وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
محمد ﷺ أعظم من عرفت البشرية قدرًا ومكانة.
محبة النبي ﷺ أصل من أصول الإيمان.
محبة النبي ﷺ ليست دعوى باللسان، وإنما اتباع واقتداء.
من عظمة النبي ﷺ عظمة أخلاقه ورحمته بالخلق.
كيف نغتنم شهر مولده ﷺ؟ بتجديد المحبة وإحياء سنته ونشر رحمته.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي
أرسل إلينا خير خلقه، وأكرم رسله، وخاتم أنبيائه، ورحمةً للعالمين، سيدنا محمدًا ﷺ، فهدانا به من الضلالة، وبصَّرنا به من
العمى، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلاله وكماله، ونشكره
على نعمه وآلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة
يوم نلقاه، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم
وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن بعث فيها سيدنا محمدًا ﷺ، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
أيها المسلمون، نحن في أيامٍ مباركة، أيام
شهر ربيع الأول، شهرٌ ارتبط في وجدان الأمة بذكرى مولد خير البرية، سيدنا محمد ﷺ.
وليس المقصود أن يكون حديثنا عن مولده ﷺ حديثًا عابرًا، أو أن تكون محبتنا له كلماتٍ
تُقال ثم تنتهي، وإنما المقصود أن نسأل أنفسنا سؤالًا صادقًا:
ماذا صنع حبُّ محمد ﷺ في حياتنا؟
هل جعلنا أكثر رحمة؟
هل جعلنا أكثر صدقًا وأمانة؟
هل جعلنا ألين قلبًا، وأحسن خلقًا، وأرحم
بالضعيف والمسكين واليتيم؟
هل جعلنا نقتدي به في بيوتنا ومع أولادنا
وجيراننا ومع الناس جميعًا؟
فهذا هو المحك الحقيقي للمحبة.
عباد الله، يقول الإمام البوصيري رحمه الله
في مدح النبي ﷺ:
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ
شَرَفٍ
وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ
عِظَمِ
ثم يقول:
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
وصدق القائل؛ فكيف يستطيع بشر أن يحيط بفضل
من قال الله تعالى في حقه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107].
تأملوا يا عباد الله: رحمةً للعالمين، وليس لقوم دون قوم، ولا
لجنس دون جنس.
ويقول سبحانه في وصف أخلاقه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:
4].
فأي شهادة أعظم من شهادة رب العالمين؟
وأي مدح أعظم من أن يصف الله تعالى أخلاق
نبيه ﷺ بالعظمة؟
ولذلك لما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ قالت:
«كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ».
أي أن أوامر القرآن ظهرت في أفعاله، ونواهي
القرآن ظهرت في اجتنابه، ورحمة القرآن ظهرت في رحمته، وصدق القرآن ظهر في صدقه، وعفو
القرآن ظهر في عفوه. وقد ثبت هذا الأثر عنها في صحيح مسلم ومسند أحمد.
عباد الله، إن أول علامات محبة النبي ﷺ أن يكون أحبَّ إلينا من كل شيء
قال ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
وولده والناس أجمعين».
والحديث صحيح رواه البخاري.
ولكن انتبهوا إلى أمر مهم:
ليس معنى محبة النبي ﷺ أن نرفع الأصوات بالمدح فقط، أو أن نتحدث
عنه بألسنتنا ثم نخالف سنته بأفعالنا.
فالمحبة الصادقة لها دليل.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فمن أحب النبي ﷺ اتبعه.
من أحب النبي ﷺ صدق كما كان صادقًا.
من أحب النبي ﷺ أدى الأمانة كما كان أمينًا.
من أحب النبي ﷺ رحم الضعيف كما كان رحيمًا.
من أحب النبي ﷺ عفا عمن ظلمه، وأحسن إلى من أساء إليه،
ووصل من قطعه.
من أحب النبي ﷺ لم يجعل بيته ساحةً للخصام والسباب، بل تذكر أن النبي ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
ومن أحب النبي ﷺ لم يؤذِ جاره، ولم يغش في تجارته، ولم
يخدع في معاملته، ولم يأكل مال الناس بالباطل.
فالمحبة ليست صورةً تُعلَّق، ولا كلمةً
تُكتب، ولا مناسبةً تمر، وإنما المحبة منهج حياة.
عباد الله، ومن أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من النبي ﷺ: الرحمة
كان ﷺ رحيمًا بالإنسان، رحيمًا بالطفل، رحيمًا
بالمرأة، رحيمًا بالفقير، رحيمًا بالخادم، بل حتى بالحيوان.
قال الله تعالي:"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"(التوبة: 128).
ومن رحمته ﷺ بالصغار أنه كان يحمل أمامة بنت زينب وهو يصلي، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
ومن رحمته بالصبيان أنه كان يمازحهم، ويزورهم،
ويسلم عليهم.
ومن رحمته أنه كان يطيل الصلاة أحيانًا، فإذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة، رحمةً بأمه.
بل انظروا إلى رحمته في موقف عظيم من مواقف
الدعوة.
جاءه مَلَك الجبال بعد أن آذاه أهل الطائف، وقال له إن شئت أطبق عليهم الأخشبين.
ماذا كان يستطيع أن يفعل؟
كان يستطيع أن يدعو عليهم.
كان يستطيع أن يقول: أهلكهم يا رب.
ولكنه ﷺ لم يفعل.
بل قال ما معناه إنه يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده.
أي رحمة هذه؟!
هذا هو محمد ﷺ.
وهذا هو الذي ينبغي أن نُعرِّف الناس به.
لا يكفي أن نقول للعالم: نحن نحب محمدًا،
بل ينبغي أن يروا في أخلاقنا شيئًا من أخلاق محمد.
عباد الله، ومن عظمة قدر النبي ﷺ أنه جمع الله له كمال الخُلُق وكمال الرسالة
قال تعالى :
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: 21].
لم يقل ربنا: كان لكم في رسول الله قصة
جميلة.
ولم يقل: كان لكم في رسول الله ذكريات.
بل قال:
﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
أي قدوة نتبعها، ومنهج نقتدي به.
فإذا أردت أن تعرف مقدار حبك للنبي ﷺ، فانظر إلى صلاتك.
وانظر إلى صدقك.
وانظر إلى لسانك .
وانظر إلى معاملتك لزوجتك وأولادك.
وانظر إلى معاملتك لوالديك.
وانظر إلى رحمتك بالفقراء والمحتاجين.
وانظر إلى أخلاقك في العمل والتجارة.
وانظر إلى تعاملك مع من يخالفك.
هناك تعرف مقدار اقتدائك بمحمد ﷺ.
وقد قال ﷺ:
«إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وهو حديث رواه الإمام أحمد، وصححه أهل العلم.
فكأن الرسالة تقول لنا: إذا أردتم أن تعرفوا
حقيقة هذا الدين، فانظروا إلى الأخلاق التي جاء بها محمد ﷺ.
دينٌ يحفظ الدماء.
دينٌ يحفظ الأعراض.
دينٌ يحفظ الأموال.
دينٌ يأمر بالصدق.
دينٌ يأمر بالأمانة.
دينٌ يأمر بالرحمة.
دينٌ يأمر بالعفو.
دينٌ يأمر بالإحسان.
أيها المسلمون، كيف نغتنم شهر مولده ﷺ؟
نغتنمه بخمسة أمور:
أولًا:"أن نجدد محبتنا للنبي ﷺ.
نكثر من الصلاة والسلام عليه، قال الله
تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: 56].
ثانيًا: أن نتعلم سيرته ﷺ.
علِّم أبناءك من هو محمد ﷺ.
حدثهم عن رحمته، وصدقه، وأمانته، وشجاعته،
وعفوه، وصبره.
فليس من المعقول أن يعرف أبناؤنا أسماء
المشاهير واللاعبين والفنانين، ولا يعرفون سيرة سيد ولد آدم ﷺ.
ثالثًا:أن نحيي سنته في بيوتنا.
السنة ليست فقط مظهرًا، وإنما أخلاق ومعاملات
وعبادات.
رابعًا:"أن نحول المحبة إلى عمل.
صدقة على فقير.
مساعدة لمحتاج.
إكرام ليتيم.
بر للوالدين.
صلة للرحم.
إصلاح بين متخاصمين.
عفو عن مسيء.
كلمة طيبة لإنسان مكسور.
فهكذا تتحول محبة محمد ﷺ إلى واقع يعيش بين الناس.
خامسًا: أن نكون سفراء لأخلاقه ﷺ.
إذا تعامل المسلم مع الناس بأمانة قالوا: هكذا علمه دينه.
إذا رحم الناس قالوا: هكذا علمه محمد ﷺ.
إذا عفا قالوا: هكذا علمه محمد ﷺ.
إذا أحسن إلى جاره قالوا: هكذا علمه محمد
ﷺ.
فكم من إنسان قد يدخل الإسلام بسبب موقف حسن، وكم من إنسان قد ينفر من الدين بسبب سوء أخلاق بعض المنتسبين إليه.
عباد الله، إننا في زمنٍ كثرت فيه الخصومات،
وانتشر فيه السب، وساءت فيه الأخلاق، واشتد فيه التنازع، وأصبح بعض الناس يظن أن القوة
في الصراخ، وأن الرجولة في القسوة، وأن الذكاء في الخداع.
فجاءنا محمد ﷺ ليعلمنا أن القوة ليست في ظلم الناس، وإنما
في ضبط النفس.
قال ﷺ:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك
نفسه عند الغضب».
وجاء ليعلمنا أن الكلمة الطيبة عبادة.
وأن الرحمة قوة.
وأن العفو رفعة.
وأن الإحسان خلق الأنبياء.
فيا من يحب محمدًا ﷺ:
اجعل محمدًا حاضرًا في أخلاقك.
إذا غضبت فتذكر حلمه.
إذا قدرت على الانتقام فتذكر عفوه.
إذا وجدت فقيرًا فتذكر رحمته.
إذا دخلت بيتك فتذكر حسن عشرته لأهله.
إذا تعاملت مع الناس فتذكر أمانته وصدقه.
وإذا هممت بمعصية فتذكر أنك تقول: أحب محمدًا
ﷺ.
فهل يرضى محمد ﷺ أن يراك على هذه المعصية؟
عباد الله، ما أحوجنا في هذا الشهر المبارك
إلى أن نجدد العهد مع رسول الله ﷺ، عهدًا لا ينتهي بانتهاء ربيع الأول، وإنما
يستمر معنا في كل يوم وكل شهر وكل عام.
اللهم ارزقنا حب نبيك محمد ﷺ، وارزقنا اتباع سنته، والاقتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن
والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله، واعلموا أن
أعظم ما نقدمه لنبي الرحمة ﷺ في شهر مولده أن نجعل سيرته حياةً في بيوتنا
ومجتمعاتنا.
أيها الأحبة:
ليس حب النبي ﷺ أن نتحدث عنه يومًا ثم ننساه باقي العام.
وليس حبه أن نمدحه بألسنتنا ثم نؤذي الناس
بأفعالنا.
وليس حبه أن نصلي عليه كثيرًا بألسنتنا،
ثم نهجر سنته في معاملاتنا وأخلاقنا.
إن المحبة الحقيقية اتباع.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فاجعلوا هذا الشهر بداية جديدة:
من كان عاقًّا لوالديه فليبدأ البر.
ومن كان قاطعًا لرحمه فليبدأ الوصل.
ومن كان بينه وبين أخيه خصام فليبدأ بالسلام.
ومن كان يؤذي جاره فليكف أذاه.
ومن كان مقصرًا في الصلاة فليتب إلى الله.
ومن كان يأكل الحرام فليتركه.
ومن كان سيئ الخلق فليجاهد نفسه.
هكذا نحتفل برسول الله ﷺ: أن نُحيي هديه في حياتنا.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
اللهم اجعلنا من أهل محبة نبيك ﷺ حقًا وصدقًا.
اللهم ارزقنا شفاعته، واسقنا من حوضه شربة
هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة.
اللهم أصلح أخلاقنا كما أصلحت أخلاق نبيك.
اللهم اجعلنا رحماء بعبادك.
اللهم أصلح بيوتنا، وأصلح أبناءنا وبناتنا،
وأصلح مجتمعنا.
اللهم من كان مريضًا فاشفه، ومن كان مهمومًا
فأذهب همه، ومن كان مديونًا فاقض دينه، ومن كان محتاجًا فارزقه، ومن كان مظلومًا فانصره،
ومن كان عاصيًا فرده إليك ردًا جميلًا.
اللهم احفظ مصر وأهلها، وأدم عليها نعمة
الأمن والأمان والاستقرار، واحفظ بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر الحق وأهله، وأعلِ راية الخير
والرحمة والسلام.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على
نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.