حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
السُّؤَالُ : مَا حُكْمُ الِاحْتِفَالِ
بِذِكْرَى مَوْلِدِ سَيِّدِ الْخَلْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟
وَمَا هِيَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْأُصُولُ الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ
إِلَيْهَا كُلٌّ مِنَ الْمَانِعِينَ وَالْمُجِيزِينَ؟ وَكَيْفَ نَفْهَمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
فَهْمًا مَقَاصِدِيًّا يَلِيقُ بِمَقَامِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ دُونَ إِفْرَاطٍ يُفْضِي إِلَى الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، أَوْ تَفْرِيطٍ
يُفْضِي إِلَى جُحُودِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ؟
الْجَوَابُ
️ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ. إِنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامِ سَيِّدِنَا رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ
وَأَعْلَاهَا مَنْزِلَةً، وَإِنَّ الْبَحْثَ فِي حُكْمِ الِاحْتِفَالِ بِذِكْرَى مَوْلِدِهِ
الشَّرِيفِ لَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْمَبَاحِثِ الَّتِي تَشَعَّبَتْ فِيهَا أَفْهَامُ
الْمُسْلِمِينَ، وَتَبَايَنَتْ فِيهَا مَسَالِكُهُمْ بَيْنَ غَالٍ وَمُفَرِّطٍ، وَبَيْنَ
مُعْتَدِلٍ بَصِيرٍ. وَإِنَّنِي سَأَعْرِضُ فِي هَذَا الْبَحْثِ الْمَسْأَلَةَ عَرْضًا
مَنْهَجِيًّا، مُقَسِّمًا إِيَّاهُ إِلَى عَنَاصِرَ مُحْكَمَةٍ، تُسَلِّمُ كُلُّ فِكْرَةٍ
فِيهَا إِلَى أُخْتِهَا، حَتَّى يَسْتَبِينَ لِلْقَارِئِ وَجْهُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ
الْقَضِيَّةِ الشَّائِكَةِ.
وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي غِمَارِ الْمَسْأَلَةِ،
أُبَيِّنُ أَنِّي سَأَحْرِصُ فِي هَذَا الْبَحْثِ عَلَى مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ يَجْمَعُ
بَيْنَ رَصَانَةِ التَّقْعِيدِ الْأُصُولِيِّ، وَجَمَالِ الْأُسْلُوبِ الْأَدَبِيِّ
وَالْوَعْظِيِّ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي شَخْصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَا يَلِيقُ بِهِ التَّعَصُّبُ وَالْمُمَاحَكَةُ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ بِهِ
الْأَدَبُ وَالْإِنْصَافُ، وَالتَّحْرِيرُ الدَّقِيقُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ.
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: تَمْهِيدٌ وِجْدَانِيٌّ
وَعِلْمِيٌّ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّ اسْتِشْعَارَ عَظَمَةِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْبَابُ الَّذِي يُدْخَلُ مِنْهُ إِلَى فَهْمِ
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهْمًا صَحِيحًا. فَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَصَائِصَ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ
الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ مَحَبَّتَهُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَا
يَتِمُّ إِيمَانُ عَبْدٍ إِلَّا بِهَا. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابُ، رَقْمُ: 6]. فَهَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ
تَعْنِي أَنَّ حُبَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ
عَلَى حُبِّ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ: «لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ» <أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ
حُبِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ، بِرَقْمِ
15>.
وَلَقَدْ ضَرَبَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ
اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ
إِذَا تَذَكَّرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ
بَيْنَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ تَرَكَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ إِلَيْهِ، كَمَا حَكَتْ
ذَلِكَ كُتُبُ السُّنَّةِ وَالسِّيَرِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنَ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ
السَّلِيمِ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَسْأَلَةِ الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ مِنْ مُنْطَلَقِ
هَذَا الْحُبِّ الْجَارِفِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا مِنْ
مُنْطَلَقِ التُّهَمِ الْجَاهِزَةِ وَالتَّصْنِيفَاتِ الْمُسْبَقَةِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: تَحْرِيرُ مَحَلِّ
النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ
مِنَ الْخَطَأِ الْعِلْمِيِّ الْفَادِحِ
أَنْ يُظَنَّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ هُوَ
خِلَافٌ فِي حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي جَوَازِ
مَدْحِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَأَصْحَابُ الِاتِّجَاهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مُحِبَّةٌ
لِلرَّسُولِ ﷺ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي: مَا هُوَ الطَّرِيقُ
الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ؟ بَلْ إِنَّ مَحَلَّ
النِّزَاعِ الدَّقِيقَ هُوَ: هَلْ تَخْصِيصُ يَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ
الْأَوَّلِ بِاجْتِمَاعٍ تُتْلَى فِيهِ السِّيرَةُ، وَيُمْدَحُ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُتَصَدَّقُ فِيهِ، يُعَدُّ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ
فِي الدِّينِ، أَمْ هُوَ مِنَ الْوَسَائِلِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى مَقَاصِدَ
شَرْعِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ؟
▪️ تَعْرِيفُ الْمَوْلِدِ هُوَ مَحْفِلٌ وَاجْتِمَاعٌ
يُقَامُ احْتِفَاءً وَاحْتِفَالًا بِذِكْرَى مِيلَادِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَالَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ؛ يَشْتَمِلُ
عَلَى قِرَاءَةِ سِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ الشَّرِيفَةِ، وَسَرِدِ مُعْجِزَاتِهِ وَأَخْبَارِ
مَوْلِدِهِ، إِلَى جَانِبِ الْإِنْشَادِ وَالْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ، مَعَ تَقْدِيمِ
أَلْوَانِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالطِّيبِ لِلْحَاضِرِينَ. يَقُولُ الْإِمَامُ
جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ : (أَصْلُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ الَّذِي هُوَ اجْتِمَاعُ
النَّاسِ، وَقِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَرِوَايَةُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ
فِي مَبْدَأِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا وَقَعَ فِي مَوْلِدِهِ مِنَ الْآيَاتِ،
ثُمَّ يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلُونَهُ وَيَنصَرِفُونَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ
عَلَى ذَلِكَ، هُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا)<حُسْنُ
الْمَقْصِدِ (ص: 41).> وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ النَّعْسَانُ فِي فَتْوَاهُ
حِينَ بَيَّنَ هَذَا التَّحْرِيرَ بِقَوْلِهِ: « الْمَوْلِدُ الشَّرِيفُ الَّذِي يُقَامُ
بِذِكْرَى مَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ،
أَوْ فِي أَيِّ مُنَاسَبَةٍ دِينِيَّةٍ يُعَدُّ مِنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ، وَلَا مَانِعَ
مِنْ إِقَامَتِهِ إِذَا كَانَتْ مُفْرَدَاتُ المَوْلِدِ لَهَا أَصْلٌ فِي الدِّينِ».
فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الضَّابِطَ فِي الْجَوَازِ هُوَ أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَاتُ
الِاحْتِفَالِ ذَاتَ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الدَّقِيقُ الَّذِي
يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاتِّجَاهَاتُ
الْفِقْهِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَدِلَّةُ كُلِّ اتِّجَاهٍ
لَقَدْ تَعَدَّدَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
فِي حُكْمِ الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ عَلَى اتِّجَاهَاتٍ
ثَلَاثَةٍ رَئِيسِيَّةٍ:
● الِاتِّجَاهُ الْأَوَّلُ: الْمَنَعُ وَالتَّحْرِيمُ
مُطْلَقًا
وَهَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
الْمُحَقِّقِينَ، وَمِنْ أَبْرَزِهِمِ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي بَعْضِ نُصُوصِهِ،
وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَالْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ، وَالشَّيْخُ عَبْدُالْعَزِيزِ
بْنُ بَازٍ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ
الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ الْمُعَاصِرِينَ.
قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - في
"اقتضاء الصراط المستقيم": "اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي
شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد... أو غير ذلك من المواسم غير المشروعة؛
لم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسيرون عليها، ولو كان هذا خيرًا لسبقونا إليه...
بل هو من البدع المحدثة". <اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ابن
تيمية، تحقيق: ناصر العقل، دار عالم الكتب، 2/128>.
ويَقُولُ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ
اللَّهُ ، «لَا يَجُوزُ الاحْتِفَالُ بِمَوْلِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ البِدَعِ
المُحْدَثَةِ فِي الدِّينِ».
أَدِلَّةُ هَذَا الِاتِّجَاهِ:
• أَوَّلًا: الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [الْمَائِدَةُ، رَقْمُ: 3]. قَالُوا: إِنَّ الدِّينَ قَدِ
اكْتَمَلَ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ دِينًا،
وَالِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الدِّينِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا صَحَابَتِهِ، فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ الْيَوْمَ.
قال الإمام مالك رحمه الله: "مَنِ
ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَا
يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا". <الاعتصام، الشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي،
دار ابن عفان، 1/64>. فهذا كلام متين من إمام دار الهجرة، يبين شناعة القول بتحسين
ما لم يشرعه الله ورسوله.
• ثَانِيًا: الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا
هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» <أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الصُّلْحِ،
بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ، بِرَقْمِ 2697، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ
الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، بِرَقْمِ 1718>. قَالُوا:
وَالِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ إِحْدَاثٌ فِي أَمْرِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ مِنْهُ،
فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى صَاحِبِهِ.
• ثَالِثًا: الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ الْعِرْبَاضِ
بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ
الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ
بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» <أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، كِتَابُ السُّنَّةِ،
بَابُ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، بِرَقْمِ 4607، وَالْتِّرْمِذِيُّ، كِتَابُ الْعِلْمِ،
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِ، بِرَقْمِ
2676، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ اجْتِنَابِ
الْبِدَعِ وَالْجَدَلِ، بِرَقْمِ 42>. قَالُوا: هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ
كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَالِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ بِدْعَةٌ، فَهُوَ ضَلَالَةٌ.
• رَابِعًا: قَالُوا إِنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ
اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حُبًّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَحْرَصُهُمْ عَلَى الْخَيْرِ لَوْ كَانَ فِي الِاحْتِفَالِ خَيْرٌ لَسَبَقُونَا
إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَرَكُوهُ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ وُجُودُ الْحُبِّ،
دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَشْرَعْهُ. وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ
الْعَلَّامَةُ الْفَاكِهَانِيُّ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ: «لَا أَعْلَمُ لِهَذَا المَوْلِدِ
أَصْلًا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا يُنْقَلُ عَمَلُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ
الأُمَّةِ، الَّذِينَ هُمُ القُدْوَةُ فِي الدِّينِ، المتمسكون بآثار المتقدمين، بَلْ
هُوَ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا البَطَّالُونَ» <الْفَاكِهَانِيُّ، الْمَوْرِدُ فِي عَمَلِ
الْمَوْلِدِ، ص20>.
• خَامِسًا: ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ
مَنْ أَحْدَثَ الِاحْتِفَالَ بِالْمَوْلِدِ هُمُ الْفَاطِمِيُّونَ الْعُبَيْدِيُّونَ
الرَّافِضَةُ، الَّذِينَ يُنْسَبُونَ زُورًا إِلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَقَدْ
أَجْمَعَ الْمُؤَرِّخُونَ عَلَى فَسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ
أَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي الْخِطَطِ، حَيْثُ
قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْدَثُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ احْتِفَالًا بِدْعِيًّا، مِنْهَا
مَوْلِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَوْلِدُ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ
وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. فَإِذَا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْبِدْعَةِ مِنْ صَنِيعِ
الرَّافِضَةِ الْعُبَيْدِيِّينَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَهُمْ
فِيهَا؟! وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَلَوِيُّ السَّقَّافُ بِقَوْلِهِ: «وَالحقيقَةُ
التاريخيةُ الثانيةُ التي لا تَقبَلُ الشكَّ أيضًا: أنه لم يَثبُتْ أنَّ الثاني عَشرَ
من ربيعٍ الأوَّل هو يومُ وِلادةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ، بل الأرجحُ
والأصحُّ: أنَّه ليس يومَ مَولدِه، والثابتُ الذي عليه أكثرُ المؤرِّخين أنَّه يومُ
وفاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ».
الِاتِّجَاهُ الثَّانِي: الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ
بِضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ
دَارُ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةُ، وَجَمَاهِيرُ كَبِيرَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ
الْمُحَقِّقِينَ، كَالْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَالْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ،
وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَابْنِ دِحْيَةَ الْأَنْدَلُسِيِّ، وَالْإِمَامِ ابْنِ الْحَاجِّ
الْمَالِكِيِّ، وَالشَّيْخِ يُوسُفَ الْقَرَضَاوِيِّ، وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ النَّعْسَانِ،
وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي فَتْوَاهُمُ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّ «الاحتفالَ
بذكرى مولدِ سيدِ الكونين وخاتمِ الأنبياءِ والمرسلين نبيِّ الرحمةِ سيدِنا محمدٍ
-صلى الله عليه وآله وسلم- من أفضلِ الأعمالِ وأعظمِ القرباتِ؛ لأنها تعبيرٌ عن الفرحِ
والحبِّ للنبيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- ومحبةُ النبيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم-
أصلٌ من أصولِ الإيمان».
أَدِلَّةُ هَذَا الِاتِّجَاهِ:
• أَوَّلًا: الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسُ، رَقْمُ: 58]. قَالُوا: إِنَّ مَوْلِدَ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَعْظَمُ فَضْلٍ وَرَحْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا
عَلَى الْعَالَمِينَ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءُ، رَقْمُ: 107]. فَإِذَا كَانَ الْفَرَحُ مَشْرُوعًا
بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ عُمُومًا، فَالْفَرَحُ بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ الرَّحَمَاتِ وَمَصْدَرُ الْفَضْلِ أَوْلَى
وَأَحْرَى.
• ثَانِيًا: الِاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ شُكْرًا
لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ مِيلَادِهِ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ:
«ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ
-» <أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ
صِيَامِ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، رَقْمُ 1162).>. قَالُوا: فَهَذَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَنَّ لِأُمَّتِهِ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ
جِنْسَ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ مِيلَادِهِ الشَّرِيفِ، وَالشُّكْرُ
يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ وُجُوهِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الصِّيَامُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ
الْإِطْعَامُ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى الذِّكْرِ وَالْمَدِيحِ، وَتِلَاوَةُ السِّيرَةِ
الْعَطِرَةِ. إِنَّ إِظْهَارَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ فِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ بِأَيِّ
وَسِيلَةٍ مُبَاحَةٍ شَرْعًا — كَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَالتَّجْمِيعِ عَلَى الذِّكْرِ،
وَقِرَاءَةِ السِّيرَةِ — يَنْدَرِجُ كُلِّيًّا تَحْتَ بَابِ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ،
حَيْثُ يُعَمِّمُونَ عِلَّةَ الْفَرَحِ وَالتَّعْظِيمِ لِتَشْمَلَ كُلَّ تَصَرُّفٍ
مَشْرُوعٍ.
• ثَالِثًا: الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ
الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا
أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ
–صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا
فَلَا» <أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، بِرَقْمِ 23020، وَالْتِّرْمِذِيُّ،
كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ فِي مَنَاقِبِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، بِرَقْمِ
3690، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ>. قَالُوا: إِذَا كَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقَرَّ إِعْلَانَ الْفَرَحِ بِقُدُومِهِ مِنَ
الْغَزْوِ سَالِمًا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالْغِنَاءِ، فَأَوْلَى مِنْهُ إِعْلَانُ
الْفَرَحِ بِقُدُومِهِ إِلَى الدُّنْيَا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
• رَابِعًا: الِاسْتِدْلَالُ بِمَا ثَبَتَ
فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ - وَهُوَ مَنْ هُوَ كُفْرًا وَعِنَادًا
- يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِسَبَبِ فَرَحِهِ بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْتَاقِهِ لِجَارِيَتِهِ ثُوَيْبَةَ الَّتِي
بَشَّرَتْهُ بِوِلَادَتِهِ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ هَذَا جَزَاءُ كَافِرٍ فَرِحَ بِمَوْلِدِهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا بَالُكَ بِجَزَاءِ مُؤْمِنٍ مُوَحِّدٍ يَفْرَحُ
بِمَوْلِدِ نَبِيِّهِ وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِحُبِّهِ وَتَعْظِيمِهِ؟!
• خَامِسًا: الِاسْتِدْلَالُ بِقَاعِدَةِ
«الْوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ»، فَالِاجْتِمَاعُ عَلَى ذِكْرِ سِيرَةِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَمَائِلِهِ وَمَدْحِهِ وَالصَّلَاةِ
عَلَيْهِ وَسِيلَةٌ مَشْرُوعَةٌ، تُؤَدِّي إِلَى مَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ عَظِيمٍ، وَهُوَ
تَعْظِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُبُّهُ، وَتَعْرِيفُ النَّاسِ
بِفَضَائِلِهِ وَهَدْيِهِ، وَالتَّحْبِيبُ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ. فَإِذَا كَانَتِ
الْوَسِيلَةُ مُبَاحَةً فِي أَصْلِهَا، وَأَوْصَلَتْ إِلَى مَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ،
كَانَتْ مَشْرُوعَةً غَيْرَ بِدْعِيَّةٍ.
• سَادِسًا: الِاسْتِدْلَالُ بِمَا قَرَّرَهُ
الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ مِنْ أَنَّ
الِاجْتِمَاعَ عَلَى الذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ لِتَذَكُّرِ
نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ
مَا دَامَ خَالِيًا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إِبْرَاهِيمُ، رَقْمُ: 5]. وَأَيُّ يَوْمٍ مِنْ
أَيَّامِ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ يَوْمِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ؟! وَتَذْكِيرُهُمْ بِوِلَادَتِهِ ﷺ تَذْكِيرٌ بِأَيَّامِ اللَّهِ الْعِظَامِ.
الِاتِّجَاهُ الثَّالِثُ: التَّوَسُّطُ
وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْوَسِيلَةِ وَالْغَايَةِ
وَهَذَا هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ
يُوسُفُ الْقَرَضَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ مَيَّزَ بَيْنَ الِاحْتِفَاءِ بِذِكْرَى
الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ بِالسِّيرَةِ وَالشَّمَائِلِ، وَبَيْنَ
الِاحْتِفَالَاتِ الَّتِي تُخَالِطُهَا الْمُنْكَرَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَقَالَ:
«هناك من المسلمين من يعتبرون أي احتفاء أو أي اهتمام أو أي حديث بالذكريات الإسلامية،
أو بالهجرة النبوية، أو بالإسراء والمعراج، أو بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو
بغزوة بدر الكبرى، أو بفتح مكة، أو بأي حدث من أحداث سيرة محمد صلى الله عليه وسلم،
أو أي حديث عن هذه الموضوعات؛ يعتبرونه بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
النار. وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، إنما الذي ننكره في هذه الأشياء الاحتفالات التي
تخالطها المنكرات، وتخالطها مخالفات شرعية وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان». فَانْظُرْ
إِلَى هَذَا الْفِقْهِ الْمُتَوَازِنِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَصْلِ الْمُبَاحِ
وَبَيْنَ مَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ
تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ (اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ)، عَنِ الَّذِينَ
يَحْتَفِلُونَ بِالْمَوْلِدِ: (فَتَعْظِيمُ الْمَوْلِدِ، وَاتِّخَاذُهُ مَوْسِمًا،
قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ لِحُسْنِ قَصْدِهِ،
وَتَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ... فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِيمَا يُخْطِئُ
فِيهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى حُسْنِ قَصْدِهِ). فَالْفِعْلُ وَالْمُمَارَسَةُ فِي ذَاتِهَا
بِدْعَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّأْصِيلُ ، بَيْدَ أَنَّ الْفَاعِلَ قَدْ يُثَابُ قَصْدًا
بِالنَّظَرِ إِلَى نِيَّتِهِ الشَّرِيفَةِ وَتَكْرِيمِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِلْمَقَامِ
الشَّرِيفِ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: مُنَاقَشَةُ أَدِلَّةِ الْمَانِعِينَ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ هَادِئٍ
إِنَّ النَّاظِرَ فِي أَدِلَّةِ الْمَانِعِينَ
يَجِدُ أَنَّهَا أَدِلَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي بَابِهَا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا تَتَّجِهُ
إِلَى إِحْدَاثِ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى،
أَمَّا إِذَا كَانَ الِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمُبَاحَةِ
الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَقَاصِدَ شَرْعِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ
الْأَدِلَّةَ لَا تَنطَبِقُ عَلَيْهِ. وَلْنِأْخُذْ أَبْرَزَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَنُنَاقِشْهَا:
أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةُ: 3]، فَجَوَابُهُ أَنَّ الدِّينَ
قَدِ اكْتَمَلَ فِي أُصُولِهِ وَفَرَائِضِهِ وَعَقَائِدِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
فَتَحَ بَابَ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَسَائِلِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَلِذَلِكَ
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ،
وَتَنقِيطِهِ وَتَشْكِيلِهِ، وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَكُلُّ
هَذِهِ أُمُورٌ لَمْ تَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الدِّينِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفِيَّةِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ
فِيهَا، وَبَيْنَ الْوَسَائِلِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي تُبْنَى عَلَى الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ: «مَنْ
أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، فَجَوَابُهُ أَنَّ
الْإِحْدَاثَ الْمَنَهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْإِحْدَاثُ فِي الدِّينِ بِإِدْخَالِ شَيْءٍ
لَيْسَ مِنْهُ فِي أُصُولِهِ وَعِبَادَاتِهِ، أَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ
وَمَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي
الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الْأَحْزَابُ، رَقْمُ:
41-42]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابُ،
رَقْمُ: 56]. فَالِاجْتِمَاعُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ
لَا يُعَدُّ إِحْدَاثًا فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّنْوِيعِ فِي الْوَسَائِلِ
الْمَشْرُوعَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الصَّحَابَةَ
لَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ، فَجَوَابُهُ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ «التَّرْكِ»
لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا بِاقْتِرَانِهِ بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ يُفِيدُ النَّهْيَ؛
وَيُعَلِّلُونَ تَرْكَ الْجِيلِ الْأَوَّلِ لِلِاحْتِفَالِ بِمَا يَلِي: ▪️ وُجُودُ الْمَانِعِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ:
وَالَّذِي تَمَثَّلَ فِي انْشِغَالِ الصَّحَابَةِ بِتَثْبِيتِ دَعَائِمِ الدِّينِ وَالْجِهَادِ،
مَعَ قُوَّةِ اسْتِحْضَارِهِمْ لِشَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيرَتِهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، مِمَّا
أَغْنَاهُمْ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِلتَّذْكِيرِ.
️ تَجَدُّدُ الْمُقْتَضِي فِي الْعُصُورِ
الْمُتَأَخِّرَةِ: مَعَ ضَعْفِ ارْتِبَاطِ النَّاسِ بِالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُنَا
نَشَأَتْ حَاجَةٌ وَمَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ لِإِحْدَاثِ وَسَائِلَ تُجَدِّدُ هَذَا الِارْتِبَاطَ.
️التَّأْصِيلُ بِقَاعِدَةِ (التَّرْكِ الْعَدَمِيِّ
وَالتَّرْكِ الْوُجُودِيِّ): تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أُمُورًا عَدِيدَةً لِعَدَمِ قِيَامِ الْحَاجَةِ
إِلَيْهَا فِي عَصْرِهِ — كَجَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَتَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، وَبِنَاءِ
الْمَآذِنِ — ثُمَّ أُحْدِثَتْ بَعْدَهُ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ؛ مِمَّا يَدُلُّ
عَلَى أَنَّ التَّرْكَ الْمُجَرَّدَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَإِنَّمَا يَنْفِي
الْوُجُوبَ فَحَسْبُ.
️ الَرَّدُّ عَلَى اسْتِدْلَالِ: «لَوْ كَانَ خَيْرًا
لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ»: إِنَّ تَرْكَ الصَّحَابَةِ لِلشَّيْءِ لَا يَكُونُ حُجَّةً
عَلَى تَحْرِيمِهِ مَا لَمْ يُصَاحِبْهُ دَلِيلٌ يُثْبِتُ قَصْدَهُمْ لِنَهْيِهِ وَالْمَنْعِ
مِنْهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ التَّرْكُ لِعَدَمِ الدَّاعِي حِينَئِذٍ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ
زَالَ لَاحِقًا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ النَّعْسَانُ:
«وَلَا يُحْتَجُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ المَوْلِدِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّرْكَ لَيْسَ حُجَّةً فِي التَّحْرِيمِ،
لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]». فَتَقَرَّرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي التَّحْرِيمِ
هُوَ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ، لَا التَّرْكُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الْقَرَائِنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ
أَحْدَثَ الْمَوْلِدَ هُمُ الْفَاطِمِيُّونَ الْعُبَيْدِيُّونَ، فَجَوَابُهُ أَنَّ
الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِمَنْ أَحْدَثَ الْفِعْلَ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ
بِمُوَافَقَةِ الْفِعْلِ لِأُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ. فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ
كَانَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَهُ أَهْلُ بِدْعَةٍ، ثُمَّ صَارَ مَشْرُوعًا لِمُوَافَقَتِهِ
الْأُصُولَ الشَّرْعِيَّةَ، وَكَمْ مِنْ أَمْرٍ قَبِيحٍ كَانَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَهُ
أَهْلُ صَلَاحٍ، فَصَارَ مَمْنُوعًا لِمُخَالَفَتِهِ النُّصُوصَ. فَالْمَدَارُ عَلَى
الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، لَا عَلَى فَاعِلِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ.
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: التَّرْجِيحُ الْفِقْهِيُّ
لِرَأْيِ دَارِ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةِ وَأَدِلَّتُهُ الْحَاكِمَةُ
بَعْدَ عَرْضِ الِاتِّجَاهَاتِ وَأَدِلَّتِهَا،
يَتَبَيَّنُ لِلْبَاحِثِ الْمُنْصِفِ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَا
ذَهَبَتْ إِلَيْهِ دَارُ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِفَالِ
بِذِكْرَى الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ،
وَذَلِكَ لِوُجُوهٍ مِنَ التَّرْجِيحِ:
أَوَّلًا: قُوَّةُ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ
فِي جَانِبِ الْمُجِيزِينَ
إِنَّ الْمُجِيزِينَ قَدِ اسْتَدَلُّوا
بِأَدِلَّةٍ صَرِيحَةٍ فِي بَابِهَا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لِصِيَامِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مِيلَادِهِ، وَإِقْرَارِهِ
لِلْجَارِيَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَضْرِبَ بِالدُّفِّ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَمَا
ثَبَتَ فِي حَقِّ أَبِي لَهَبٍ مِنْ تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ لِفَرَحِهِ بِمَوْلِدِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى
أَنَّ أَصْلَ الْفَرَحِ بِمَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُكْرَ
اللَّهِ عَلَى نِعْمَتِهِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ .
▪️ إِعْمَالُ مَسْلَكِ القِيَاسِ: لَمْ يَكْتَفِ
المجيزون بِالأَدِلَّةِ المَبَاشِرَةِ، بَلْ أَعْمَلُوا القِيَاسَ الأُصُولِيَّ؛ وَمِنْ
أَبْرَزِ مَنْ سَلَكَ هَذَا المَسْلَكَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ —
رَحِمَهُ اللَّهُ — إِذْ قَاسَ الِاحْتِفَالَ بِالمَوْلِدِ عَلَى صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نَجَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ قَالَ: «فَيُسْتَفَادُ
مِنْهُ فِعْلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إِسْدَاءِ
نِعْمَةٍ... وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ بِبُرُوزِ هَذَا النَّبِيِّ
نَبِيِّ الرَّحْمَةِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ؟». ▪️الِتَفْرِيقُ بَيْنَ الأَصْلِ وَالوَسِيلَةِ:
انْتَهَى المُجِيزُونَ إِلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الفَرَحِ
وَالشُّكْرِ، وَإِنَّمَا فِي "الكَيْفِيَّةِ وَالوَسِيلَةِ"؛ وَالوَسَائِلُ
إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي ذَاتِهَا، وَسَالِمَةً مِنَ المَحْظُورَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ
الشَّرْعِيَّةِ، فَلا حَرَجَ فِي الاعْتِمَادِ عَلَيْهَا.
ثَانِيًا: الْفَهْمُ الْمَقَاصِدِيُّ لِلتَّشْرِيعِ
إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ
تَعْظِيمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَحَبَّتَهُ، كَمَا قَالَ
تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الْفَتْحُ، رَقْمُ: 9]. فَالتَّوْقِيرُ وَالتَّعْزِيرُ مَقْصِدٌ
شَرْعِيٌّ عَظِيمٌ، وَالِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ بِذِكْرِ سِيرَتِهِ
وَشَمَائِلِهِ وَمَدْحِهِ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا إِطْرَاءٍ
مَذْمُومٍ، لَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّوْقِيرِ وَالتَّعْزِيرِ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا
بِمُوَافَقَتِهِ لِهَذَا الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ الْجَلِيلِ.
ثَالِثًا: الْحَاجَةُ الْمُعَاصِرَةُ إِلَى
إِحْيَاءِ سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ
فَإِنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي
هَذَا الْعَصْرِ تُوَاجِهُ تَحَدِّيَاتٍ عَقَدِيَّةً وَفِكْرِيَّةً وَثَقَافِيَّةً
هَائِلَةً، تُحَاوِلُ النَّيْلَ مِنْ شَخْصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَمِنْ سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ، فَكَانَ مِنْ وَاجِبِ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ أَنْ
يَجِدُوا الْوَسَائِلَ الْفَاعِلَةَ لِتَذْكِيرِ الْأُمَّةِ بِنَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْرِيفِ الْأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ بِفَضَائِلِهِ وَهَدْيِهِ
وَأَخْلَاقِهِ، حَتَّى يَتَأَسَّوْا بِهِ وَيَتَّبِعُوا سُنَّتَهُ. وَالِاحْتِفَالُ
بِذِكْرَى الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ مِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ الْفَاعِلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ،
الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسَ عَلَى حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَذِكْرِ شَمَائِلِهِ.
رَابِعًا: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ الَّذِي
يَقَعُ فِي بَعْضِ الِاحْتِفَالَاتِ لَا يَقْتَضِي إِنْكَارَ الْأَصْلِ الْمَشْرُوعِ
فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحْتَفِلِينَ
قَدْ يَخْلِطُونَ فِي احْتِفَالَاتِهِمْ بَعْضَ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الْغُلُوِّ فِي
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ،
أَوْ اسْتِعْمَالِ الْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا لَا
يُسْقِطُ مَشْرُوعِيَّةَ أَصْلِ الِاحْتِفَالِ، بَلِ الْوَاجِبُ هُوَ إِنْكَارُ هَذِهِ
الْمُنْكَرَاتِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا، مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ،
فَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ
عَلَى الْأَصْلِ بِالْبُطْلَانِ بِسَبَبِ مَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ عَوَارِضَ
خَارِجِيَّةٍ.
خَامِسًا: الْأَدَبُ مَعَ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ
الْمُقَرِّرِينَ لِلْمَشْرُوعِيَّةِ
فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ
مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ
الِاجْتِهَادِ مَا يَسُوغُ بِهِ قَوْلُهُ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ الْمَنْعِ
أَنْ يُبَدِّعَ الْمُخَالِفِينَ أَوْ يُفَسِّقَهُمْ أَوْ يَنْسُبَهُمْ إِلَى الْبِدْعَةِ
وَالضَّلَالَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ
أَنْ يَصِفَ الْمُخَالِفِينَ بِالْجَفَاءِ وَالْجُمُودِ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ
الْتِمَاسُ الْأَعْذَارِ لِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ
بِهِمْ، وَأَنْ نَرُدَّ الْمَسْأَلَةَ إِلَى أَدَبِ الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ الْمَعْرُوفِ
عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ
لِلِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
لِكَيْ يَكُونَ الِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ
النَّبَوِيِّ مَشْرُوعًا مُوَافِقًا لِأُصُولِ الشَّرْعِ، فَلَابُدَّ مِنْ تَوَافُرِ
ضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، مِنْهَا:
أَوَّلًا: خُلُوُّهُ مِنَ الْغُلُوِّ وَالْإِطْرَاءِ
الْمَذْمُومِ
فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغُلُوِّ فِي مَدْحِهِ، وَقَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا
أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ
وَرَسُولُهُ» <أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ
ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ،
بِرَقْمِ 3445>. فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَدِيحُ فِي حُدُودِ مَا جَاءَتْ
بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ وَصْفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُبُودِيَّةِ
وَالرِّسَالَةِ، دُونَ أَنْ يُدْعَى فِيهِ خَصَائِصُ الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ يُسْتَغَاثَ
بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ثَانِيًا: خُلُوُّهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ
وَالْمَعَاصِي
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الِاحْتِفَالُ
بِالْمَوْلِدِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمُنْكَرَاتِ مِنْ اخْتِلَاطٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ اسْتِعْمَالٍ
لِلْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ شُرْبٍ لِلْمُسْكِرَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ
الْأُمُورِ الَّتِي تُنَافِي مَقْصُودَ الِاحْتِفَالِ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثَالِثًا: عَدَمُ اعْتِقَادِ سُنِّيَّةِ
الِاحْتِفَالِ بِخُصُوصِهِ
فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ
عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَمَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتِلَاوَةِ
سِيرَتِهِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ يَوْمِ الْمَوْلِدِ بِذَلِكَ
مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمُبَاحَةِ، لَا مِنْ بَابِ السُّنَنِ الْمَطْلُوبِ فِعْلُهَا
عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. وَبِهَذَا يَسْلَمُ الْمُحْتَفِلُ مِنْ شُبْهَةِ الْبِدْعَةِ،
وَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ.
الْعُنْصُرُ السَّابِعُ: الْخَاتِمَةُ .
وَبَعْدُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ
الْمَسْأَلَةِ يَطُولُ، وَقَدْ بَذَلْتُ جُهْدِي فِي تَحْرِيرِ مَوْضِعِ النِّزَاعِ
وَتَقْرِيرِ الرَّاجِحِ مِنَ الْأَقْوَالِ بِأَدِلَّتِهِ، وَإِنَّ الْخُلَاصَةَ الَّتِي
أُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ هِيَ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَوْلِدِ
النَّبَوِيِّ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي وَسِعَتْ فِيهَا أَقْوَالُ
الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ الرَّاجِحَ فِي نَظَرِنَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ
بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ
فِي تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِحْيَاءِ سِيرَتِهِ
فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى ضَرُورَةِ تَجَنُّبِ الْغُلُوِّ وَالْإِطْرَاءِ
الْمَذْمُومِ، وَتَجَنُّبِ مَا يُخَالِطُ الِاحْتِفَالَاتِ مِنْ مُنْكَرَاتٍ لَا يَلِيقُ
بِحَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّنَا لَعَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ رَأْسُ مَالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّ تَعْظِيمَهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى
اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى ذِكْرِهِ وَمَدْحِهِ وَتِلَاوَةِ سِيرَتِهِ
هُوَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُشْتَغَلُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَفِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ
الشَّرِيفِ خَاصَّةً.
وَاللَّهَ تَعَالَى نَسْأَلُ أَنْ يَرْزُقَنَا
حُبَّهُ وَحُبَّ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا
مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِسُنَّتِهِ، الذَّابِّينَ عَنْ حِيَاضِ شَرِيعَتِهِ . اللَّهُمَّ
ارْزُقْنَا حُبَّ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبًّا يَمْلَأُ
قُلُوبَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّتِهِ، الْمُدَافِعِينَ عَنْ
شَرِيعَتِهِ، وَوَفِّقْنَا لِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ كَمَا يَلِيقُ بِمَقَامِهِ
الشَّرِيفِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.