فتنة المسيح الدجال
حديث أبي أمامة رضي الله عنه مع تخريجه
يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال .
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فكان أكثر خطبته ذكر الدجال ، يحدثنا عنه حتى فرغ من خطبته فكان فيما قال لنا يومئذ : " إن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال ، وإني آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيج كل مسلم ، وإن يخرج فيكم بعدي فكل امرئ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، إنه يخرج من خلة بين العراق والشام ، فعاث يميناً وعاث شمالاً ،
يا عباد الله فاثبتوا فإنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي ، ثم يثني حتى يقول : أنا ربكم وإنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا ، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن ، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه ، وليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف ، وإنه يسلط على نفس من بني آدم فيقتلها ، ثم يحييها ، وأنه لا يعدو ذلك ولا يسلط على نفس غيرها ، وأن من فتنته أن معه جنة وناراً فناره جنة وجنته نار ، فمن ابتلي بناره فليغمض عينيه وليستغث بالله تكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام ، وأن من فتنته أن يمر على الحي فيؤمنون به ويصدقونه فيدعو لهم فتمطر السماء عليهم من يومهم وتخصب لهم الأرض من يومها ، وتروح عليهم ماشيتهم من يومها أعظم ما كانت وأسمنه وأمده خواصر وأدره ضروعا ، ويمر على الحي فيكفرون به ويكذبونه فيدعو عليهم فلا يصبح لهم سارح يسرح ، وأن أيامه أربعون فيوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة ويوم كالأيام ، وآخر أيامه كالسراب ، يصبح الرجل عند باب المدينة فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخرة " قالوا : كيف نصلي يا رسول الله في تلك الأيام القصار ؟ قال :" تقدرون فيها ثم تصلون كما تقدرون في الأيام الطوال" .
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه بهذه السياقة .
1 - يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال .
2 - وإن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال .
3 - وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم .
4 - وهو خارج فيكم لا محالة .
5 - فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم وإن يخرج من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم .
6 - وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق فيعيث يمينا وشمالا يا عباد الله فاثبتوا .
7 - فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي :
8 - إنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي .
9 - ثم يثني فيقول : أنا ربكم . ولا ترون ربكم حتى تموتوا .
10 - وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور .
11 - وإنه مكتوب بين عينيه : كافر .
12- يقرؤه كل مؤمن كاتب أوغير كاتب .
13- وإن من فتنته أن معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار .
14 - فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح ( الكهف ) .
15 - فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم .
16 - وإن من فتنته أن يقول لأعرابي : أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك ؟ فيقول:نعم.فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان : يا بني اتبعه فإنه ربك .
17 - وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها .
18 - وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين ثم يقول : انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربا غيري . فيبعثه الله ويقول له الخبيث : من ربك ؟ فيقول : ربي الله وأنت عدو الله أنت الدجال والله ما كنت قط أشد بصيرة بك مني اليوم .
19 - وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت .
20 - وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت .
21 - وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا . 22 - وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة . 23 - لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة . 24 - حتى ينزل عند الضريب الأحمر عند منقطع السبخة .
25 - فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه .
26 - فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد . 27 - ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص .
28-فقالت أم شريك بنت أبي العكر:يارسول الله فأين العرب يومئذ؟قال:هم يومئذ قليل.
29 - وجلهم ببيت المقدس .
30- وإمامهم رجل صالح .
31 - فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له : تقدم فصل فإنها لك أقيمت . فيصلي بهم إمامهم .
32 - فإذا انصرف قال عيسى : افتحوا الباب - فيفتح ووراءه الدجال .
33 - معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج .
34 - فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء .
35 - وينطلق هاربا ويقول عيسى عليه السلام : إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها .
36 - فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله .
37 - فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله .
38 - وإن أيامه أربعون سنة.
39-السنة كنصف السنة والسنة كالشهر والشهر كالجمعة. 41- وآخرأيامه كالشررة .
40 - -يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي .
42 - فقيل له : كيف نصلي في تلك الأيام القصار ؟ قال : تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلوا .
43-فيكون عيسى ابن مريم عليه السلام في أمتي حكماعدلا وإماما مقسطا يدق الصليب ويذبح الخنزيرويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره.
44 - وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها .
45 - وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم يكون الثور بكذا وكذا من المال وتكون الفرس بالدريهمات .
46 - قالوا : يا رسول الله وما يرخص الفرس ؟ قال : لا تركب لحرب أبدا .
47 - قيل : فما يغلي الثور ؟ قال : تحرث الأرض كلها .
48 - وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب
الناس فيها جوع شديد يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمرا لأرض
فتحبس ثلث نباتها ثم يأمر السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي
نباتها ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر
الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء فلا تبق ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله
49 -
قيل
: فما يعيش الناس في ذلك الزمان ؟ قال : التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري
ذلك عليهم مجرى الطعام " . (ابن ماجة ).
يا أَيُّها الناسُ ! إنها لم تكن فتنةٌ
على وجهِ الأرضِ ، منذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدمَ أَعْظَمَ من فتنةِ الدَّجَّالِ
، وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لم يَبْعَثْ نبيًّا إلا حَذَّرَ أُمَّتَه الدَّجَّالَ ،
وأنا آخِرُ الأنبياءِ ، وأنتم آخِرُ الأُمَمِ ، وهو خارجٌ فيكم لا مَحالةَ ، فإن يخرجْ
وأنا بين أَظْهُرِكم ، فأنا حَجِيجٌ لكلِّ مسلمٍ ، وإن يخرجْ من بَعْدِي ، فكلٌّ حَجِيجُ
نفسِه ، واللهُ خَلِيفَتِي على كلِّ مسلمٍ ، وإنه يخرجُ من خُلَّةٍ بين الشامِ والعراقِ
. فيَعِيثُ يمينًا وشمالًا ، يا عبادَ اللهِ ! أَيُّها الناسُ ! فاثبُتوا فإني سأَصِفُه
لكم صفةً لم يَصِفْها إياه قبلي نبيٌّ ، … يقولُ : أنا ربُّكم ، ولا تَرَوْنَ ربَّكم
حتى تَمُوتُوا ، وإنه أَعْوَرُ ، وإنَّ ربَّكم ليس بأَعْوَرَ ، وإنه مكتوبٌ بين عَيْنَيْهِ
: كافرٌ ، يقرؤُه كلُّ مؤمنٍ ، كاتِبٌ أو غيرُ كاتِبٍ . وإنَّ من فتنتِه أنَّ معه جَنَّةً
ونارًا ، فنارُه جنةٌ ، وجنتُه نارٌ ، فمَن ابتُلِيَ بنارِه فلْيَسْتَغِثْ باللهِ ،
ولْيَقْرَأْ فواتِحَ الكهفِ… وإنَّ من فتنتِه أن يقولَ للأعرابيِّ : أرأيتَ إن بَعَثْتُ
لك أباك وأمَّك أَتَشْهَدُ أني ربُّك ؟ فيقولُ : نعم ، فيتمثلُ له شيطانانِ في صورةِ
أبيه وأمِّه ، فيقولانِ : يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ ، فإنه ربُّك ، وإنَّ من فتنتِه أن
يُسَلَّطَ على نفسٍ واحدةٍ فيَقْتُلُها ، يَنْشُرُها بالمِنْشارِ حتى تُلْقَى شِقَّيْنِ
، ثم يقولُ : انظُرُوا إلى عَبْدِي هذا ، فإني أَبْعَثُه ثم يَزْعُمُ أنَّ له ربًّا
غيري ، فيبعثُه اللهُ ، ويقولُ له الخبيثُ : مَن ربُّك ؟ فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ،
وأنت عَدُوُّ اللهِ ، أنت الدَّجَّالُ ، واللهِ ما كنتُ قَطُّ أَشَدُّ بصيرةً بك مِنِّي
اليومَ . وإنَّ من فتنتِه أن يأمرَ السماءَ أن تُمْطِرَ ، فتُمْطِرُ ، ويأمرَ الأرضَ
أن تُنْبِتَ ، فتُنْبِتُ . وإنِّ من فتنتِه أن يَمُرِّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه ، فلا
يَبْقَى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَت . وإنَّ من فتنتِه أن يَمُرَّ بالحيِّ ، فيُصَدِّقونه
، فيأمرُ السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرُ ، ويأمرُ الأرضَ أن تُنْبِتَ فتُنْبِتُ ، حتى
تَرُوحَ مَواشِيهِم من يومِهِم ذلك أَسْمَنَ ما كانت ، وأَعْظَمَه ، وأَمَدَّه خَواصِرَ
وأَدَرَّهُ ضُروعًا . وإنه لا يَبْقَى شيءٌ من الأرضِ إلا وَطِئَه وظَهَر عليه ، إلا
مكةَ والمدينةَ ، لا يأتِيهِما من نَقَب من أنقابِهِما إلا لَقِيَتْهُ الملائكةُ بالسيوفِ
صَلْتَةً ، حتى يَنْزِلَ عند الضَّرِيبِ الأحمرِ ، عند مُنْقَطَعِ السَّبَخةِ ، فتَرْجُفُ
المدينةُ بأهلِها ثلاثَ رَجْفاتٍ ، فلا يَبْقَى فيها منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه
، فتَنْفِي الخبيثَ منها ، كما يَنْفِي الكيرُ خَبَثَ الحديدِ ، ويُدْعَى ذلك اليومُ
يومَ الخَلَاصِ ، قيل : فأين العربُ يَوْمَئِذٍ ؟ قال : هم يَوْمَئِذٍ قليلٌ ، . .
. وإمامُهم رجلٌ صالحٌ ، فبَيْنَما إمامُهم قد تَقَدَّم يُصَلِّي بهِمُ الصُّبْحَ ،
إذ نزل عليهم عيسى ابنُ مريمَ الصُّبْحَ ، فرجع ذلك الإمامُ يَنْكُصُ يَمْشِي القَهْقَرَى
ليتقدمَ عيسى ، فيضعُ عيسى يدَه بين كَتِفَيْهِ ، ثم يقولُ له : تَقَدَّمْ فَصَلِّ
؛ فإنها لك أُقِيمَتْ ، فيُصَلِّى بهم إمامُهم ، فإذا انصرف قال عيسى : افتَحوا البابَ
، فيَفْتَحُون ووراءَه الدَّجَّالُ ، معه سبعونَ ألفَ يهوديٍّ ، كلُّهم ذو سيفٍ مُحَلًّى
وسَاجٍ ، فإذا نظر إليه الدَّجَّالُ ذاب كما يذوبُ المِلْحُ في الماءِ . وينطلقُ هاربًا
، … فيُدْرِكُه عند بابِ لُدٍّ الشرقيِّ ، فيقتلُه ، فيَهْزِمُ اللهُ اليهودَ ، فلا
يَبْقَى شيءٌ مِمَّا خلق اللهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَواقَى به يهوديٌّ ، إلا أَنْطَقَ اللهُ
ذلك الشيءَ ، لا حَجَرٌ ولا شجرٌ ولا حائطٌ ولا دابةٌ ، إلا الغَرْقَدَةُ ، فإنها من
شَجَرِهِم لا تَنْطِقُ ، إلا قال : يا عبدَ اللهِ المسلمَ هذا يهوديٌّ فتَعَالَ اقتُلْه
. فيكونُ عيسى ابنُ مريمَ في أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا ، وإمامًا مُقْسِطًا يَدُقُّ
الصليبَ ، ويَذْبَحُ الخِنْزيرَ ، ويضعُ الجِزْيةَ ، ويتركُ الصدقةَ ، فلا يُسْعَى
على شاةٍ ولا بعيرٍ ، وتُرْفَعُ الشحناءُ والتباغُضُ ، وتُنْزَعُ حِمَةُ كلِّ ذاتِ
حِمَةٍ ، حتى يُدْخِلَ الوليدُ يدَه في فِيِّ الحَيَّةِ ، فلا تَضُرُّه ، وتَضُرُ الوليدةُ
الأسدَ فلا يَضُرُّها ، ويكونُ الذئبُ في الغنمِ كأنه كلبُها ، وتُمْلَأُ الأرضُ من
السِّلْمِ كما يُمْلَأُ الإناءُ من الماءِ ، وتكونُ الكلمةُ واحدةً ، فلا يُعْبَدُ
إلا اللهُ ، وتضعُ الحربُ أوزارَها ، وتُسْلَبُ قريشٌ مُلْكَها ، وتكونُ الأرضُ كفاثورِ
الفِضَّةِ ، تُنْبِتُ نباتَها بعَهْدِ آدمَ حتى يجتمعَ النَّفَرُ على القِطْفِ من العنبِ
فيُشْبِعُهم ، ويجتمعُ النَّفَرُ على الرُّمَّانةِ فتُشْبِعُهم ، ويكونُ الثُّوْرُ
بكذا وكذا وكذا من المالِ ، ويكونُ الفَرَسُ بالدُّرَيْهِماتِ ، … وإنَّ قبلَ خروجِ
الدَّجَّالِ ثلاثَ سنواتٍ شِدادٍ ، يُصِيبُ الناسَ فيها جُوعٌ شديدٌ ، يأمرُ اللهُ
السماءَ السنةَ الأولى أن تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِها ، ويأمرُ الأرضَ أن تَحْبِسَ ثُلُثَ
نباتِها ، ثم يأمرُ السماءَ في السنةِ الثانيةِ فتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِها ، ويأمرُ
الأرضُ فتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نباتِها ، ثم يأمرُ السماءَ في السنةِ الثالثةِ فتَحْبِسُ
مطرَها كلَّه ، فلا تَقْطُرُ قُطْرةً ، ويأمرُ الأرضَ فتَحْبِسُ نباتَها كلَّه فلا
تُنْبِتُ خضراءَ ، فلا يَبْقَى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هَلَكَت إلا ما شاء اللهُ ، قيل : فما
يُعِيشُ الناسَ في ذلك الزمانِ ؟ قال : التهليلُ ، والتكبيرُ ، والتحميدُ ، ويُجْزِئُ
ذلك عليهم مَجْزَأَةَ الطعامِ
الراوي : أبو أمامة الباهلي | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 7875 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج : أخرجه أبو داود (4322) بنحوه مختصراً، وابن ماجه (4077) باختلاف يسير
خُروجُ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ آخِرَ الزَّمانِ
أعظَمُ فِتْنةٍ ستَمُرُّ على البَشَريَّةِ؛ فمَن أدْرَكَها ثمَّ حُفِظَ منها، فهو المُوَفَّقُ
مِن اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقد حَذَّرَنا منه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
وأمَرَنا بالتَّمسُّكِ بالعَقيدةِ الصَّحيحةِ والإيمانِ باللهِ كما يُبيِّنُ هذا الحَديثُ،
حيثُ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "يا أيُّها النَّاسُ"، وهذا
نداءٌ لاسْتِرْعاءِ انتِباهِ النَّاسِ لِيُصْغوا جيِّدًا لِمَا سيُقالُ لهم،
"إنَّها لم تكُنْ فِتْنةٌ"، والفِتْنةُ هَرْجٌ وشَرٌّ يُنشَرُ بيْنَ النَّاسِ،
ويَقَعُ فيه قَتْلٌ وقَلْبٌ لِحَقائِقِ الإيمانِ "على وَجهِ الأرْضِ مُنذُ ذَرَأَ
اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أعظَمُ"، أي: أشَدُّ وأخطَرُ "مِن فِتْنةِ الدَّجَّالِ"،
أي: المَسيحُ الدَّجَّالُ، مَأْخوذٌ مِن الدَّجَلِ وهو الكَذِبُ، والدَّجَّالُ: شَخْصٌ
بِعَيْنِه يَبتَلِي اللهُ به عِبادَهُ، ويُقدِرُهُ على أشياءَ مِن مَقدُوراتِ اللهِ
تَعالى: مِن إحياءِ الميِّتِ الذي يَقتُلُهُ، وظُهورِ زَهرَةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه،
وغَيرِ ذلك فِتْنةً للنَّاسِ وامتِحانًا. قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
"وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يَبعَثْ نَبيًّا إلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ"؛
لِخَطَرِهِ وشَرِّهِ؛ حتى يَكونوا على حَذَرٍ منه إنْ ظَهَرَ فيهم، "وأنا آخِرُ
الأنبياءِ، وأنتُمْ آخِرُ الأُمَمِ، وهو خارِجٌ فيكم لا مَحالةَ"، وهذا من نافِلِ
القَولِ؛ لِزيادةِ تَحْذيرِهِم من الدَّجَّالِ؛ لأنَّه أصبَحَ من المُؤكَّدِ أنَّه
سيَخرُجُ فيهم؛ لأنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آخِرُ الأنبياءِ وأُمَّتَهُ
آخِرُ أُمَمِ الأنبياءِ، "فإنْ يَخرُجْ وأنا بيْنَ أظْهُرِكُم"، أي: وأنا
حيٌّ ومَوْجودٌ بيْنَكم، "فأنا حَجيجٌ لكُلِّ مُسلِمٍ"، أكونُ أنا الخَصْمَ
الَّذي يُحَاجِجُ الدَّجَّالَ، ويُقِيمُ عليه الحُجَّةَ نِيابةً عن كُلِّ مُسلِمٍ،
"وإنْ يَخرُجْ مِن بَعدِي، فكُلٌّ حَجيجُ نَفسِهِ"، أي: فكُلُّ امْرِئٍ يُحَاجُّهُ
ويُحَاوِرُهُ ويُغَالِبُهُ لِنَفْسِهِ، "واللهُ خَليفَتي على كُلِّ مُسلِمٍ"،
فاللهُ وَلِيُّ كُلِّ مُسلِمٍ وحَافِظُهُ، فيُعِينُهُ عليه ويَدْفَعُ شَرَّهُ.
ثُمَّ بيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ مكانَ خُروجِه فقالَ: "وإنَّه يَخرُجُ من خَلَّةٍ بيْنَ الشَّامِ والعِراقِ"،
وهِيَ الطَّريقُ بيْنَ هاتَينِ الجِهتَينِ، والخَلَّةُ: مَوْضِعُ صُخُورٍ، "فيَعيثُ
يَمينًا وشِمالًا"، يعني: يُسرِعُ ويَشتَدُّ في الفَسَادِ في كُلِّ الجِهاتِ والنَّواحي،
"يا عبادَ اللهِ! أيُّها النَّاسُ! فاثْبُتوا"، أي: تَمسَّكُوا بالحقِّ واثْبُتوا
عليه؛ "فإنِّي سأصِفُهُ لكم صِفةً لم يَصِفْها إيَّاهُ قَبْلي نَبيٌّ"، أي:
سأصِفُهُ لكم صِفةً جامِعةً تَعْرِفونَهُ بها، ولا يَخْفَى عليكم فاسْتَمِعوها واحْفَظوها
عنِّي، "يقولُ"، أي الدَّجَّالُ: "أنا ربُّكُم. ولا تَرَونَ ربَّكُم
حتَّى تَموتوا"، أي: من عَلاماتِ كَذِبِ الدَّجَّالِ أنَّه يَدَّعي ويَزعُمُ أنَّه
رَبُّ النَّاسِ، ولكِنَّ الحَقيقةَ أنَّ اللهَ ربَّ العالَمينَ لا يَراهُ أحَدٌ من
المُؤمِنينَ إلَّا بعدَ المَوتِ، وأنَّه لا يَتجسَّدُ في صُوَرِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ
ذَكَرَ شَكْلَ الدَّجَّالِ، "وإنَّه أعوَرُ"، أي: عَيْنُهُ مَطْموسةٌ لا
تَرى "وإنَّ ربَّكُم ليس بأعوَرَ"، والمَعْنى أنَّ اللهَ الحقَّ كامِلُ الأوْصافِ،
وليس به صِفةُ نَقصٍ، وليس على صِفةِ الدَّجَّال الأعوَرِ، بل له عَينانِ تَليقانِ
به سُبحانَه، ليسَ كمِثلِه شَيءٌ، "وإنَّه مَكْتوبٌ بيْنَ عَينَيهِ: كافِرٌ"،
أي: مَكْتوبٌ على جَبهَتِهِ بحُروفٍ ظاهِرةٍ كَلِمةُ كافِرٍ أو (كفر)، "يَقرَؤُهُ
كُلُّ مُؤمِنٍ"، أي: يَراهُ كُلُّ مَن ثبَتَ على إيمانِهِ، ويَقرَأُ المَكْتوبَ
بيْنَ عَيْنَيِ الدَّجَّالِ، يَقدِرُ على قِراءَتِهِ المُؤمِنُ، وهي كِتابةٌ حقيقةً
جَعَلَها اللهُ آيةً وعَلامةً من جُملةِ العَلاماتِ القاطِعةِ بكُفرِهِ وكَذِبِهِ،
يُظهِرُها اللهُ تَعالى لكُلِّ مُسلِمٍ ويُخْفيها عمَّن أرادَ شَقاوَتَهُ وفِتْنَتَهُ،
"كاتِبٌ أو غَيرُ كاتِبٍ"، أي: سواءً منهم مَن كان يَعرِفُ القِراءةَ والكِتابةَ
قَبلَ ذلك أوْ لا يَعرِفُ، فإنَّ اللهَ سيُلهِمُهُ المعرفةَ والقِراءةَ، وهذا مِن تَثْبيتِ
اللهِ للمُؤمِنينَ في هذه الفِتْنةِ.
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "وإنَّ
مِن فِتْنَتِهِ أنَّ معه جَنَّةً ونارًا" وهذا فيما يَراهُ النَّاسُ، "فنارُهُ
جَنَّةٌ، وجَنَّتُهُ نارٌ"، وهذا عَكسُ ما يَراهُ النَّاسُ، ولكِنَّ المُؤمِنَ
الحقَّ يَعلَمُ حَقيقةَ قَلبِ الأُمورِ مع الدَّجَّالِ، "فمَنِ ابتُلِيَ بنَارِهِ
فلْيَستَغِثْ باللهِ"، أي: يَطلُبُ الغَوثَ والعَونَ من اللهِ؛ لِيُقوِّيَهُ على
هذه الفِتْنةِ، "ولْيَقرَأْ فَواتِحَ الكَهْفِ"، أي: يَقرَأُ أوائِلَ سُورةِ
الكَهفِ؛ فإنَّها تَعصِمُهُ من الدَّجَّالِ، وفي صَحيحِ مُسلِمٍ: "مَن حَفِظَ
عَشْرَ آياتٍ من أوَّلِ سُورةِ الكَهْفِ عُصِمَ من الدَّجَّالِ"، وفي لَفظٍ:
"مِن آخِرِ الكَهْفِ"، ورواياتٌ أُخرى فيها أنَّ السُّورةَ كُلَّها تَقي
من الدَّجَّالِ، وعلى هذا يَجتَمِعُ روايةُ مَن رَوى أوَّلَ سُورةِ الكَهفِ مع مَن
رَوى مِن آخِرِها.
"وإنَّ مِن فِتنَتِهِ أنْ يقولَ للأعْرابيِّ"،
وهو من سُكَّانِ البَوادي والصَّحاري، ولعلَّ اختيارَ الأعْرابيِّ؛ لأنَّه يكونُ عادةً
أقَلَّ مَعرفةً بالدِّينِ، فيكونُ أكثَرَ انخِداعًا وأشَدَّ فِتْنةً لِعَدَمِ عِلمِهِ،
فيقولُ له: "أرأيتَ إنْ بَعَثتُ لكَ أباكَ وأُمَّكَ! أتشهَدُ أنِّي ربُّك؟ فيقولُ:
نَعَمْ، فيَتمثَّلُ له شَيْطانانِ في صُورةِ أبيهِ وأُمِّهِ"، وهذا من فِتْنةِ
الشَّياطينِ ومُساعَدَتِهِم في إضْلالِ النَّاسِ، "فيَقولانِ: يا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ؛
فإنَّه ربُّكَ"، وهذا كَذِبٌ وسِحرٌ ودَجَلٌ من الشَّياطينِ.
"وإنَّ مِن فِتنَتِهِ أنْ يُسلَّطَ على نَفسٍ واحِدةٍ فيَقتُلَها، يَنشُرُها بالمِنْشارِ"، أي: يَقطَعُها بالمِنْشارِ، "حتَّى تُلْقى شِقَّينِ"، أي: نِصفَينِ كُلُّ نِصفٍ في جانبٍ، "ثُمَّ يقولُ: انْظُروا إلى عَبدي هذا، فإنِّي أبعَثُهُ ثُمَّ يَزعُمُ أنَّ له ربًّا غَيري، فيَبعَثُهُ اللهُ"، يعني: يُحْييه اللهُ الحقُّ بقُدرَتِهِ ولا يُحْييهِ الدَّجَّالُ، وهذا من إضْلالِ الدَّجَّالِ، ومن الزِّيادةِ في فِتنَتِهِ؛ لِيَميزَ اللهُ الخَبيثَ من الطَّيِّبِ، ومَن يُؤمِنُ باللهِ الحقِّ، ومَن يُؤمِنُ بالدَّجَّالِ الكَذَّابِ بعدَ أنْ جاءَتْهُ البيِّناتُ، "ويقولُ له الخَبيثُ"، أي: يقولُ الدَّجَّالُ للشَّخصِ الَّذي أحْياهُ اللهُ: "مَن ربُّك؟ فيقولُ: ربِّيَ اللهُ، وأنتَ عَدُوُّ اللهِ، أنتَ الدَّجَّالُ! واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أشَدَّ بَصيرةً بكَ مِنِّي اليَومَ"! وهذا المُؤمِنُ أحْياهُ اللهُ الحقُّ وثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ من فِتْنةِ الدَّجَّالِ؛ لِيكونَ شاهِدًا على كَذِبِ هذا الخَبيثِ؛ ولِيَعلَمَ النَّاسُ أنَّه كاذِبٌ، ويُحاوِلُ الدَّجَّالُ قَتْلَ هذا المُؤمِنِ ولكِنَّه لا يَستطيعُ كما أنَّه لا يَستطيعُ أنْ يُحيِيَ أحَدًا ميِّتًا غَيرَهُ مرَّةً أُخرى.
"وإنَّ مِن فِتنَتِهِ أنْ يَأمُرَ السَّماءَ
أنْ تُمطِرَ، فتُمطِرَ، ويَأمُرَ الأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ"، وهذا كُلُّه يَحدُثُ
بأمْرِ اللهِ الإلهِ الحقِّ. "وإنَّ من فِتنَتِهِ أنْ يمُرَّ بالحيِّ فيُكذِّبونَهُ"،
أي: لا يُؤمِنونَ به، "فلا يَبْقى لهم سائِمةٌ إلَّا هَلَكَتْ"، أي: يُعاقِبُهُم؛
فيُميتُ مَواشِيَهم وحَيَواناتِهِم التي يَنتَفِعونَ بها. "وإنَّ مِن فِتنَتِهِ
أنْ يمُرَّ بالحيِّ، فيُصدِّقونَهُ"، أي: يُؤمِنون به، فيَأمُرَ السَّماءَ أنْ
تُمطِرَ فتُمطِرَ، ويَأمُرَ الأرْضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ، حتى تروحَ مَواشيهم مِن
يَومِهِم ذلك أسْمَنَ ما كانتْ، وأعظَمَهُ، وأمَدَّهُ خَواصِرَ"، أي: مُمتلِئةُ
البُطونِ، "وأدَرَّهُ ضُروعًا"، أي: أكثَرَ امتِلاءً باللَّبَنِ، وأكثَرَ
حَلْبًا، والضَّرْعُ مِن الحَيَوانِ بِمَنزِلةِ الثَّدْيِ مِنَ المرأةِ.
ثُم يُخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن انتشارِ فِتنتِه في الأرضِ فيقولُ: "وإنَّه لا يَبْقى شَيءٌ من الأرْضِ إلَّا وَطِئَهُ وظَهَرَ عليه"، أي: إنَّه يَدورُ ويَطوفُ في كُلِّ أنْحاءِ الأرْضِ ويَدخُلُها "إلَّا مكَّةَ والمدينةَ" وهُما حَرَمَا اللهِ ورَسولِهِ، "لا يَأتيهما من نَقْبٍ من أنْقابِهِما"، والنَّقْبُ النَّاحيةُ والجِهةُ، والمُرادُ: أنَّه لا يُريدُ دُخولَهم من أيِّ جِهةٍ؛ "إلَّا لَقِيَتْهُ الملائِكةُ بالسُّيوفِ صَلْتةً"، أي: شاهِرةً سُيوفَها دِفاعًا وحِمايةً للحَرَمينِ، "حتى يَنزِلَ عِندَ الظُّرَيبِ الأحْمرِ" هو الكَومُ من الرَّمْلِ، "عِندَ مُنقَطَعِ السَّبَخةِ"، وفي روايةٍ عِندَ البُخاريِّ عِندَ "سَبَخةِ الجُرفِ"، وهو مَكانٌ بطَريقِ المدينةِ من جِهةِ الشَّامِ على بُعدِ مِيلٍ، وقيلَ: على ثَلاثةِ أمْيالٍ، والسَّبَخةُ هي الأرْضُ التي تَعْلوها المُلوحةُ، ولا تَكادُ تُنبِتُ إلَّا بعضَ الشَّجَرِ، "فتَرجُفُ المدينةُ بأهْلِها ثَلاثَ رَجَفاتٍ"، أي: تَهتَزُّ وتَتحرَّكُ المدينةُ ويَضطرِبُ أهْلُها ثَلاثَ مرَّاتٍ، وقيلَ: المُرادُ بالرَّجْفةِ الأرْفاقُ، وهو إشاعةُ مَجيئِهِ، وأنَّه لا طاقةَ لأحَدٍ به، فيُسارِعُ حينئذٍ إليه مَن كان يتَّصِفُ بالنِّفاقِ أو الفِسْقِ فيَظهَرُ حينئذٍ تمامُ أنَّها تَنْفي خَبَثَها، "فلا يَبْقى فيها مُنافِقٌ ولا مُنافِقةٌ إلَّا خرَجَ إليه"، أي: يَتَّبِعونَهُ، "فتَنْفي الخَبيثَ منها، كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحَديدِ"، أي: تَتطهَّرُ المدينةُ من مُنافِقيها وفُسَّاقِها الذين هُمْ خَبَثٌ ودَنَسٌ، "ويُدْعَى ذلك اليَومُ يَومَ الخَلاصِ"، أي: يومَ تَتخلَّصُ فيه المدينةُ من أدْناسِ مَن كانوا فيها.
فعِندَ ذلك سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ "قيلَ: فأينَ العَرَبُ يَومئذٍ؟ قال: هُم يَومئذٍ قَليلٌ"،
وفي روايةٍ: "وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ المَقْدِسِ"، أي: أكثَرُ منَ بَقِيَ من
العَرَبِ يكونُ عِندَ بَيتِ المَقْدِسِ، "وإمامُهُم رَجُلٌ صالِحٌ"، وهو
المَهْديُّ، واسْمُهُ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ على اسْمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ، "فبيْنَما إمامُهُم قد تقدَّمَ يُصَلِّي بهم الصُّبحَ، إذْ نَزَلَ عليهم
عيسى ابنُ مَريَمَ الصُّبحَ، فرجَعَ ذلك الإمامُ يَنكُصُ يَمْشي القَهْقَرَى"،
أي: يَرجِعُ عن مَوقِفِ الإمامةِ في الصَّلاةِ؛ "لِيتقدَّمَ عيسى، فيضَعُ عيسى
يَدَهُ بيْنَ كَتِفَيهِ" تَقْديرًا له، ولِمَكانَتِهِ، ورِفْقًا به، "ثُمَّ
يقولُ له: تقدَّمْ فصَلِّ"، وهذا من تَكرِمةِ اللهِ لهذه الأُمَّةِ أنَّ إمامَهُم
يكونُ منهم؛ "فإنَّها لك أُقيمَتْ"، أي: أُقيمَتِ الصَّلاةُ وأنتَ إمامٌ
للنَّاسِ؛ فأكْمِلْ إمامَتَكَ، "فيُصَلِّي بهم إمامُهُم، فإذا انصَرَفَ"
من الصَّلاةِ قال عيسى عليه السَّلامُ: "افْتَحوا البابَ"، وهو البابُ الَّذي
يَتحصَّنونَ خَلْفَهُ "فيَفتَحونَ ووراءَهُ الدَّجَّالُ، معه سَبْعونَ أَلْفَ
يَهوديٍّ، كُلُّهم ذو سَيفٍ مُحلًّى وَساجٍ"، أي: إنَّهم مُسلَّحونَ بالسُّيوفِ
وآلةِ الحَربِ، والسَّاجُ هو الطَّيْلَسانُ، وهوَ الثَّوبُ الَّذي به خُطوطٌ، وكِساءٌ
يُوضَعُ على الكتِفِ، أو يُحِيطُ بالبَدنِ، ويُعرَفُ بالشَّالِ؛ قيلَ: المُرادُ بالطَّيْلَسانِ
هُنا هو الطَّيْلَسانُ الأخْضَرُ المُقوَّرُ، أي: المُدوَّرُ، وهو لِباسُ اليَهودِ
قَديمًا والعَجَمِ أيضًا، وهو على شَكْلِ الطَّرحةِ؛ يُرسَلُ مِن وراءِ الظَّهرِ والجانِبَينِ؛
قيلَ: وهو من شِعارِ اليَهودِ، وهو غَيرُ الطَّيْلَسانُ المُربَّعُ الذي يُدارُ من
تحتِ الحَنَكِ، ويُغطِّي الرَّأسَ وأكثَرَ الوَجْهِ، ويُجعَلُ طَرَفاهُ على الكَتِفَينِ.
فإذا نظَرَ الدَّجَّالُ إلى عِيسى عليه
السَّلامُ "ذابَ كما يَذوبُ المِلحُ في الماءِ"؛ وذلك من شِدَّةِ خَوفِهِ
من عيسى ابنِ مَريَمَ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ هَلاكَهُ على يَدَيهِ، "ويَنطَلِقُ
هارِبًا، فيُدرِكُهُ عِندَ بابِ لُدٍّ الشَّرقيِّ" ولُدٌّ: مَوضِعٌ بالشَّامِ،
وقيلَ: بفِلَسطِينَ، "فيَقتُلُهُ، فيَهزِمُ اللهُ اليَهودَ" خِزْيًا لهم
على كُفرِهِم واتِّباعِهِم الدَّجَّالَ، "فلا يَبْقى شَيءٌ ممَّا خَلَقَ اللهُ
عزَّ وجلَّ يَتَواقى به يَهوديٌّ"، أي: يَحْتَمي به ويَخْتَفي خَلْفَهُ،
"إلَّا أنطَقَ اللهُ ذَلِكَ الشَّيءَ"، فيُخبِرُ باخْتِباءِ يَهوديٍّ خَلْفَهُ،
وكذلك "لا حَجَرَ، ولا شَجَرَ، ولا حائِطَ، ولا دابَّةَ، إلَّا الغَرْقَدةُ"
هو ضَربٌ من شَجَرِ العِضاهِ، وشَجَرِ الشَّوكِ، "فإنَّها من شَجَرِهِم لا تَنطِقُ،
إلَّا قال: يا عبدَ اللهِ المُسلِمُ، هذا يَهوديٌّ، فتَعالَ اقْتُلْهُ"، وهذه
مُعجِزةٌ من اللهِ تدُلُّ على قُدرَتِهِ، وأنَّه هو الإلَهُ الحقُّ ويَشهَدُ كُلُّ
شَيءٍ بقُدرَتِهِ ووَحْدانيَّتِهِ، ويَشهَدُ أنَّ الدَّجَّالَ كَذَّابٌ، "فيكونُ
عيسى ابنُ مَريَمَ في أُمَّتي حَكَمًا"، أي: حاكِمًا بيْنَ النَّاسِ، "عَدْلًا،
وإمامًا مُقسِطًا"، أي: عادِلًا في الحُكمِ، "يَدُقُّ الصَّليبَ"، أي:
يَكسِرُهُ بحيثُ لا يَبْقى من جِنسِ الصَّليبِ شَيءٌ، "ويَذبَحُ الخِنْزيرَ"،
يعني: يُحرِّمُ أكْلَهُ أو يَقتُلُهُ بحيثُ لا يُوجَدُ في الأرضِ ليأكُلَهُ أحَدٌ،
والحاصِلُ: أنَّه يُبطِلُ دِينَ النَّصارى الذي حرَّفوهُ مِن بَعدِهِ، "ويضَعُ
الجِزْيةَ"، أي: لا يَقبَلُها من أحَدٍ من الكَفَرةِ بل يَدْعوهُمْ إلى الإسلامِ.
وقيلَ: يُقرِّرُها ويَضرِبُها على جَميعِ الكُفَّارِ، ويَنْقادُ جَميعُ النَّاسِ له؛
إمَّا بالإسْلامِ؛ وإمَّا بإلْقاءِ اليَدِ. وقيلَ: مَعْناهُ يُوقِفُ الجِزْيةَ إذ يَصيرُ
الدِّينُ واحِدًا، فلا يَبْقى أحَدٌ من أهْلِ الذِّمَّةِ يُؤدِّي الجِزْيةَ. وقيلَ:
يَترُكُ الجِزْيةَ مع وُجودِ أهْلِ الذِّمَّةِ، استِغْناءً عنها لِكَثْرةِ المالِ،
وعَدَمِ وُجودِ مَن يُمكِنُ صَرفُها له، "ويَترُكُ الصَّدَقةَ" يعني: يَترُكُ
الَّزكاةَ لِكَثْرةِ الأمْوالِ؛ "فلا يَسْعى على شاةٍ ولا بَعيرٍ"، وذلك
بأنْ يَترُكَ زَكاتَها، فلا يكونُ لها ساعٍ يَطلُبُ زَكاتَها؛ إذ لا يُوجَدُ مَن يَقبَلُها.
ثُم يُخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَحصُلُ في الأرضِ بعد هلاك الدَّجَّالِ مِن خَيرٍ ووُدٍّ وتآلُفٍ حتى بين الناسِ وبينَ الحيواناتِ المفترِسةِ، ومِن السِّلمِ والأمْنِ والطُّمأنينةِ وغير ذلك، فيقول: "وتُرفَعُ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ"، أي: تَذهَبُ من صُدورِ النَّاسِ، فقد ظَهَرَ الحقُّ وعَلِموا أنَّ الدُّنيا لا تُساوي شيئًا على وَجهِ الحَقيقةِ بعدَ أنْ رَأوُا الآياتِ، وعَلِموا الحقَّ واليَقينَ، وانشَغَلوا بأُمورِ السَّاعةِ، "وتُنزَعُ حُمةُ كُلِّ ذاتِ حُمةٍ" والحُمةُ هي السُّمُّ، ويُطلَقُ على إبْرةِ العَقْربِ للمُجاوَرةِ؛ لأنَّ السُّمَّ منها يَخرُجُ، "حتى يُدخِلَ الوليدُ يَدَهُ في فِي الحَيَّةِ"، أي: حتى يُدخِلَ الطِّفلُ الصَّغيرُ يَدَهُ في فَمِ الحَيَّةِ "فلا تَضُرُّهُ" بسُمٍّ أو غَيرِهِ؛ لأنَّ سُمَّها قد ارتَفَعَ وانعَدَمَ، "وتضُرَّ الوليدةُ الأسَدَ فلا يضُرُّها"، وفي روايةٍ: "وَتُفِرَّ الوَليدةُ الأسَدَ، فلا يَضُرُّها"، أي: تُؤْذي الطِّفلةُ الصَّغيرةُ الأسَدَ أو تَضطَرُّهُ للفَرارِ ولا يُؤْذيها، "ويكونَ الذِّئبُ في الغَنَمِ كأنَّه كَلْبُها" يَحرُسُها، ولا يَأكُلُها، وكُلُّ ذَلِكَ من قُدْرةِ اللهِ الحقِّ الذي أذهَبَ كُلَّ ضَغينةٍ من الصُّدورِ، وكُلَّ غِلٍّ حتى من الحَيَوانِ، "وتُملَأُ الأرضُ من السِّلمِ كما يُملَأُ الإناءُ من الماءِ"، أي: يعُمُّ السِّلمُ والأمْنُ الأرْضَ، "وتكونُ الكَلِمةُ واحِدةً" مُجتَمِعةً غَيرَ مُتفرِّقةٍ. وقد جاءَ عِندَ أحمَدَ، عن أبي هُرَيْرةَ: "وتكونُ الدَّعْوى واحِدةً"، وهي دَعْوةُ الإسْلامِ والتَّوحيدِ؛ "فلا يُعبَدُ إلَّا اللهُ" ولا يُشرِكُ به أحَدٌ، "وتضَعُ الحَربُ أوْزارَها" فتَنتَهي وتَخمُدُ نارُها، "وتُسلَبُ قُرَيشٌ مُلكَها"، فيكونُ المُلْكُ بيَدِ عيسى ابنِ مَريَمَ عليه السَّلامُ.
"وتكونُ الأرضُ كفاثورِ الفِضَّةِ"، الفاثورُ الخِوانُ والمائِدةُ، وقيلَ: هو طَستٌ أو إناءٌ من فِضَّةٍ، "تُنبِتُ نَباتَها بعَهدِ آدَمَ"، أي: يَعودُ الثَّمَرُ والنَّباتُ مِثلَ ما كان عليه من عَهدِ آدَمَ عليه السَّلامُ من الكَثْرةِ والكِبَرِ والبَرَكةِ، "حتى يَجتَمِعَ النَّفَرُ على القِطْفِ"، وهو اسْمٌ لكُلِّ ما يُقطَفُ، والمُرادُ به هُنا: العُنقودُ، "من العِنَبِ فيُشبِعَهُم، ويَجتَمِعَ النَّفَرُ على الرُّمَّانةِ فتُشبِعَهُم" لِعِظَمِ حَجْمِها وكَثْرةِ خَيرِها، "ويكونَ الثَّورُ بكذا وكذا وكذا من المالِ، ويكونَ الفَرَسُ بالدُّرَيهِماتِ"، أي: يكونُ رَخيصَ الثَّمَنِ؛ لِكَثْرةِ نَوعِهِ أو لِقِلَّةِ الحاجةِ إليه، فلا حَرْبَ بعدَ ذَلِكَ.
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "وإنَّ قَبلَ خُروجِ الدَّجَّالِ ثَلاثَ سَنَواتٍ شِدادٍ"، فيها القَحْطُ والفَقْرُ، "يُصيبُ النَّاسَ فيها جُوعٌ شَديدٌ، يَأمُرُ اللهُ السَّماءَ السَّنةَ الأُولى أنْ تَحبِسَ ثُلُثَ مَطَرِها، ويَأمُرُ الأرْضَ أنْ تَحبِسَ ثُلُثَ نَباتِها، ثُمَّ يَأمُرُ السَّماءَ في السَّنةِ الثَّانيةِ فتَحبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِها، ويَأمُرُ الأرضَ فتَحبِسُ ثُلُثَيْ نَباتِها، ثُمَّ يَأمُرُ السَّماءَ في السَّنةِ الثَّالثةِ فتَحبِسُ مَطَرَها كُلَّهُ، فلا تَقطُرُ قَطْرةً، ويَأمُرُ الأرضَ فتَحبِسُ نَباتَها كُلَّهُ، فلا تُنبِتُ خَضْراءَ، فلا يَبْقى ذاتُ ظِلْفٍ إلَّا هَلَكَتْ إلَّا ما شاءَ اللهُ"، أي: تَهلِكُ الحَيَواناتُ كُلُّها، والظِّلفُ بمَنزِلةِ الحافِرِ للفَرَسِ، "قيلَ: فما يُعيشُ النَّاسَ في ذَلِكَ الزَّمانِ؟" يَعني: على أيِّ شَيءٍ يَعيشونَ من الطَّعامِ والشَّرابِ؟ "قال: التَّهْليلُ"، وهو قَولُ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، "والتَّكْبيرُ"، وهو قَولُ: اللهُ أكبَرُ، "والتَّحْميدُ"، وهو قَولُ: الحَمدُ للهِ، وهذا هو الذِّكرُ، وهو الباقياتُ الصَّالِحاتُ، "ويُجزِئُ ذلك عليهم مَجزَأةَ الطَّعامِ"، أي: يَقومُ ذلك مَقامَ الطَّعامِ ويُغْني عنه، وفي رِوايةِ ابنِ ماجَهْ: "ويُجْرَى ذلك عليهم مَجْرَى الطَّعامِ" وهو المعنى نفْسُه، وهذا مِن فَضْلِ اللهِ على عِبادِهِ المُؤمِنينَ حيثُ يُلهِمُهُم أنْ يَذكُروهُ ويُغنيَهُم به عن الطَّعامِ والشَّرابِ، كما أنَّه دَليلٌ على قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ.
والحِكْمةُ في نُزولِ عيسى عليه السَّلامُ دُونَ غَيرِهِ من الأنبياءِ؛ قيل: هي الرَّدُّ على اليَهودِ في زَعْمِهِم أنَّهم قَتَلوهُ؛ فبيَّنَ اللهُ تَعالى كَذِبَهُم، وأنَّه هو الَّذي يَقتُلُهُم، أو نُزولُهُ لِدُنُوِّ أَجَلِهِ، لِيُدفَنَ في الأرضِ؛ إذ ليس لِمَخْلوقٍ من التُّرابِ أنْ يموتَ في غَيرِها.
وفي الحديثِ: التَّحْذيرُ مِن فِتْنةِ الدَّجَّالِ، والحثُّ على الاستِعْدادِ لها؛ لأنَّها أخطرُ فِتنةِ على وجْهِ الأرضِ.
وفيه: بَيانُ شِدَّةِ حِرصِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أُمَّتِهِ، وتَحْذيرِهِم من الفِتَنِ، وبَيانُ ما يُنْجيهم منها.
وفيه: بَيانُ فَضْلِ سُورةِ الكَهْفِ، وفَضلِ ذِكرِ اللهِ سُبْحانَهُ، وخاصَّةً عِندَ الشَّدائِدِ.
وفيه: مَشْروعيَّةُ تَغْييرِ المُنكَراتِ، وكَسْرِ آلةِ الباطِلِ كالصَّليبِ في حالةِ القُدْرةِ على ذلك.
وفيه: بَيانُ أنَّ الشَّرائِعَ المُحرَّفةَ
من اليَهوديَّةِ والنَّصْرانيَّةِ مَوْضوعةٌ بدَليلِ كَسْرِ عيسى للصَّليبِ، وقَتلِهِ
للخِنْزيرِ، وهُما من شِعارِهِما
.
الدجال وأول علامات الساعة
الدجال مأخوذ من الدَجَلِ وهو الكذب، وهو
عَلَمٌ على شخص يظهر في آخر الزمان يدعي الربوبية، ويجري الله على يديه من العجائب
والخوارق ما تعظم به الفتنة على البشر، ويُحدث خروجه اهتزازاً وتشكيكاً في العقائد
فينقسم الناس في شأنه بين مصدق مقتنع، وتابع راغب أو راهب، وبين مكذب فار من فتنته،
أو مكذب مقاوم
.
وقد حذر الأنبياء أممهم منه، وتوسع النبي
صلى الله عليه وسلم في بيان خطورته على عقائد الناس وأديانهم، وبيّن للأمة شأنه وفصّل
في أمره فوصف شكله وخلْقَه، وبين خوارقه ووجوه دجله، وأوضح أتباعه ومريديه، وأعلم الأمة
بمدة لبثه ومكثه في الأرض، وطريقة موته ومن يقتله في تفصيل دقيق شمل حياة الدجال كلها؛
نصحاً للأمة وصيانة لدينها أن يداخله تشكيك أو ريب، وسوف نستعرض جميع ذلك بشيء من التفصيل:
تحذير النبي أمته من الدجال
رغم أن الدجال سيخرج في آخر الزمان وعند اقتراب الساعة ودنو أمرها، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء قبله حذروا أممهم منه، حتى بلغ من تشديد النبي - صلى الله عليه وسلم - في التحذير من فتنة الدجال أن قرنها بفتنة القبر عند الاستعاذة بالله، في دلالة على ما يدخل الناس من شره؛ وذلك أن فتنته تقع في تشكيك الناس في أصل دينهم، وفي ربهم سبحانه وتعالى فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو : ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه البخاري .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله - ثم ذكر الدجال – فقال: ( إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ) متفق عليه.
وبيّن أنه أعظم وأكبر فتنة تمر على العباد منذ خلق الله آدم عليه السلام فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ) رواه مسلم .
مكان وزمان الدجال
دلَّ حديث تميم الداري رضي الله عنه في "صحيح مسلم" أن الدجال موجود منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وربما قبل ذلك، وأنه محبوس في جزيرة في بحر ما إلى أن يأذن الله له بالخروج عند حلول زمنه، ويكون ذلك في آخر الزمان في زمن يتسم بالفتن والحروب، ويتسم أهله بخفة الدين وقلة العلم، ففي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم – أخبر أصحابه بأن: ( المسلمين يغزون مدينة جانب منها في البحر، وجانب منها في البر، فيفتحها الله فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون ) رواه مسلم .
وفي حديث حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه
- ما يؤكد أن خروج الدجال أحد الأحداث العظام التي تنبئ بقرب قيام الساعة ودنوها، قال
– رضي الله عنه - : " اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر. فقال:
( ما تذكرون ؟ . قالوا نذكر الساعة . قال إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر
الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج،
وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن
تطرد الناس إلى محشرهم ) رواه مسلم . وقد وقع الاختلاف بين العلماء في ترتيب زمن وقوع
هذه العلامات إلا أن غير واحد من أهل العلم ذكر بأن الدجال هو أول هذه العلامات قال
القرطبي في "التذكرة": "فإن أول الآيات ظهور الدجال" .
هذا عن زمن خروج الدجال أما مكان خروجه
فقد جاءت الأحاديث بأنه يخرج من جهة المشرق من خراسان من يهودية أصبهان فعن أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( الدجال يخرج
من أرض بالمشرق؛ يقال لها: خراسان ) رواه الترمذي ، وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه
– قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: ( يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه
سبعون ألفاً من اليهود ) رواه أحمد . و"اليهودية" من جملة قرى أصبهان، وأصبهان
من خراسان، وانما سميت اليهودية؛ لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، وعندما سكنها المسلمون
انفرد اليهود بقطعة منها
.
صفة الدجال الخلقية
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وصفاً خلْقياً دقيقاً فذكر علاماته المميزة، وشبهه للصحابة بمن يعرفون، حتى يكون الناس على بينة من أمره ولا يشتبه عليهم، فجاء في وصفه أنه أعور العين اليمنى، وأن عينه اليمنى ناتئة، كالعنبة الطافية على وجه الماء، فعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ) البخاري ، أما عينه اليسرى فورد في المسند عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن الدجال ممسوح العين اليسرى عليها ظفرة مكتوب بين عينيه كافر ) والظفرة لحمة تنبت عند المآقي، وقيل: جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الأنف.
وجاء في وصف الدجال أيضاً أن: ( بين عينيه مكتوب كافر يقرأه كل مسلم ) رواه البخاري . قال الإمام النووي : " الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته ".
وجاء في وصفه أنه جسيم أي عظيم الجثة، أحمر البشرة - والعرب تطلق وصف الحمرة على الأبيض - كثيف الشعر أجعد، قال صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال: ( رجل جسيم أحمر، جعد الرأس.. أقرب الناس به شبها بن قطن رجل من خزاعة ) متفق عليه.
ومن صفته أيضاً أن رأسه: ( كأنه أصلة ) رواه أحمد وابن حبان ، والأصلة نوع من الحيات عظيم الرأس قصير الجسم، فشبه رسول الله رأس الدجال بها؛ لعظمه واستدارته
وجاء في صفته أنه: ( قصير أفحج ) رواه أبو داود وأفحج من الفحج وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين .
ويمكننا إجمال ما سبق من وصف الدجال بأنه
رجل قصير، عظيم الجسم، عظيم الرأس، كلتا عينيه معيبة فاليمنى عوراء كأنها عنبة طافية،
واليسرى عليها جلدة، وهو ذو شعر جعد كثيف، أبيض البشرة، بعيد ما بين الساقين أو الفخذين،
مكتوب بين عينيه كافر
.
الدجال لا يدخل مكة والمدينة
وذلك صيانة لهما وتعظيما لحرمتهما، ودلالة على صحة دين المسلمين، وإظهاراً لعجز الدجال وإبطالا لكفره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( على أنقاب المدينة – مداخلها - ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ) متفق عليه. وفي حديث فاطمة بنت قيس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تميم الداري - رضي الله عنه – أن الدجال قال له: ( فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان علي كلتاهما ) رواه مسلم .
ولا يقتصر الأمر على منع دخول الدجال فحسب بل لا يدخلها حتى رعبه، فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان ) رواه البخاري .
ويخرج للدجال حين نزوله قرب المدينة رجل من مؤمنيها؛ ليبطل دعواه ويظهر دجله وكذبه، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الدجال وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خيار الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول: الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر ؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّط عليه ) رواه البخاري .
أما منافقو أهل المدينة وكفارها فترجف بهم المدينة فيخرجون إليه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق ) متفق عليه .
ومما يَحرُم على الدجال دخوله أيضاً المسجد الأقصى ومسجد الطور، لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا يقرب – أي الدجال - أربعة مساجد مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى ) قال الهيثمي في المجمع:" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ".
خوارق الدجال
لا تكمن فتنة الدجال في شكله ولا في لفظه،
وإنما فيما يجري على يديه من خوارق وعجائب تفتن الناس وتدفعهم إلى تصديقه واتباعه،
فمن عجائبه وخوارقه أن معه ماءً وناراً يخيل للناس أن ماءه يروي، وناره تحرق، بينما
الأمر في حقيقته على خلاف ذلك، فماؤه نار، وناره ماء بارد، فعن حذيفة عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - أنه قال في الدجال: ( إن معه ماءً وناراً فناره ماء بارد، وماؤه نار
) رواه البخاري . وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- : ( لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما - رأي العين - ماء أبيض،
والآخر - رأي العين - نار تأجج، فإما أَدْرَكَنَّ أحدٌ فليأت النهر الذي يراه ناراً
وليغمض ثم ليطأطىء رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد ) رواه مسلم .
ومن خوارقه وعجائبه أن معه جبالاً من الخبر،
وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ويأمر الأرض أن تخرج كنوزها
فتخرج، فقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: ( يسير معه جبال الخبز، وانهار الماء
) رواه أحمد . وعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - أن النبي ذكر من فتنة الدجال أنه:
( يأتي القوم فيدعوهم فيكذبونه ويردون عليه قوله، فينصرف عنهم فتتبعه أموالهم، ويصبحون
ليس بأيديهم شيء، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له ويصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر
فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم – ماشيتهم - كأطول ما كانت
ذُرَاً – جمع ذروة وهي أعالي الأسنمة - وأمده خواصر، وأدره ضروعاً، ثم يأتي الخرِبة
– الأرض الخربة - فيقول لها: أخرجي كنوزك – مدفونك من المعادن - فينصرف منها فيتبعه
كيعاسيب النحل – أي كما يتبع النحل اليعسوب، وهو أمير النحل-، ثم يدعو رجلاً شاباً
ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين – قطعتين -، ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه
يضحك ) رواه مسلم . ولا شك أنها فتنة عظيمة يسقط في حبائلها كل من لم يتبصّر أمر الدجال
وشأنه، أما من قرأ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمن بها فهو أشد ثباتاً، وشأن
الدجال عنده سيكون أجلى من الشمس في رابعة النهار .
مدة مكثه
من تخفيف الله على عباده أن قصّر مدة بقاء
الدجال، فهو لا يبقى إلا مدة يسيرة، جاء في الحديث ( أنه يمكث في الأرض أربعين صباحاً
) قال الهيثمي في المجمع: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح " ، وهذه الأيام
ليست سواء وإنما تختلف في مدتها، فقد سأل الصحابة النبي عن مدة لبث الدجال ؟ فقال:
( أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم . قلنا: يا رسول
الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: لا، ولكن اقدروا له . قلنا:
يا رسول الله فما سرعته في الأرض ؟ قال كالغيث استدبرته الريح ) رواه مسلم . فالحديث
دليل على سرعة انقضاء زمن الدجال وسرعة اضمحلال فتنته فما على المسلم إلا أن يصبر فما
هو إلا وقت قصير وينقضي، وهذا من رحمة الله بعباده؛ إذ لو طالت مدة الدجال لدخل العنت
والمشقة على العباد، ولاستهوى بدعوته الكثير حتى ممن ثبت في بدايتها؛ فإن لطول الزمن
أثر بين في تثبيت كثير من الدعاوى الباطلة .
العصمة من الدجال
الدجال وإن عظمت به الفتنة، وزاد به البلاء، إلا أن الشارع الكريم قد بيّن أسباب دفع فتنته، والتحرز منها، فمن تلك الأسباب:
1- معرفة حاله وصفاته: فقد حرص - صلى الله عليه وسلم - على تعريف المؤمنين بصفات الدجال الخلْقية، حتى إذا ظهر لم يخف على الناس أمره، ولذلك حثّ العلماءُ على نشر أحاديث الدجال تعريفا به، وحفظاً لها كيلا تتناساها الأمة.
2- التعوذ بالله من شره وفتنته فقد كان من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال... ) متفق عليه، وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالمواظبة على هذا الدعاء بعد التشهد في الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم .
3- حفظ العشر الآيات الأولى من سورة الكهف: روى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ) قال الإمام النووي : " سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال ".
4- الفرار منه والابتعاد عنه: قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ) رواه أبو داود .
5- العمل الصالح والاشتغال بالطاعة: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة ) رواه مسلم .
نهاية الدجال
تكون نهاية الدجال وهلاكه على يد عيسى عليه السلام، وهذا من رحمة الله عز وجل وعظيم حكمته أن جعل نزول عيسى عليه السلام متزامناً مع خروج الدجال حتى يكون المسيح عليه السلام قدوة للمؤمنين ومثبتاً لهم، وحتى يدحض بآيات الهدى شبهات الدجال، فيسلط الله المسيحَ - عليه السلام - على الدجال فيطارده حتى يدركه ب "باب لد " جبل ببلاد الشام، فيقتله هناك، ويخلّص الناس من شره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم .. فإذا رآه عدو الله – أي الدجال - ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته ) رواه مسلم . وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه – أي يدرك الدجال - عند باب لد فيقتله ) رواه أبو داود .
وبعد هلاك الدجال وما يعقبه من هلاك يأجوج ومأجوج يشيع الأمن في الأرض، ويعيش الناس في رخاء من العيش، وسلامة من الفتن، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الأنبياء إخوة لعلات وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم، وإنه نازل فاعرفوه فإنه رجل ينزع إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلة، وإنه يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، ويضع الجزية، وإن الله يهلك في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويهلك الله المسيح الضال الأعور الكذاب، ويلقي الله الأمنة حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع الحيات لا يضر بعضهم بعضا ) رواه الطيالسي وابن حبان .
هذا هو الدجال - لعنه الله - جعله الله
فتنة لعباده، ليختبر صدق إيمانهم وقوة يقينهم، وتمسكهم بدينهم، وهي فتنة لن ينجو منها
إلا من اعتصم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.