recent
أخبار عاجلة

خَصَائِصُ النَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ فِي الْآخِرَةِ الشيخ عبدالناصربليح

 خَصَائِصُ النَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ فِي الْآخِرَةِ


اِخْتَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ فِي الْآخِرَةِ بِخَصَائِصَ كَثِيرَةٍ، لَمْ تُعْطَهَا غَيْرُهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَفِي ذَلِكَ تَشْرِيفٌ وَتَكْرِيمٌ

لِنَبِيِّهَا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، الَّذِي أَمْضَى عُمُرَهُ، وَضَحَّى بِكُلِّ مَا لَدَيْهِ فِي سَبِيلِ هِدَايَتِهَا، وَالْأَخْذِ بِيَدِهَا إِلَى مَا فِيهِ عِزُّهَا وَمَجْدُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى أَصْبَحَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "(آلُ عِمْرَانَ: مِنَ الْآيَةِ ١١٠).

وَأُمَّةُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَهِيَ سَابِقَةٌ لَهَا فِي الْآخِرَةِ مَنْزِلَةً وَفَضْلًا، كَمَا أَنَّهَا شَاهِدَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحْشَرُ وَيُحَاسَبُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَجْتَازُ الصِّرَاطَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَكْرَمَهَا اللَّهُ بِهَا، وَالَّتِي مِنْهَا:

الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ:

تَأْتِي الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ يَعْرِفُ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أُمَّتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، حِينَ يَنْتَظِرُهُمْ عَلَى حَوْضِهِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "ثَبَتَ أَنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ خَاصٌّ بِالْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ".

وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ:" إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ "(مُسْلِمٌ).

وَالْغُرُّ: جَمْعُ أَغَرَّ، وَهُوَ أَبْيَضُ الْوَجْهِ.

وَالْمُحَجَّلُ: أَبْيَضُ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنَ الْيَدَيْنِ.

وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ:

( إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

أَوَّلُ مَنْ يَجْتَازُ الصِّرَاطَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ :

اَلصِّرَاطُ جِسْمٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، فَمَنْ اسْتَقَامَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى صِرَاطِ اللهِ، نَجَا عَلَى صِرَاطِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ اِنْحَرَفَ عَنِ الاِسْتِقَامَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، تَعَثَّرَ عَلَى الصِّرَاطِ وَتَرَدَّى، وَمِمَّا أَكْرَمَ اللهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَنَبِيَّهَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ جَعَلَهُمْ أَوَّلَ مَنْ يَجْتَازُ وَيَعْبُرُ الصِّرَاطَ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ :"أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا"(البخاري).

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بِيَدِ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ "(البخاري).

شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ :

الأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَفْضَلُهَا ، خَصَّهَا اللهُ بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ ، فَهِيَ وَسَطٌ بَيْنَ الْأَدْيَانِ ، فَلَمْ تُغَالِ كَغُلُوِّ النَّصَارَى ، وَلَمْ تُقَصِّرْ كَتَقْصِيرِ الْيَهُودِ ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَهَا اللهُ شَاهِدَةً عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ تُنْكِرُ أُمَّتُهُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، إِلَّا وَتَشْهَدُ لَهُ الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ بِالْبَلَاغِ ، فَيَقْبَلُ اللهُ شَهَادَتَهَا وَقَوْلَهَا ، لِمَا لَهَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَنْزِلَةِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ (الْبَقَرَةِ: ١٤٣).

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم :" يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ ، فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ : ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " (الْبُخَارِيُّ).

وَالْوَسَطُ : الْعَدْلُ.

وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه وسلم لَا تَقْتَصِرُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ فَقَطْ ، بَلْ هِيَ شَامِلَةٌ لِلْأُمَمِ كُلِّهَا ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم:" يَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ ؟ ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ ، فَيُقَالُ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ ، فَيَقُولُونَ : لَا ، فَيُقَالُ : مَنْ شَهِدَ لَكَ ؟ ، فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه وسلم ، فَيُقَالُ : هَلْ بَلَّغَ هَذَا ؟ ، فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، فَيُقَالُ : وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ ؟ ، فَيَقُولُونَ : أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ، فَصَدَّقْنَاهُ "(ابْنُ مَاجَهْ).

قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم:

"وَمِنْهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَّلَ أُمَّتَهُ مَنْزِلَ الْعُدُولِ مِنَ الْحُكَّامِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ، فَجَحَدَتِ الْأُمَمُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، أَحْضَرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه وسلمفَيَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ رُسُلَهُمْ أَبْلَغُوهُمْ ، وَهَذِهِ الْخَصِيصَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ».

عَمَلٌ قَلِيلٌ وَأَجْرٌ كَثِيرٌ :

أَنْعَمَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ ، وَخَصَّهَا بِخَصَائِصَ عَظِيمَةٍ ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا أَقَلُّ عَمَلًا مِمَّنْ سَبَقَهَا مِنَ الْأُمَمِ ، لَكِنَّهَا أَكْثَرُ أَجْرًا وَثَوَابًا ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

وَمِمَّا يُبَرْهِنُ عَلَى هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ :" إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ :" مَنْ يَعْمَلْ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ ، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْمَلْ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْمَلْ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ؟ ، أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، أَلَا لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ، قَالَ اللهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ ، قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ"(البخاري).

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ :

" وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهِ بِالْعُمَّالِ تَفَاوُتُ أُجُورِهِمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَنُوطًا بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّتِهِ ، بَلْ بِأُمُورٍ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ، وَكَمْ مِنْ عَمَلٍ قَلِيلٍ أَجْدَى مَا لَا يُجْدِيهِ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ ، هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ سِوَاهَا ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْفَقُوا فِي أَوْقَاتٍ لَوْ أَنْفَقَ غَيْرُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ مِثْلَ أُحُدٍ ، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ، فَهَذِهِ الْأُمَّةُ إِنَّمَا شَرُفَتْ وَتَضَاعَفَ ثَوَابُهَا بِبَرَكَةِ سِيَادَةِ نَبِيِّهَا وَشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ   لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"(الْحَدِيد: ٢٨-٢٩).

أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ :

مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي أُمَّتِهِ فِي الْآخِرَةِ : أَنَّهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَهَذَا تَكْرِيمٌ عَظِيمٌ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأُمَّتِهِ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةَ :

عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ :

"أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ ، قَالَ : فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ ، مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ "(مُسْلِمٌ).

وَعَنْ بُرَيْدَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ :" أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ "( التِّرْمِذِيُّ) .

هَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي اخْتَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي أُمَّتِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَهِيَ وَلَا شَكَّ تُبَيِّنُ مَكَانَةَ هَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَيْنَ الرُّسُلِ ، وَتُبَيِّنُ كَذَلِكَ مَكَانَةَ أُمَّتِهِ بَيْنَ الْأُمَمِ ، وَمِنْ ثَمَّ فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَشْعِرَ وَنَعْتَزَّ بِهَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ ، وَأَنْ نَتَحَقَّقَ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى :

{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } (آلُ عِمْرَانَ )

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ : وُجُوبُ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُسْلِمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَحَبَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُتَابَعَتَهُ، وَنَشْرَ سُنَّتِهِ وَالذَّبَّ عَنْهَا، فَلَا يَتَذَوَّقُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، إِلَّا بِتَمَامِ مَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"(البخاري ومسلم).

 بَلْ لَا يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ إِلَّا بِتَمَامِ مَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(الْبُخَارِيِّ).

وَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَفَقَّدُ وَيَقِيسُ تِرْمُومِتْرَ إِيمَانِهِ؛ فَيَقُولُ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ يَا عُمَرُ".

أَيْ: الْآنَ يَتَحَقَّقُ الْإِيمَانُ وَيَتِمُّ.

  وَمَحَبَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُؤَهِّلَاتِ رِفْقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ؛ يَقُولُ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ فَرَحَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا".

  وَهَذَا ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الْحُبِّ الشَّدِيدِ لَهُ، فَيَأْتِيهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ، غَيْرَ أَنِّي إِنْ لَمْ أَرَكَ، اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَلَّا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:"وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا "(النِّسَاءِ: 69).

فَإِنَّ الْمُحِبَّ لِلنَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم حَقِيقَةً هُوَ ذٰلِكَ الْمُعَظِّمُ لِسُنَّتِهِ، الْعَامِلُ بِشَرِيعَتِهِ، الْمُقْتَدِي بِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ صلي الله عليه وسلم 

فَمَا هِيَ عَلَامَاتُ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم ؟ حَتَّى تَتَمَايَزَ الصُّفُوفُ، وَيُعْلَمَ الصَّادِقُ فِي مَحَبَّتِهِ مِنَ الْكَاذِبِ:

١- أُولَى هٰذِهِ الْعَلَامَاتِ: الْإِيمَانُ بِهِ وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ صلي الله عليه وسلم :

قَالَ اللهُ تَعَالَى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا "(النِّسَاءِ: ١٣٦).

وَقَالَ تَعَالَى:"فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"(التَّغَابُنِ: ٨).

٢- وَمِنْهَا تَوْقِيرُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَتَوْقِيرُ سُنَّتِهِ صلي الله عليه وسلم :

قَالَ اللهُ تَعَالَى: "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"(الْفَتْحِ: ٨-٩).

وَأَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٧].

٣- وَمِنْهَا طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَالِاسْتِجَابَةُ وَالِامْتِثَالُ لِشَرْعِهِ؛ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا طَاعَتَهُ :

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [التَّغَابُنِ: ١٢].

وَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ طَاعَةَ النَّبِيِّ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُمَا قَرِينَتَانِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النِّسَاءِ: ٨٠].

٤- وَمِنْهَا مُتَابَعَتُهُ وَتَرَسُّمُ خُطَاهُ وَتَطْبِيقُ سُنَّتِهِ؛ فَهُوَ الْأُسْوَةُ وَالْقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ، وَالنَّمُوذَجُ الْكَامِلُ الْجَدِيرُ بِالْمُتَابَعَةِ:

قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الْحَشْرِ: ٧].

٥- وَمِنْهَا نَشْرُ سُنَّتِهِ وَالذَّبُّ عَنْهَا وَالْغَيْرَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ ذٰلِكَ بِالشِّعَارَاتِ، وَإِنَّمَا بِالْأَفْعَالِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالْمُتَابَعَةِ.

وَمِنَ الصُّوَرِ الْمُقْتَرَحَةِ لِنَشْرِ السُّنَّةِ:

اسْتِغْلَالُ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَنَشْرُ الْأَحَادِيثِ.

تَعْلِيمُ النَّاسِ السُّنَنَ الْمَهْجُورَةَ، انْشُرْ كُلَّ يَوْمٍ سُنَّةً مَنْسِيَّةً.

٦- وَمِنْهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ صلي الله عليه وسلم ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ ذٰلِكَ:

فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتَابِهِ؛ حَيْثُ قَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٦].

وَاعْلَمْ أَنَّهَا قُرْبَةٌ جَلِيلَةٌ، وَلَهَا فَضَائِلُ عَظِيمَةٌ، فَهِيَ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَزَوَالِ الْهُمُومِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِثَنَاءِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِشَفَاعَتِهِ صلي الله عليه وسلم  وَلَهَا أَوْقَاتٌ وَأَحْوَالٌ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا؛ مِثْلُ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَعَقِبِ الْأَذَانِ، وَقَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَهُ، وَعِنْدَ ذِكْرِ أَوْ سَمَاعِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ صلي الله عليه وسلم .

الدُّعَاءِ

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ

وَأَقُمْ الصَّلَاةُ عرض أقل

لَمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ضَلَالَاتِ الْجَهْلِ إِلَى هِدَايَةِ الْعِلْمِ، وَمِنَ الْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ إِلَى الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ؛ شَاءَتْ إِرَادَةُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُولَدَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحُقَّ لِلْأَرْضِ أَنْ تَفْرَحَ بِمَوْلِدِهِ، وَحُقَّ لِلزَّمَانِ أَنْ يَفْخَرَ بِمَجِيئِهِ. يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ ... وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ

الرُّوحُ وَالْمَلَأُ الْمَلَائِكُ حَوْلَهُ ... لِلْدِّينِ وَالدُّنْيَا بِهِ بُشَرَاءُ

وَشَاءَتْ إِرَادَةُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَخْتَارَ الْحَبِيبَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْرَفِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْعَرَبِ؛ فَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَقُرَيْشٌ أَشْرَفُ قَبِيلَةٍ فِي الْعَرَبِ وَأَزْكَاهَا نَسَبًا وَأَعْلَاهَا مَكَانَةً. يَقُولُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيْتًا وَأَنَا خَيْرُكُمْ نَفْسًا».

فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ ... وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ

فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ ... وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

  أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:

لَقَدْ كَانَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَ الْقُدْوَةِ وَالْأُسْوَةِ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ؛ فَقَدْ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وَخُلُقًا، وَأَصْفَاهُمْ نَفْسًا، وَأَطْهَرَهُمْ قَلْبًا، وَأَكْرَمَهُمْ مُعَامَلَةً. وَكَانَتْ حَيَاتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْجَمَةً حَقِيقِيَّةً لِأَخْلَاقِ وَقِيَمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ حَيْثُ تَقُولُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حِينَ سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ».

 ​وَكَيْفَ لَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - وَهُوَ الَّذِي أَدَّبَهُ رَبُّهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ؟! وَكَيْفَ لَا وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَمْضِي لَيْلَهُ قَائِمًا يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ تَعَبُُّدًا وَتَأَدُّبًا، مَعَ أَنَّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً؟! وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ اللَّيْلَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!».

 ​وَتَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلهِ بِهَا». وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تُخْبِرُنَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيْسِيرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ وُقُوعٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّ فِي التَّيْسِيرِ دُخُولًا فِي الْإِثْمِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْعَزِيمَةِ وَالشِّدَّةِ.

  أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:

انَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. كَانَ قَوْمُهُ يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ؛ فَلَمْ يَكُنْ سَارِقًا وَلَا رَذِيلًا، وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ، بَلْ كَانَ أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَوْفَاهُمْ عَهْدًا، وَأَكْثَرَهُمْ أَمَانَةً. وَصَدَقَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ حِينَ قَالَ:

 وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ... وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

 خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ... كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

 فَلِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ؟! لِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ الرَّحْمَةَ؟! لِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْأَمَانَةَ؟! لِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ الصِّدْقَ؟! لِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ الشَّجَاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ؟! لِمَاذَا لَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ الصَّبْرَ وَالرِّفْقَ وَالْبَذْلَ وَالْعَطَاءَ؟! لِمَاذَا نَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى أَنَّهُ قَصَصٌ تُقَالُ عَنِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! لِمَاذَا لَا نُطَبِّقُ هَذَا الْكَلَامَ فِي حَيَاتِنَا، مَعَ أَنَّ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾؟!

  أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ الْاِحْتِفَالَ بِمَوْلِدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزِيدُهُ رِفْعَةً وَلَا شَرَفًا؛ لِأَنَّ شَرَفَهُ فَوْقَ كُلِّ شَرَفٍ، وَرِفْعَتَهُ فَوْقَ كُلِّ رِفْعَةٍ، فَهُوَ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَمَّا سُئِلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْاِثْنَيْنِ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ». فَالِاِحْتِفَالُ الْحَقِيقِيُّ يَكُونُ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالسَّيْرِ عَلَى نَهْجِهِ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 ​وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ عَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا: أَيْنَ هَدْيُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم  فِي بُيُوتِنَا؟ أَيْنَ خُلُقُهُ فِي مُعَامَلَاتِنَا؟ أَيْنَ رَحْمَتُهُ فِي بَيْعِنَا وَشِرَائِنَا؟ أَيْنَ حِلْمُهُ عِنْدَ الْغَضَبِ؟ وَأَيْنَ صِدْقُهُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؟

 ​قَالَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا، فَأَحَبَّ اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لِحُبِّهِ عَلَامَةً، فَأَنْزَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ قَائِلًا:"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَفِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 ​اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.


 

google-playkhamsatmostaqltradent