الْمَرَضُ رِسَالَةُ حُبٍّ مِنَ السَّمَاءِ
أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا النَّاسُ... أَيُّهَا الْمُبْتَلُونَ...
أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَقَلَّبُونَ عَلَى فُرُشِ الْأَسْقَامِ...
أَيُّهَا الْمَرِيضُ الَّذِي تَظُنُّ أَنَّ
مَرَضَهُ عُقُوبَةٌ... أَيُّهَا الْحَزِينُ الَّذِي يَرَى فِي سَقَمِهِ غَضَبًا...
أَيُّهَا الْمُتَوَجِّعُ الَّذِي يَسْأَلُ: لِمَاذَا أَنَا؟...
اسْمَعْ... فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ
مَنْزِلَةً مَا بَلَغَهَا أَحَدٌ بِعَمَلٍ... اسْمَعْ... فَإِنَّ دُمُوعَكَ الَّتِي
ذَرَفْتَهَا فِي اللَّيْلِ كَتَبَهَا اللَّهُ فِي دِيوَانِ الصَّابِرِينَ... اسْمَعْ...
فَإِنَّ أَنِينَ فِرَاشِكَ وَأَنْتَ وَحْدَكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ... هُوَ
ذِكْرٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:"مَا مِنْ عَبْدٍ يُصْرَعُ صَرْعَةً مِنْ مَرَضٍ، إِلَّا بَعَثَهُ اللَّهُ
مِنْهَا طَاهِرًا".
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لَيَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِالسَّقَمِ حَتَّى يُكَفِّرَ
عَنْهُ كُلَّ ذَنْبٍ».
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«صُدَاعُ الْمُؤْمِنِ، أَوْ شَوْكَةٌ يُشَاكُهَا، أَوْ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ، يَرْفَعُهُ
اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَرَجَةً، وَيُكَفِّرُ بِهَا عَنْهُ ذُنُوبَهُ».
**أَلَا تَسْمَعُ؟... دَرَجَةٌ... وَتَكْفِيرٌ...
وَطَهَارَةٌ... مِنْ أَجْلِ شَوْكَةٍ... مِنْ أَجْلِ صُدَاعٍ... مِنْ أَجْلِ أَلَمٍ...
أَنْتَ الْمَرِيضُ الْيَوْمَ... أَنْتَ مَنْ يَتَوَجَّعُ... وَاللَّهُ يُعِدُّ لَكَ
الْجِنَانَ.
أَيُّهَا الْمُبْتَلُونَ... كَفَاكُمْ شَرَفًا
أَنَّ اللَّهَ اخْتَارَكُمْ لِلْبَلَاءِ... وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَلَاءَ لَا يُصِيبُ
إِلَّا مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ...
أَيُّهَا النَّاسُ... اسْمَعُوا قِصَّةً
تُدْمِي الْقَلْبَ... وَتُبْكِي الْعَيْنَ...
كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ... أَحَدُ
فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ... ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ...
وَتِلْمِيذُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ... عَالِمٌ... جَلِيلٌ... عَابِدٌ... قَوَّامٌ بِاللَّيْلِ...
صَوَّامٌ بِالنَّهَارِ.
أَصَابَتْهُ الْأَكْلَةُ فِي رِجْلِهِ...
دَاءٌ يَأْكُلُ الْجَسَدَ... صَعِدَ الْأَلَمُ إِلَى سَاقِهِ... حُمِلَ إِلَى الْوَلِيدِ
بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ... جَمَعَ الْأَطِبَّاءَ... قَالُوا: لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا
الْقَطْعُ... وَإِلَّا أَكَلَتْ رِجْلَهُ كُلَّهَا... وَرُبَّمَا قَتَلَتْهُ.
قَالَ الطَّبِيبُ: اشْرَبِ الْمُرْقِدَ...
دَوَاءٌ يُزِيلُ الْعَقْلَ حَتَّى لَا تَشْعُرَ بِالْأَلَمِ...
فَقَالَ عُرْوَةُ: امْضِ لِشَأْنِكَ...
مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ خَلْقًا يَشْرَبُ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ حَتَّى يَعْرِفَ بِهِ...
لَا... لَنْ يَذْهَبَ عَقْلِي... لَنْ أَشْرَبَ مَا يُغَيِّبُ وَعْيِي... أُرِيدُ أَنْ
أَتَوَجَّعَ... أُرِيدُ أَنْ أَشْعُرَ... لِأَنَّ الْأَلَمَ الَّذِي أَشْعُرُ بِهِ
هُوَ أَجْرِي... هُوَ دَرَجَتِي... هُوَ طَهَارَتِي.
ثُمَّ وُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى رُكْبَتِهِ...
يُقْطَعُ اللَّحْمُ... يُقْطَعُ الْعَظْمُ... يُنْشَرُ السَّاقُ... فَمَا سُمِعَ لَهُ
حَسٌّ... لَا صَرْخَةٌ... لَا أَنِينٌ... لَا كَلِمَةُ جَزَعٍ... رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ
مِنْ عُمْرِهِ... يُقْطَعُ رِجْلُهُ بِالْمِنْشَارِ... وَلَا يَتَكَلَّمُ... وَلَا
يَتَحَرَّكُ.
وَلَمَّا فُرِغَ مِنْهُ... قَالَ: لَئِنْ
أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ... وَلَئِنِ ابْتُلِيتَ لَقَدْ عَافَيْتَ... مَا أَعْظَمَهَا
مِنْ كَلِمَةٍ... أَخَذَ اللَّهُ رِجْلًا... وَأَبْقَى أُخْرَى... ابْتَلَى بِالْمَرَضِ...
وَأَبْقَى الْعَافِيَةَ فِي بَاقِي الْجَسَدِ... أَيْنَ أَنْتَ مِنْ هَذَا يَا مَنْ
يَتَسَخَّطُ عَلَى أَوَّلِ صُدَاعٍ... يَا مَنْ يَجْزَعُ مِنْ أَوَّلِ حُمَّى... يَا
مَنْ يَبْكِي مِنْ أَوَّلِ أَلَمٍ.
ثُمَّ... وَلَمْ يَتْرُكْ وِرْدَهُ مِنَ
الْقُرْآنِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ... كَانَ يَقْرَأُ رُبْعَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ...
فَلَمَّا قُطِعَتْ رِجْلُهُ... قَرَأَ كَمَا كَانَ يَقْرَأُ... كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ
يَكُنْ. وَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا رَأَيْتُ شَيْخًا قَطُّ أَصْبَرَ مِنْ هَذَا.
ثُمَّ... وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ... أَصَابَتْهُ
مُصِيبَةٌ أُخْرَى... فِي نَفْسِ السَّفَرِ... رَكَضَتْ بَغْلَةٌ فِي الاصْطَبْلِ...
فَقَتَلَتِ ابْنَهُ مُحَمَّدًا... حَبِيبَ قَلْبِهِ... فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةٌ...
وَلَا صَوْتٌ... وَلَا شَكْوَى... فَقَطُّ... سَكَتَ... سَكَتَ وَتَحَمَّلَ... سَكَتَ
وَصَبَرَ... وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى وَادِي الْقُرَى... قَالَ بِهُدُوءٍ عَجِيبٍ:
﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]...
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حَيَاتِهِ... وَعَدَّ
نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ... فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ... فَأَخَذْتَ
وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً... وَكَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ... فَأَخَذْتَ
وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً... وَلَئِنِ ابْتُلِيتَ لَقَدْ عَافَيْتَ... وَلَئِنْ
أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ.
يَا اللَّهُ... مَا هَذَا الْإِيمَانُ؟!
مَا هَذَا الرِّضَا؟! مَا هَذَا الْيَقِينُ؟!
يَا مَنْ تَتَوَجَّعُ الْيَوْمَ... انْظُرْ
إِلَى عُرْوَةَ... رَجُلٌ فَقَدَ رِجْلَهُ... وَفَقَدَ ابْنَهُ... وَمَعَ ذَلِكَ يَعُدُّ
نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ... يَقُولُ: أَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً... أَبْقَيْتَ لِي ثَلَاثَةً...
فَمَاذَا أَبْقَى اللَّهُ لَكَ أَنْتَ؟... أَبْقَى لَكَ قَلْبًا يَنْبِضُ... وَعَيْنًا
تَرَى... وَلِسَانًا يَذْكُرُ... وَأُذُنًا تَسْمَعُ... وَيَدًا تَرْفَعُ... فَلِمَاذَا
تَنْظُرُ إِلَى مَا أُخِذَ مِنْكَ... وَلَا تَنْظُرُ إِلَى مَا أُبْقِيَ لَكَ؟
أَيُّهَا النَّاسُ... اسْمَعُوا قِصَّةً
أُخْرَى... قِصَّةً تَجْعَلُ الْقَلْبَ يَخْشَعُ...
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ... خَلِيفَةُ
رَسُولِ اللَّهِ... أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا... مَرِضَ مَرَضًا
شَدِيدًا... فَزَارَهُ أَصْحَابُهُ... وَقَالُوا لَهُ: أَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا؟...
فَقَالَ بِكَلِمَةٍ تَزَلْزِلُ الْجِبَالَ: الطَّبِيبُ قَدْ رَآنِي...
قَالُوا: فَمَاذَا قَالَ لَكَ؟...
قَالَ: يَقُولُ: (إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا
أُرِيدُ).
الطَّبِيبُ... هُوَ اللَّهُ... الَّذِي
خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ... هُوَ الَّذِي رَآهُ... وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ:
أَنَا فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ... أُرِيدُ أَنْ أُبْتَلِيَكَ... فَأَبْتَلِيكَ... أُرِيدُ
أَنْ أَشْفِيَكَ... فَأَشْفِيكَ... أُرِيدُ أَنْ أَرْفَعَ دَرَجَتَكَ... فَأَرْفَعُهَا...
أُرِيدُ أَنْ أُكَفِّرَ ذُنُوبَكَ... فَأُكَفِّرُهَا.
يَا مَنْ تَسْأَلُ: لِمَاذَا أَنَا؟...
اسْمَعِ الْجَوَابَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ... اللَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ... ابْتِلَاؤُكَ
لَيْسَ عَبَثًا... مَرَضُكَ لَيْسَ صُدْفَةً... أَلَمُكَ لَيْسَ بِلَا حِكْمَةٍ...
اللَّهُ يُرِيدُ بِكَ خَيْرًا... اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَكَ... اللَّهُ يُرِيدُ
أَنْ يُطَهِّرَكَ...
أَيُّهَا النَّاسُ... اسْمَعُوا قِصَّةَ
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ... سَيِّدُ الْعُلَمَاءِ...
وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي الشَّامِ... وَهُوَ
مَرَضٌ فَتَّاكٌ... لَا يَرْحَمُ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا... فَمَاتَتِ ابْنَتَاهُ...
فَقَالَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ... ثُمَّ طُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ... فَقَالَ:
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ... ثُمَّ طُعِنَ هُوَ فِي ظَهْرِ
كَفِّهِ... وَجَعَلَ الْوَجَعُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ... وَمَعَ ذَلِكَ... قَالَ: هِيَ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ.
أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ...
مِنْ أَغْلَى الْإِبِلِ وَأَنْفَسِهَا... مَرَضٌ يُؤْلِمُهُ... وَيُهَدِّدُ حَيَاتَهُ...
وَهُوَ يَقُولُ: أَحَبُّ إِلَيَّ... لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمَرَضَ... يَرْفَعُ
دَرَجَتَهُ... وَيُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ... يَا لَيْتَ الْمَرْضَى الْيَوْمَ يَعْلَمُونَ
مَا عَلِمَهُ مُعَاذٌ... يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَرَضَهُمْ هَدِيَّةٌ...
يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَلَمَهُمْ نِعْمَةٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ... اسْمَعُوا قِصَّةَ
أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ... أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ...
أَصَابَهُ الطَّاعُونُ فِي الشَّامِ...
مَرَضٌ يَقْتُلُ... وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْتُلُ... فَبَقِيَ مُحْتَسِبًا صَابِرًا...
لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَكَّةَ... لَمْ يَهْرُبْ إِلَى الْمَدِينَةِ... لِأَنَّهُ لَا
يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا... صَبَرَ عَلَى مَرَضِهِ حَتَّى لَقِيَ رَبَّهُ شَهِيدًا
بِمَرَضِ الطَّاعُونِ.
أَمِينُ الْأُمَّةِ... يَمُوتُ شَهِيدًا...
لَا بِسَيْفٍ... بَلْ بِمَرَضٍ... لِأَنَّ الْمَرَضَ شَهَادَةٌ... لِأَنَّ الْمَرَضَ
جِهَادٌ... لِأَنَّ الْمَرَضَ رِفْعَةٌ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَ
سِنِينَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ...
فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي عَنْهُ قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ أَمِينَ اللَّهِ وَأَمِينَ رَسُولِهِ.
أَيُّهَا الْمُبْتَلُونَ... اسْمَعُوا قِصَّةَ
عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ... مُفْتِي الْحَرَمِ...
كَانَ أَعْوَرَ... أَشَلَّ... أَعْرَجَ...
أَسْوَدَ... ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ... ثُمَّ عَمِيَ فِي آخِرِ
عُمْرِهِ... اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْبَلَايَا كُلُّهَا... عَيْنٌ... يَدٌ... رِجْلٌ...
لَوْنٌ... وَمَعَ ذَلِكَ... كَانَ سَيِّدَ فُقَهَاءِ مَكَّةَ... يَنْتَهِي إِلَيْهِ
رِيَاسَةُ الْفُتْيَا... يَأْتِيهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ... وَكَانَ الْمَسْجِدُ
فِرَاشَهُ عِشْرِينَ سَنَةً... وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَلَاةً.
مَا مَنَعَهُ الْمَرَضُ... مَا مَنَعَهُ
الْعَمَى... مَا مَنَعَتْهُ الْإِعَاقَةُ... مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا... مِنْ أَنْ
يَكُونَ عَالِمًا... مِنْ أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً... يَا مَنْ يَقُولُ: مَرَضِي قَتَلَ
طُمُوحِي... انْظُرْ إِلَى عَطَاءٍ... يَا مَنْ يَقُولُ: سَقَمِي أَوْقَفَ حَيَاتِي...
انْظُرْ إِلَى عَطَاءٍ... يَا مَنْ يَقُولُ: أَلَمِي مَنَعَنِي... انْظُرْ إِلَى عَطَاءٍ.
أَيُّهَا النَّاسُ... اسْمَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ
الْعَظِيمَ...
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ
الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ».
تَخَيَّلْ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ... يُعْطَى
الْمَرْضَى... يُعْطَى الْمُبْتَلُونَ... يُعْطَى أَصْحَابُ الْأَلَمِ... ثَوَابًا
عَظِيمًا... فَيَتَمَنَّى الْأَصِحَّاءُ... الَّذِينَ عَاشُوا فِي عَافِيَةٍ... لَمْ
يَتَوَجَّعُوا... لَمْ يَمْرَضُوا... يَتَمَنَّوْنَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ
فِي الدُّنْيَا... لَوْ أَنَّهُمْ تَعَذَّبُوا... لَوْ أَنَّهُمْ تَأَلَّمُوا... لِيَنَالُوا
هَذَا الثَّوَابَ... هَذَا هُوَ الْمَرَضُ... نِعْمَةٌ فِي ثَوْبِ نِقْمَةٍ... رَحْمَةٌ
فِي صُورَةِ أَلَمٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ... اسْمَعُوا إِلَى
هَذِهِ الْمَرْأَةِ...
امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ... جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ... وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ...
يَأْتِيهَا الصَّرْعُ فَتَسْقُطُ وَتَنْكَشِفُ عَوْرَتُهَا... أَمَامَ النَّاسِ...
حَرَجٌ... خِزْيٌ... أَلَمٌ...
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ... وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ
اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ».
اخْتَارَتْ... قَالَتْ: أَصْبِرُ... أَصْبِرُ
عَلَى الصَّرْعِ... أَصْبِرُ عَلَى الْخِزْيِ... أَصْبِرُ عَلَى الْحَرَجِ... لِأَنَّهَا
تُرِيدُ الْجَنَّةَ... لِأَنَّهَا تُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ... قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
يَا مَنْ تَخَافُ مِنَ الْمَرَضِ... هَذِهِ
امْرَأَةٌ اخْتَارَتِ الْمَرَضَ لِتَدْخُلَ الْجَنَّةَ... يَا مَنْ تَتَسَخَّطُ عَلَى
الْبَلَاءِ... هَذِهِ امْرَأَةٌ رَضِيَتْ بِالْبَلَاءِ لِتَنَالَ الرِّضَا... يَا مَنْ
تَخَافُ الْأَلَمَ... هَذِهِ امْرَأَةٌ احْتَضَنَتِ الْأَلَمَ لِتَنَالَ الثَّوَابَ.
وَخِتَامًا... أَيُّهَا الْمَرِيضُ... يَا
مَنْ أَنْتَ فِي فِرَاشِكَ تَتَوَجَّعُ...
اسْمَعْ كَلِمَةَ نَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ
عَلَيْهِ السَّلَامُ... الَّذِي ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِبَلَاءٍ لَمْ يُصِبْ أَحَدًا
مِنَ الْخَلْقِ... فَقَدَ الْمَالَ... فَقَدَ الْأَوْلَادَ... أَصَابَهُ الْمَرَضُ
ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً... لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا زَوْجَتُهُ... وَكَانَ لَا
يَشْكُو... وَلَا يَتَسَخَّطُ... وَلَا يَجْزَعُ... فَقَالَ رَبُّهُ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ
صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]...
كِتَابُ اللَّهِ... الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ...
يُثْنِي عَلَى عَبْدٍ... لَا عَلَى نَبِيٍّ... لَا عَلَى مَلِكٍ... لَا عَلَى عَالِمٍ...
بَلْ عَلَى صَابِرٍ... نِعْمَ الْعَبْدُ... مَا أَعْظَمَهَا مِنْ شَهَادَةٍ مِنَ اللَّهِ...
إِنَّهُ أَوَّابٌ... رَجَّاعٌ إِلَى اللَّهِ... فِي كُلِّ حَالٍ.
يَا مَنْ تَتَوَجَّعُ الْيَوْمَ... اصْبِرْ...
فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاكَ... يَا مَنْ تَبْكِي فِي اللَّيْلِ... اصْبِرْ... فَإِنَّ
اللَّهَ يَسْمَعُكَ... يَا مَنْ تَقُولُ: لِمَاذَا أَنَا؟... اصْبِرْ... فَإِنَّ اللَّهَ
يُرِيدُ بِكَ خَيْرًا.
وَاعْلَمْ... يَا عَبْدَ اللَّهِ... أَنَّ
الْمَرَضَ رِسَالَةٌ... رِسَالَةُ حُبٍّ مِنَ السَّمَاءِ... اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْكَ... اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ... اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَكَ...
الْمَرَضُ لَيْسَ عُقُوبَةً... بَلْ رَحْمَةٌ... الْمَرَضُ لَيْسَ غَضَبًا... بَلْ
مَحَبَّةٌ... الْمَرَضُ لَيْسَ نِهَايَةً... بَلْ بِدَايَةٌ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ
شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا
لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ... وَاصْبِرُوا... وَاحْتَسِبُوا... وَاعْلَمُوا أَنَّ الْفَرَجَ قَرِيبٌ... وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالشُّكْرُ
لَهُ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ... إِنَّ الْمَرَضَ نِعْمَةٌ
مُلْبَسَةٌ... وَرَحْمَةٌ خَفِيَّةٌ... فَلَا تَجْزَعُوا وَلَا تَسْخَطُوا... وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ... فَإِنَّ
دُعَاءَ الْمَرِيضِ مُسْتَجَابٌ... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ، فَمُرْهُ فَلْيَدْعُ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعَاءَهُ
كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ».
وَاعْلَمُوا... أَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنْقِصُ
مِنْ قَدْرِ الْعَبْدِ... بَلْ يَرْفَعُهُ... وَلَا يُنْقِصُ مِنْ أَجْرِهِ... بَلْ
يُضَاعِفُهُ... وَلَا يُبْعِدُهُ مِنَ اللَّهِ... بَلْ يُقَرِّبُهُ.
اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى
الْمُسْلِمِينَ، وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَافِ مُبْتَلَانَا
وَمُبْتَلِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُخَيِّبْ لَنَا دُعَاءً، وَلَا تَرُدَّ لَنَا رَجَاءً،
بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ
مُحَمَّدٍ...
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.خطبة بعنوان (الْمَرَضُ...
رِسَالَةُ حُبٍّ مِنَ السَّمَاءِ)