليل الثالث: الخوف على الجثة من التغير
والانفجار:
لأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير.
<المغني 2 / 193 – 194>
الدليل الرابع: سد الذريعة:
سدًّا للذريعة، وتحقيقًا لما حثَّ عليه
الشرع من التعجيل بالدفن، وصيانة للميت من إجراءات تُتخذ في جثته لحفظها من التغير.
<فتاوى إسلامية 2 / 31، 32>
العنصر السابع: تطبيقات معاصرة وفتاوى علمية
في مسألة نقل الميت
فتوى اللجنة الدائمة:
كانت السنَّة العمليَّة في عهد النَّبي
صلى الله عليه وسلم وفي عهد أصحابه أن يُدفن الموتى في مقابر البلد الذي ماتوا فيه،
وأن يُدفن الشهداء حيث ماتوا، ولم يثبت في حديث ولا أثر صحيح أن أحداً من الصحابة نقل
إلى غير مقابر البلد الذي مات فيه أو في ضاحيته أو مكان قريب منه. ومن أجل هذا قال
جمهور الفقهاء: لا يجوز أن ينقل الميت قبل دفنه إلى غير البلد الذي مات فيه إلا لغرض
صحيح مثل أن يُخشى من دفنه حيث مات من الاعتداء على قبره، أو انتهاك حرمته لخصومة أو
استهتار وعدم مبالاة، فيجب نقله إلى حيث يؤمن عليه. ومثل أن ينقل إلى بلده تطييباً
لخاطر أهله وليتمكنوا من زيارته: فيجوز. وإلى جانب هذه الدواعي وأمثالها اشترطوا أن
لا يخشى عليه التغير من التأخير، وأن لا تنتهك حرمته، فإن لم يكن هناك داعٍ، أو لم
توجد الشروط: لم يجز نقله. فترى اللجنة أن يُدفن كل ميت في مقابر البلد الذي مات فيه،
وأن لا ينقلوا إلا لغرض صحيح عملاً بالسنَّة، واتِّباعاً لما كان عليه سلف الأمة، وسدّاً
للذريعة، وتحقيقاً لما حثَّ عليه الشرع من التعجيل بالدفن، وصيانة للميت من إجراءات
تتخذ في جثته لحفظها من التغير، وتحاشياً من الإسراف بإنفاق أموال طائلة من غير ضرورة
ولا حاجة شرعية تدعو إلى إنفاقها، مع مراعاة حقوق الورثة، وتغذية المصارف الشرعيَّة
وأعمال البر التي ينبغي أن ينفق فيها هذا المال وأمثاله. وعلى هذا حصل التوقيع، وصلّى
الله على نبينا محمد وآله وصحبه. <فتاوى إسلامية 2 / 31، 32>
فتوى دائرة الإفتاء العام الأردنية:
يحرم نقل الميت من بلد إلى بلد آخر إذا
لم يكن هنالك حاجة تستدعي ذلك، وشريطة عدم تغيّره وتعرضه للبلى وهتك حرمته. <لا
يجوز نقل الميت من بلد إلى بلد إلا لحاجة: دائرة الإفتاء العام الأردنية، تاريخ النشر:
14-04-2014، موقع: دائرة الإفتاء العام>
جاء في كتاب "بشرى الكريم"(1/
474 <1>): "يحرم نقله قبل دفنه إلى محل آخر وإن أوصى به وأمن تغيره. نعم؛
إن جرت عادتهم بالدفن في غير محلهم.. لم يحرم النقل إليه، وكذا لو نقل لمقبرة أقرب
من مقبرة محل موته...ولا يجوز نقله إلا بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه". <بشرى
الكريم 1/ 474>
فتوى دار الإفتاء المصرية:
إذا كانت هناك حاجةٌ مُلِحَّةٌ لنقل الميت
بعد دفنه ولم يكن جسمه قد انفجر ولا رائحته قد تغيرت ورُوعِيَ في النقل الحفاظُ على
حرمته؛ يجوز في هذه الحالة نقله. <حكم نقل الميت بعد دفنه إلى مقبرة أخرى: علي جمعة
محمد، تاريخ النشر: 02 أغسطس 2011 م، موقع: دار الإفتاء المصرية>
العنصر الثامن: مسألة مخالفة الأقارب لوصية
الميت — التكييف الفقهي
والآثار المترتبة
الحالة الأولى: إذا كانوا لم يعلموا بالوصية
أو شكوا في صدقها:
فإن كانت مخالفتهم الوصية وعدم عملهم بها
بعد إخبار الزوجة لهم بسبب اتهامهم لها وشكهم في صدقها، فلا شيء عليهم لأنهم لم يتعمدوا
المخالفة، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن
مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب، رقم:
٥].
الحالة الثانية: إذا كانوا صدقوها ثم لم
يبالوا وخالفوا الوصية:
فهم آثمون معتدون على حق الميت. <نقل
الميت إلى بلده: الإسلام سؤال وجواب>
الحالة الثالثة: نقلهم للميت مسافة طويلة
بغير غرض صحيح:
فهو اعتداء ثانٍ على حق الميت، لأن من إكرام
الميت التعجيل بتجهيزه ودفنه، كما قال العلماء. <انظر: المدخل 3 / 237 لأبي الحاج
المالكي>
ما يجب عليهم:
فعليهم التوبة والاستغفار والندم والدعاء
للميت، وليس عليهم شيء من الصدقات، وإذا تصدقوا كان ذلك حسنًا، فإن الصدقة من أسباب
المغفرة وتكفير الذنوب. <نقل الميت إلى بلده: الإسلام سؤال وجواب>
العنصر التاسع: الخلاصة والترجيح
الراجح في المسألة:
أن الأصل في الميت أن يُدفن في البلد الذي
مات فيه، وهذا هو الموافق للسنة العملية وللإسراع بتجهيزه ودفنه، ولعدم تعريض جثمانه
للتغير والانفجار، ولعدم الإسراف في الإنفاق.
متى يجوز النقل؟
يجوز النقل إذا وُجد غرض صحيح معتبر شرعًا،
مثل:
الخوف على القبر من الاعتداء أو الانتهاك.
نقل الميت إلى بقعة شريفة كالمدينة المنورة
أو مكة المكرمة أو بيت المقدس.
نقل الميت ليدفن بجوار رجل صالح.
نقل الميت إلى بلده تطييبًا لخاطر أهله
وليتمكنوا من زيارته.
إذا جرت عادة أهل البلد بالدفن في غير محلهم.
إذا أوصى الميت بذلك وكانت هناك مصلحة معتبرة.
الشرط الأساسي:
أمن تغير الجثة وعدم انفجارها، وعدم انتهاك
حرمتها، وعدم الإسراف في الإنفاق.
إذا وُجد من يقوم بتجهيز الميت في البلد
الذي مات فيه:
فلا يجوز نقله، بل يُدفن في ذلك البلد،
بعد أن يقوم بغسله وتكفينه والصلاة عليه من المسلمين، ولا يشترط أن يكون من أقاربه،
إذ لا حرج في تولي النساء المسلمات الأجنبيات غسلها وتكفينها، ويجوز تولي الرجال الأجانب
عنها الصلاة عليها ودفنها. <لا يجوز نقل الميت من بلد إلى بلد إلا لحاجة: دائرة
الإفتاء العام الأردنية>
يقول الخطيب الشربيني رحمه الله:
"يُدخلُه القبرَ الرجالُ إذا وُجدوا، وإن كان الميت أنثى" "مغني المحتاج"
فقد أخرج البخاري: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة أن ينزل في قبر ابنته أم كلثوم)،
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (3/159): "في هذا الحديث جواز .. إدخال
الرجال المرأة قبرها لكونهم أقوى على ذلك من النساء" يعني يجوز أن يتولى الرجل
الأجنبي الصالح إدخال المرأة القبر في حال عدم وجود أحد من أهلها. <مغني المحتاج،
فتح الباري 3/159>
العنصر العاشر: آداب وأحكام تتعلق بدفن
الميت وتعجيله
من إكرام الميت:
المبادرة إلى تجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة
عليه ودفنه. <المدخل 3 / 237 لأبي الحاج المالكي>
عدم تأخير الدفن لغير ضرورة:
قال صلى الله عليه وسلم: (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك
سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». خرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 1315، ومسلم
في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 944.)
مراعاة حقوق الورثة:
عدم إنفاق أموال طائلة من غير ضرورة ولا
حاجة شرعية، مع مراعاة حقوق الورثة، وتوجيه هذه الأموال إلى المصارف الشرعية وأعمال
البر. <فتاوى إسلامية 2 / 31، 32>
الدعاء للميت:
عليهم التوبة والاستغفار والندم والدعاء
للميت، والصدقة من أسباب المغفرة وتكفير الذنوب. <نقل الميت إلى بلده: الإسلام سؤال
وجواب>
هذا، وقد ظهر من خلال هذا العرض أن مسألة
نقل الميت من بلد إلى بلد آخر مسألة دقيقة، تحتاج إلى مراعاة جملة من الضوابط الشرعية،
وأن الأصل هو دفن الميت في البلد الذي مات فيه، إلا إذا وُجد غرض صحيح معتبر شرعًا،
مع أمن تغير الجثة، وعدم انتهاك الحرمة، وعدم الإسراف في الإنفاق. وأن وصية الميت تُنفَّذ
إذا كانت هناك مصلحة معتبرة، وإلا فالأصل عدم النقل. وأن من خالف الوصية متعمدًا فهو
آثم، وعليه التوبة والاستغفار، وليس عليه صدقة واجبة، وإن تصدق فحسن. والله أعلم.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وارحمهم،
وعافهم، واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم
من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، ولا
تجعلها حفرة من حفر النار، واجمعنا بهم في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.