recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة مكانة الأخ العاقل في الاسلام الشيخ عبدالناصربليح

 مكانة الأخ العاقل في الاسلام

 


الحمد لله الولي الحميد، الفعَّال لما يُريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب الخُلُق الراشد والنهج السديد، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد

منزلة الأخ وأهميته

فإن للأخ منزلة كريمة، ومكانة سامية عظيمة؛ فهو عطية من الله تعالى، وهبة منه سبحانه؛ قال عز وجل عن سيدنا موسى عليه السلام:"ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا". 

وذلك بعدما دعا موسى ربه أن يجعل أخاه هارون معينا له، وشريكا في أمره فقال:" اشدد به أزري وأشركه في أمري". 

عباد الله :" ونحن مع  أفضل أخوين ضرب القرآن قصتهما لنا مثلاً إنهما موسي وهارون عليهما السلام

وَمَا ذَكَرَ اللَّـهُ -تَعَالَى- لَنَا ذَلِكَ إِلَّا لِنَقْتَدِيَ بِهِمَا، فَنُدْرِكَ مَكَانَةَ الْأَخِ الْعَظِيمَةَ، وَأَهَمِّيَّتَهُ الْكَبِيرَةَ، فَيُحَافِظَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وُدِّ أَخِيهِ، وَيَحْرِصَ عَلَى بَذْلِ الْـمَعْرُوفِ

أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: بعدما طلب موسي من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون وقد عظُمتْ المُهمةُ وعلمَ أنَّه ليسَ لها بعدَ اللهِ تعالى إلا أخاهُ، فسألَ اللهَ تعالى الأخَ وزيراً وشريكاً، فأجابَ اللهُ دُعاهُ:" وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي  كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا  إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى "(طه: 29 - 36).

فقَالَ اللَّـهُ -تَعَالَى- لِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-:"سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ"(القصص 35) أَيْ: سَنُقَوِّي أَمْرَكَ، وَنُعِزُّ جَانِبَكَ بِأَخِيكَ، فَإِنَّ الْأَخَ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى أَخِيهِ، وَالْأَحْرَصُ عَلَى سَلَامَتِهِ وَنَفْعِهِ، يُعِينُهُ بِإِخْلَاصٍ، وَيَقِفُ إِلَى جِوَارِهِ بِصِدْقٍ وَقُوَّةٍ، لِذَلِكَ اخْتَارَ مُوسَى أَخَاهُ هَارُونَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِيُؤَازِرَهُ فِي مُهِمَّتِهِ، وَيَكُونَ لَهُ شَرَفُ النُّبُوَّةِ مَعَهُ، وَدَعَا لَهُ بِالْـمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ اللَّـهُ -سُبْحَانَهُ- حِكَايَةً عَنْ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[الأعراف: 151]،  أَيِ: اغْفِرْ ذُنُوبَنَا بِسِتْرٍ مِنْكَ، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ الَّتِي تَرْحَمُ بِهَا عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنَّةً عَلَى أَخِيهِ، مِنْ مُوسَى عَلَى هَارُونَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، فَإِنَّهُ شُفِّعَ فِيهِ حَتَّى جَعَلَهُ اللَّـهُ نَبِيًّا وَرَسُولًا.

فالأخ هو الحصن لأخيه والمنعة، ومصدر العون والقوة؛ يقف معه ويؤازره بكل ما استطاع، ويكون ركنه الذي يلجأ إليه في مواجهة أعباء الحياة؛ لتتحقق بينهما الصلة في أبهى صورها، وأرقى تجلياتها؛ ويحققا لأهلهما السعادة والاطمئنان، ولأسرهما الترابط والانسجام، ولمجتمعهما التلاحم والسلام.

فإنها دنيا تغرّ الجّاهل، ولا تسرّ العاقل

 كيف لأخ أن يكره أخاه إبن  أمه وأبيه أولئك الذين خرجوا من صُلبِ أبٍ واحد، أو اجتمعوا في رَحِمِ أمٍ واحدة، أو نشأوا من الاثنين معاً؛ كلُّهم إخوةٌ في النَّسب، يجمعهم بطنٌ واحدٌ حملهم، وحِضنٌ دافئٌ ضمَّهم، ولبنٌ واحدٌ أرضعهم

بل ليس كره فقط إنه يذمه ويشتكيه ويسبه أمام الغرباء بل يصفه أنه عدوه؟

يكدر صفوة الأخوةِ مطامعُ الدنيا: مالٌ، وميراثٌ، وعَقَارٌ، وإيجارٌ ونساء.

وأقول لهؤلاء

الأخُ هو عصاكَ التي تتكئُ عليها وسطَ عواصفِ العُمُرِ.. الأخُ هو سَندُكَ إذا تكالبتْ عليكَ الهمومُ وضاقَ بكَ الصَّدرُ.. أخوكَ بعدَ اللهِ تعالى هو النَّصيرُ لكَ في الحياةِ والمُعينُ.. أخوكَ هو أُنسُ الخاطرِ وسلوَّةُ القلبِ وقُرَّةُ العينِ.

أَخَاكَ أَخَاكَ إنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ 

                                كَسَاعٍ إلَى الهَيجَا بغَيرِ سِلاَحِ

وإِن ابن عم المرء فاعلم جناحُه

                           وَهَل ينهضُ البازي بغير جناح

وَما طالبُ الحاجات إِلّا معذياً

                                    وَما نال شيئاً طالب لنجاح

لحا اللَه من باع الصديق بغيره

                                  وما كل بيع بعته برباح

كمفسد أَدناه ومصلح غيره

                                  وَلَم يأَتمر في ذاك غير صلاح

عباد الله: إنه الأخ شخصٌ يفرحُ لفرحِكَ ويحزنُ لُحزنِكَ، يَزينُهُ ما يزينُكَ، ويعيبُه ما يعيبُكَ، ينشر حسناتِك، ويَطوي سيئاتِكَ، ويتحمَّلُ أخطاءَك وهفواتِكَ، إذا خدمتَه صانَكَ، وإن صحبتَه زانَكَ، يكتمُ سِرَّكَ، ويَسترُ عيبَك، يُخفي منكَ كلَّ قَبيحٍ ويُبدي منكَ كلَّ جميلٍ، ويتمنى لكَ كلَّ نجاحٍ وتوفيقٍ وخيرٍ جَزيلٍ.

الأخُ الذي إذا مدَدتَ يدكَ بخيرٍ مدَّها.. وإن رأى منك حَسنةً عدَّها.. وإن رأى منكَ سيئةً سدَّها..إذا سألتَه أعطاكَ.. وإن سكتَّ عنه ابْتَدَاكَ.. وإن نزلتَ بك نازلةٌ واساكَ.. أخوكَ الذي إذا قُلتَ صدَّقَ قولَكَ.. وإذا رأى منكَ عورةً نصحَكَ.. وإن تنازعتما في شيءٍ آثركَ.. يكونُ معكَ في النوائبِ.. ويؤثركَ في الرغائبِ.. يضرُّ نفسَه لينفعكَ.. ويُشتِّتُ شملَه ليجمعكَ.

إنَّ أخاكَ الحقَّ مَن كَانَ مَعَكَ

                           وَمَنْ يَضُرُّ نفسَهُ لِيَنفعَكْ

وَمَنْ إذا رَيبُ الزَّمانِ صَدَعَكَ

                           شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمعك

كَانَ أَحَدُ أَحْفَادِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رضى الله عنه- عَالِمًا بِالْـحَدِيثِ الشَّرِيفِ... وَكَانَ كُلَّمَا سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ؛ أَحَالَ السَّائِلَ عَلَى أَخِيهِ الْكَبِيرِ احْتِرَامًا لَهُ وَتَقْدِيرًا.

وَالْأَخُ الْكَبِيرُ رَحِيمٌ بِأَخِيهِ الصَّغِيرِ؛ يُشْفِقُ عَلَيْهِ، وَيُولِيهِ اهْتِمَامَهُ، وَيَرْعَاهُ وَيُعَلِّمُهُ؛ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا"(الترمذي وغيره).

وَإِنَّ الْأَخَ حَلِيمٌ مُتَسَامِحٌ؛ فَإِذَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ خِلَافٌ أَوْ خُصُومَةٌ سَارَعَ إِلَى تَجْدِيدِ الصِّلَةِ، وَتَقْوِيَةِ الْعَلَاقَةِ، وَبَادَرَ إِلَى الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ، وَصِفَاتِ الْكِبَارِ

ساضرب لكم مثلاً في اخ احب أخاه

عن خالدٍ -رضي الله عنه- قال: "أسلمَ أخي ودخلَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى اللَّـه عليه وسلم- فِي عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، وَكتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقَلَكَ، وَمِثْلُ الإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّـهِ -صلى اللَّـه عليه وسلم- عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟" فَقُلْتُ: يَأْتِي اللَّـهُ بِهِ، فَقَالَ صلى اللَّـه عليه وسلم: "مَا مِثْله يَجْهَلُ الإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلقدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ، قَالَ خَالِدٌ: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الإِسْلَامِ..."(البيهقي في دلائله).

سؤال ماذا تفعل لو جار عليك اخوك هل ستسامحه ؟

اسمع إلى هذا الموقفِ.. رجعَ موسى - عليه السَّلامُ - من ميقاتِ ربِّه ﴿ غَضْبَانَ أَسِفًا ﴾ [الأعراف: 150] بسببِ عبادةِ قومِه للعجلِ، ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ [الأعراف: 150] الأكبرِ هارونَ وأمسكَه من لحيتِه وهو نبيٌّ من الأنبياءِ، ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ [الأعراف: 150] من الغضبِ.

فماذا كانَ موقفُ الأخِ الأكبرِ هارونَ - عليه السَّلامُ -؟: ﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 94].

ذكَّره بأنَّه أخوهُ، وقَدَّمَ ذِكرَ الأمِّ على ذِكرِ الأبِ؛ لأنَّها أشفُق وأرحمُ وأرقُّ وأعطفُ، كأنَّه يقولُ له: إنَّ المقامَ مقامُ رأفةٍ.. فأنا أخوكَ.. وأخبرَه بأنَّه ليسَ مُقصِّراً ولا ظالماً، وبيَّنَ لهُ عُذرَهُ، ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ [الأعراف: 150] فكادَ أن يُقتلَ في سبيلِ النَّهيِّ عن عبادةِ العجلِ.

 ثُمَّ قالَ له: ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 150]، فشماتةُ الأعداءِ بأخيكَ الأكبرِ وكونُه من القومِ الظالمينَ، مما يُحزنُكَ ويعيبُكَ أنتَ أيضاً أيُّها الأخُ المُباركُ.

﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ﴾ [الأعراف: 154]، وتذكَّرَ ما فعلَ بأخيه، ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأعراف: 151]..

فما أجملَ الأخوَّةِ في أسمى معانيها.. خِلافٌ.. فهدوءٍ.. فاعتذارٌ.. فتسامحٌ.. فدعاءٌ واستغفارٌ.

سامِحْ أخاكَ إذا خَلَطْ

                          مِنْهُ الإصابةَ والغَلَطْ

وتَجَافَ عن تعنيفهِ

                           إن زاغَ يوماً أو قَسَطْ

واعلمْ بأنَّك إِنْ طَلَبْتَ

                        مُهَذَّبَاً رُمْتَ الشَّطَطْ

مَنْ ذا الذي ما سَاء قَطْ

                            ومَنْ لَه الحُسنى فَقَطْ

اللهم بارك لنا في إخوتنا الاحياء وارحم يارب من مات وما زال ساكناً في قلوبنا

اللهم اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا، ربنا اغفر لآبائنا وامهاتِنا، اللهمَّ حبِّبْ إلينا الإيمانَ، وزينْه في قلوبِنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، اللهمَّ ارحمْ من كانَ منهم تحتَ الترابِ، واجعلْ فردوسَك لهم داراً

وصلي الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين


 واجب الأخ تجاه أخيه

لقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأخ سواء كان شقيقا أم لأب أو لأم، أو كان أخا من الرضاعة؛ هو أولى الناس بالإحسان، والبر والإكرام، بعد الأب والأم والأخت؛ قال عليه الصلاة والسلام :«بر أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك». وبر الأخ يكون بالسؤال عنه وعن أولاده وأهله، وتفقد أحواله، والتودد إليه، وزيارته وصلته، ومشاركته في أفراحه وأتراحه؛ فيفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، فالصلة التي تسري في عروق الإخوة واحدة، فقد تربوا في بيت واحد، واجتمعوا على طعام واحد، تجمعهم ذكريات جميلة في طفولتهم، ومواقف لا تنسى في نشأتهم، وصباهم وشبابهم، وتوحدهم علاقات المحبة والتعاون طيلة حياتهم.

وإن قوام العلاقة الصادقة بين الأخ وأخيه: أن يحب له ما يحب لنفسه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه :«أتحب الجنة؟» قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم :«فأحب لأخيك ما تحب لنفسك». أي أحب لأخيك من النسب وغيره ما تحب لنفسك من الخير.

فالأخ يحب لأخيه الخير، ويعمل على تحقيق نفعه؛ كما فعل الوليد بن الوليد رضي الله عنه، حين أرسل إلى أخيه خالد بن الوليد رضي الله عنه رسالة يدعوه فيها إلى ما فيه رفعته، وبه نجاته وفوزه؛ قال خالد رضي الله عنه: فلما جاءني كتاب أخي... عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وأسلمت.

والأخ مرآة أخيه؛ إذا رأى فيه عيبا أصلحه، وإن وجد فيه نقصا أكمله، وإذا نصحه أخلص النصيحة له، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له»؛ فينصحه بالفضائل، ويدله على المحاسن، ويستشيره فيما عرض له من الأمور؛ فقد سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله: ما خير ما أعطي الإنسان؟ فقال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ شقيق يستشيره.

احترام الأخ الكبير

إن الأخ الصغير يعرف لأخيه الكبير فضله، فيكن له التوقير والاحترام، وينزله منزلة أبيه في التقدير والإكرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« ليس منا من لم يوقر كبيرنا». وكان أحد أحفاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عالما بالحديث الشريف... وكان كلما سئل عن حديث؛ أحال السائل على أخيه الكبير احتراما له وتقديرا.

والأخ الكبير رحيم بأخيه الصغير؛ يشفق عليه، ويوليه اهتمامه، ويرعاه ويعلمه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم :« ليس منا من لم يرحم صغيرنا». وإن الأخ حليم متسامح؛ فإذا وقع بينه وبين أخيه خلاف أو خصومة سارع إلى تجديد الصلة، وتقوية العلاقة، وبادر إلى الصفح والعفو، فإن ذلك من شيم الكرام، وصفات الكبار.

تعاون الأخ مع أخيه

إن الأخ يتعاون مع أخيه بحب، ويسعى في تيسير أموره بود، ويمده بماله عند حاجته بكرم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك». وإن الهدية تعمق المودة بين الأخ وأخيه، وتعزز بينهما المحبة والإخاء، لذا حرص عليها الصحابة رضي الله عنهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثوبا جميلا، فأهداه عمر رضي الله عنه إلى أخ له. فكان الأخ أول من فكر فيه عمر رضي الله عنه؛ ليؤثره بالهدية على نفسه. ومن أفضل ما يقدمه الأخ لأخيه دعوة صالحة بظهر الغيب، فذلك مما يعود بالخير والبركة عليهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل؛ كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل».

الأخ قوة أخيه

قال الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ سنشد عضدك بأخيك﴾ أي: سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك. فإن الأخ هو الأقرب إلى أخيه، والأحرص على سلامته ونفعه، يعينه بإخلاص، ويقف إلى جواره بصدق وقوة، لذلك اختار موسى أخاه هارون دون غيره؛ ليؤازره في مهمته، ويكون له شرف النبوة معه، ودعا له بالمغفرة والرحمة، قال الله سبحانه حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾أي: اغفر ذنوبنا بستر منك، وارحمنا برحمتك الواسعة التي ترحم بها عبادك المؤمنين.

قال بعض العلماء: ليس أحد أعظم منة على أخيه، من موسى على هارون عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا. وما ذكر الله تعالى لنا ذلك إلا لنقتدي بهما، فندرك مكانة الأخ العظيمة، وأهميته الكبيرة، فيحافظ كل واحد منا على ود أخيه، ويحرص على بذل المعروف له.

 الخطبة الثانية 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

تحتل الأخوة في الإسلام مكانة عظيمة، وتزداد هذه المكانة رفعة عندما يتصف الأخ بالعقل والحكمة. 

في الشريعة الإسلامية، يُنظر إلى الأخ العاقل باعتماده السند المتين، والمستشار المؤتَمَن، والقدوة القدوة داخل الأسرة.

وتتجلى مكانة الأخ العاقل في الإسلام عبر الأدوار والمسؤوليات التالية:

1. السند والمشدّد للعضداختار الله تعالى الأخ ليكون سنداً لأخيه في مواجهة صعاب الحياة. ويظهر هذا جلياً في القرآن الكريم عندما طلب النبي موسى عليه السلام من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، فقال تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 29-31]. 

والأخ العاقل هو من يحقق هذا الدعم بحكمته وحسن تصرفه.

2. المستشار المؤتمن والناصح الأمين العقل والحكمة يؤهلان الأخ ليكون المرجع الأول لإخوانه عند مواجهة المشكلات. فالإسلام يحث على النصيحة، والأخ العاقل يقدم نصيحته بحب وإخلاص دون توبيخ أو تعيير، مستنداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».

3. الساعي بالإصلاح ولمّ الشمل

يتميز الأخ العاقل بقدرته على استيعاب الخلافات الأسرية وإخماد الفتن. فهو يمتثل لأمر الله تعالى في قوله: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، فيكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر داخل بيته.

4. القدوة الحسنة والبديل للأب في حال غياب الأب أو كبره، يتولى الأخ العاقل (خاصة الأكبر) دور القائد والراعي للأسرة. 

وقد رُوي في بعض الآثار: «حَقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ». وعقله يمنعه من الظلم والجور، بل يدفع به إلى التضحية والرعاية.

5. واصل الرحم والبر بوالديه الأخ العاقل يدرك أن حسن علاقتي بإخوانه هو جزء لا يتجزأ من صلة الرحم التي أمر الله بها ووعد عليها بالبركة في الرزق والعمر، وهي مظهر من مظاهر بر الوالدين في حياتهما وبعد مماتهما، لأن رؤية الأبناء متحابين هي أعظم قرة عين للوالدين.

فالأخ من النسب كبيرا كان أو صغيرا؛ له حقّ في البرّ والصلة، ففي سنن أبي داود عن كليب بن منفعة عن جده، أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من أبر؟ قال: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة.

والأخ الأكبرالعاقل له حقّ على أخيه في التوقير والإكرام، ولا سيما إذا كان صالحا، وقد جاء في مجمع الزوائد عَنْ كُلَيْبٍ الْجُهَنِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْأَكْبَرُ مِنَ الْإخْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ الْوَاقِدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

قال المناوي -رحمه الله- في التيسير بشرح الجامع الصغير: (الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب) في الاكرام، والاحترام، والرجوع إليه، والتعويل عليه، وتقديمه في المهمات. والمراد الأكبر دينا، وعلما، وإلا، فسِنًّا. انتهى.

وقد أمر الشرع بتوقير الكبير عموما، ففي سنن الترمذي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال : جاء شيخ يريد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا.

فاللهم اجعلنا من الواصلين أرحامهم، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد الأمين صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾

 


google-playkhamsatmostaqltradent