recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة ماذا قال الصحابة رضوان الله عليهم في شأن رسول الله ﷺ؟

  ماذاقال الصحابة رضوان الله عليهم في رسول الله ؟ 


    الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 
فياعباد الله :" حديثنا إليكم اليوم عن ماذا قال الصحابة رضوان الله عليهم في شأن رسول الله صلي الله عليه وسلم؟

فقد عَبَّر الصحابة رضوان الله عليهم عن حبهم وتعظيمهم واصفين النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم عبارات الوفاء والإجلال. قالوا للنبي مؤكدين استعدادهم للفداء: «هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك".

تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وحق واجب من حقوق نبينا صلى الله عليه وسلم علينا، وقد أمرنا الله عز وجل بذلك فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}(الفتح:9:8). قال ابن كثير: "قال ابن عباس وغير وَاحِدٍ: يُعَظِّمُوهُ، {وَتُوَقِّرُوهُ} مِنَ التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام"، وقال ابن تيمية: "فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله". وقال السعدي: "أي: تعظموه وتُجِّلوه، وتقوموا بحقوقه صلى الله عليه وسلم".

وقد أحبَّ وعظَّم الصحابة رضوان الله عليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حُباً وتعظيما فاق كل حب وتعظيم، وقد سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ". وقد عبَّر عروة بن مسعود الثقفي ـ قبل إسلامه ـ عن مدى حب وتعظيم وتوقير الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ـ حين رجع إلى قريش بعد مفاوضته مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ـ فقال: (أي قوم! والله لقد وفَدْتُ على الملوك، ووَفَدْتُ على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيتُ مَلِكاً قَطْ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدا، والله إن تنخمَّ نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيما له) رواه البخاري

وهنا نذكر جانباً مما قاله الصحابة في شأنه صلي الله عليه وسلم 

أقوال الصحابة في حب وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"

أبدي عمربن الخطاب  أقوالاً ومواقف عظيمة تعبر عن شدة حبه وتوقيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر ما قال:في محبة النبي صلى الله عليه وسلم:

 قال له يوماً: "يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر: "فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"().

عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: ذُهل عمر رضي الله عنه في بداية الأمر من شدة الصدمة وقال:"من قال إن محمداً قد مات، ضربته بسيفي!"

 حتى خطب أبو بكر الصديق وثبت الناس.

في صلح الحديبية: اعترض عمر متأثراً بحميته لدين الله ويسأل النبي مستفسراً:"يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟" فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بثبات: "بلى".

وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه عند وفاة الرسول علية الصلاة والسلام :

‏ليس البكاء وان اطيل بمقنعي
‏ الخطب أعظم قيمة من أدمعي
‏تالله ما جار الزمان وما اعتدا
‏ باشد من هذا المصاب واوجع
‏فقد الرسول فاظلمت كل الدنا
‏ والحزن عم بكل القلب موضع
الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُطْروني "تبالغوا في مدحي" كما أطْرَتِ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبد الله ورسوله"(البخاري). .

علي بن أبي طالب :"

سُئل رضي الله عنه عن حبهم للنبي فقال:"كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ"(انظر: الشفا (2/19) وثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي (ص: 617).).

سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف كان حبكم لرسول الله ؟

قال: “كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ"

ﺭُﻭِﻱَ ﺃﻥ ﺃﻋﺮﺍﺑﻴﺎً ﻗﺎﻝ لسيدنا علي بن أبي طالب :"ﻋﺪِّﺩْ ﻟﻨﺎ ﺃﺧﻼﻕ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ  صلى الله عليه وسلم

 ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ الامام ﻋﻠﻲّ : ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﻌﺪّ ؟ ﻗﺎﻝ : ﻧﻌﻢ ﻓﻘﺎﻝ الإمام  عليّ :ﻋُﺪَّ ﻟﻲ ﻣﺘﺎﻉَ ﺍﻟﺪّﻧﻴﺎ

  ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻷﻋﺮﺍﺑﻲ : ﻣﺘﺎﻉُ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪُّ  ﻓﻘﺎﻝ الإمام ﻋﻠﻲّ : "عجزتَ عن وصْف متاع الدنيا وقد شهدَ اللهُ على قلّته:"قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ"

 فكيف أصِفُ أخلاقَ النبي وقد شهد الله تعالى بأنّه عظيم؟ حيث قال :"وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" لو صَلَّىٰ العَبدُ عَلىٰ النَّبيِّ بعَدَدِ أنفاسِهِ ، لَم يَكُن مُوَفِّيًا لِحقِّهِ  فأكثروا من الصلاة عليه

 ومع ذلك قال علي رضي الله عنه وهو ينعت رسول الله :" لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد، وكان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، وكان جعداً رَجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مشرباً، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله .

وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه، فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُؤْيِس منه راجيه ولا يَخيب فيه،

 قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، 

وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام"(الترمذي في الشمائل).


عمرو بن العاص: وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عينيَّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَه ما أطقْتُ، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو متُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة"( مسلم).

 قال النووي في فوائد هذا الحديث: "وفيه ما كانت الصحابة عليه من توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله.

 أبوذر الغفاري رضي الله عنه

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق"( البخاري ).

جعفر بن أبي طالب :

ولما سأل النجاشي ـ ملك الحبشة ـ جعفر بن أبي طالب : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل؟، قال جعفر : أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات ..

وكانت أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهم وسائل دعوته للناس، وخاصة قريش الذين عايشوه صبيا وشابا قبل بعثته، وكانوا يسمونه "محمد الأمين"، ومن ثم أعلنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضحة:( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ( أحمد ).

 عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما 

:"لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا "(متفق عليه).

وكيف لا يشهد له العدو والصديق بمكارم الأخلاق، وقد هذبه القرآن وربَّاه، ولما سأل سعد بن هشام ، أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟، قالت له:"ألست تقرأ القرآن؟، قال: بلى، قالت: فإن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان القرآن "( مسلم ).

زيد بن الدثنة

وبرَهن صحابي على محبته لرسول الله في آخر لحظة من حياته، وهو زيد بن الدثنة وكانوا في غزوة، خرجوا غزاةً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترض لهم نفرٌ من بني لحيان قبيلة من القبائل، هجموا على هؤلاء وأخذوا من ضمنهم زيد بن الدثنة، فباعوه في مكة، باعوه بيع الرقيق، وهو من أصحاب المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلما أخرجوه لضرب عنقه، قال له أبو سفيان ولا زال على الكفر حينها: أيسرُّك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: لا والله، ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه"().

 عروة بن مسعود الثقفي

أرسلت قريش في العام السادس الهجري عروة بن مسعود الثقفي، فكان لسان قريش ليتفاوض مع الحبيب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ما الذي جاء به من المدينة وماذا يريد؟ وهو عليه الصلاة والسلام ما أراد الغزو ولا القتال، وإنما جاء لأداء العمرة، فاعترضته قريش في موضع معروف إلى اليوم يسمى بالشميسي[الشميسي: اسم مكان على حدود الحرم من جهة الغرب، قريب من التنعيم، كان يسمى (الحديبية)، وهو عند مدخل الحرم للقادم من جدّة.، وهو المكان الذي أناخ فيه النبي صلى الله عليه وسلم راحلته، ومُنع من دخول مكة، فأرسلوا إليه عروة بن مسعود؛ ليتفاوض معه عليه الصلاة والسلام ومع أصحابه، فتفاوضوا فلما رجع عروة إلى قريش قال لهم: والله لقد وفدت على النجاشي وعلى كسرى وقيصر، فوالله ما رأيتُ ما كان من محبة أصحاب محمدٍ محمدًا، فإن توضأ كادوا أن يقتتلوا على وضوئه، وإن تنخَّم كادوا أن يقتتلوا على نخامته، ولا يعصون له أمرًا ولا نهيًاانظر: القصة في: الرحيق المختوم (ص: 296 - 297)..

عمرو بن العاص

وهذا عمرو بن العاص داهية من دهاة العرب الذي اشترط أن يغفر الله له ذنوبه عند إسلامه، قال: والله ما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله، وما أستطيع أن أحدَّ النظر إليه ولو سألتموني أن أصِف له ما استطعت[6].

جابر بن سمرة رضي الله عنه

- قال سماكُ بنُ حربٍ قلتُ لجابِرِ بنِ سَمُرةَ: أكُنتَ تُجالِسُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نَعَم كَثيرًا، كان لا يَقومُ مِن مُصَلَّاه الذي يُصَلِّي فيه الصُّبحَ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، فإذا طَلَعَت قامَ، وكانوا يَتحَدَّثونَ فيَأخُذونَ في أمرِ الجاهِليَّةِ فيَضحَكونَ، ويَتَبَسَّمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم."(أحمد ةغيره)

وعن جابر بن سمرة :"رأيتُ رسولَ اللهِ في ليلةٍ إِضْحِيانٍ ، وعليه حُلَّةٌ حمراءُ ، فجعلتُ أنظرُ إليه وإلى القمرِ ، فلهوَ عندي أحسنُ من القمرِ"(الترمذي)

 


وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:"ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك"(مسلم،)

 وفي رواية أحمد: (ولا رآني إلا تبسم).

وعن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه:"ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"(الترمذي هذا حديث حسن غريب).

 ومن طريق أخرى عنه قال:"ما كان ضَحِكُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسمًا"(الترمذي، وقال: هذا حديث صحيح غريب).

وصف هند بن أبي هالة

كان رسول اللَّه متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه -لا بأطراف فمه- ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً -ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها – سماح – وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.

وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه. يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره.

يتفقد أصحابه – ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره الذي يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.

كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن – لا يميز لنفسه مكاناً – إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين. يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم -لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب.

كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه قد ترك نفسه من ثلاث الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ.

وصف عمرو بن العاص

عن ابن شُمَاسَةَ المهَرِيِّ قال حضرنا عمرو ابن العاص فذكر لنا حديثاً طويلاً فيه: “وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله ، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيقُ أن أملأ عيني منهُ إجلالاً له، ولو سئلتُ أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه.

عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنَ العاصِ 

وعن عطاء بن يسار قال :" لقيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنَ العاصِ فقلتُ أخبرني عن صفةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في التوراةِ قال فقال أجل واللهِ إنَّهُ لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحِرزًا للأُمِّيِّينَ أنت عبدي ورسولي سمَّيتُك المتوكلُ ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواقِ ولا يدفعُ بالسيئةِ السيئةَ ولكن يعفو ويغفرُ ولن يقبضَه اللهُ تعالَى حتى يُقيمَ به المِلَّةَ العوجاءَ بأن يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ ويفتحوا بها أعيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلفًا"(البخاري).

وصف البراء بن عازب رضي الله عنه

قال البراء بن عازب: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً".

ـ وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير). وعن بريدة بن الحصيب قال: (وكنَّا إذا قعَدْنا عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ نرفَعْ أبصارَنا إليه) رواه الطبراني. وروى البيهقي وغيره: (أن الصحابة إذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له). قال الطيبي: "كان أصحابه في مجلسه كأن على رءوسهم الطير، وذلك عزة منه لا كِبْر وسوء خلق، وإن تلك العزة ألبسها الله تعالي إياه صلوات الله عليه لا مِنْ تلقاء نفسه".

 الله الذي أعطاك الله، قال: فأعجبْتُه، فدعا اللهَ لي أن يزيدَني علمًا وفهْمَا) رواه أحمد وصححه الألباني

ـ قصة ضيافة أبي أيوب الأنصاري وزوجته رضي الله عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه مهاجراً إلى المدينة المنورة مشهورة في كتب السنة والسيرة النبوية، وقد رواها مسلم في صحيحه عن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في السُّفْلِ وأبو أيوب في العِلْوِ، قال: فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا في جانب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: السفل أرفق، فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي صلى الله عليه وسلم في العُلُوِّ، وأبو أَيُّوب في السُّفْل).

قال النووي: "أما نزوله صلى الله عليه وسلم أولا في السفل فقد صرح بسببه وأنه أرفق به وبأصحابه وقاصديه، وأما كراهة أبي أيوب فمن الأدب المحبوب الجميل، وفيه إجلال أهل الفضل، والمبالغة في الأدب معهم، والسفل والعلو بكسر أولهما وضمه لغتان".

من المعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، ومع علو منزلته وحبنا وتعظيمنا له صلوات الله وسلامه عليه، فإننا لا نغالي فيه، ولا نرفعه فوق منزلة النبوة التي رفعه الله إليها، فهو رسول الله وعبْد لله، وهو بَشر لا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، قال الله تعالى:"قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ"(الأنعام: 50)، وقال تعالى:"قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"(الأعراف: 188). 

إن حقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ومنها: محبته وتعظيمه، وتوقيره والأدب معه، واتباعه وطاعته وعدم معصيته، وإنزاله مكانته بلا غلو ولا تقصير ـ أجَّل وأعظم، وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق الآباء على أولادهم، فحق علينا أن نحبه ونعظمه ونوقره، وفي ذلك الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف: 157). قال ابن كثير: "وقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} أيْ: عَظَّمُوهُ وَوَقَّرُوه، {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ} أي: القرآن والوحي الذي جاء به مُبَلغاً إلى الناس، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة

وصف أنس بن مالك رضي الله عنه 

كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً وأكرمهم وأتقاهم ، عن أنس رضي الله عنه قال" كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا"( الحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي).

النور عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وخروجه منها وفراقه، فقد روغ عن   أنس بن مالك رضي الله عنه، إذ قال: "لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، وما نفَضنا عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ الأيديَ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا"(الترمذي وابن ماجه واللفظ له، وأحمد).

وعن أنس بن مالك :"كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أزهَرَ اللَّونِ، كَأنَّ عَرَقَه اللُّؤلُؤُ، إذا مَشى تَكَفَّأ، ولا مَسِستُ ديباجةً ولا حَريرةً أليَنَ مِن كَفِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا شَمِمتُ مِسكةً ولا عَنبَرةً أطيَبَ مِن رائِحةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"(البخاري مختصراً، ومسلم واللفظ له).

سَألتُ أنَسًا رَضيَ اللهُ عنه، عن صيامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ما كُنتُ أُحِبُّ أن أراه مِنَ الشَّهرِ صائِمًا إلَّا رَأيتُه، ولا مُفطِرًا إلَّا رَأيتُه، ولا مِنَ اللَّيلِ قائِمًا إلَّا رَأيتُه، ولا نائِمًا إلَّا رَأيتُه، ولا مَسِستُ خَزَّةً ولا حَريرةً أليَنَ مِن كَفِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا شَمِمتُ مِسكةً ولا عَبيرةً أطيَبَ رائِحةً مِن رائِحةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"(البخاري والترمذي  وأحمد   وابن خزيمة   وابن حبان جميعا بنحوه دون قوله:" ولا مسست خزة ولا حريرة.) .

ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: (إنَّ أبواب النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت تُقرَعُ بالأظافير) رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

وفي "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: "وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حَسن لمن قرب محله من بابه، أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه. وذكر السهيلي أن السبب في قرعهم بابه بالأظافير أن بابه لم يكن فيه حلق فلأجل ذلك فعله، والذي يظهر أنه إنما كانوا يفعلون ذلك توقيراً وإجلالاً وأدبا".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لقَدْ رَأَيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُه، وأطافَ به أَصْحَابُه، فَما يُرِيدُون أَنْ تقع شعْرَةٌ إلَّا في يَدِ رَجُل) رواه مسلم. أي: يَتلَقَّفون شَعرَه قبل أن يَسقُطَ على الأَرْض، ويَحتَفِظون بِما يَلتَقطون مِن شَعرِه إكراما لشعر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك بيان لمدى حب وتعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

ـ وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (أتيتُ (وكان غلاما صغيرا) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي من آخرِ الليل فصلَّيتُ خلفه، فأخذ بيدي فجرَّني فجعلني حذاءَه (بجانبه)، فلما أقبل رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم على صلاتِه خنَسْتُ (تأخرت)، فصلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال لي ما شأني.. فقلتُ: يا رسولَ الله أو ينبغي لأحدٍ أن يُصلِيَ حذاءَك، وأنت رسولُ 

وقال أنس ـ رضي الله عنه ـ:"خدمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعتُه لم صنعتَه، ولا لشيء تركته لِم تركته، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خُلقا"(البخاري).

وكان حسن أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشمل ويعم جميع من حوله، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعامل زوجته بالإكرام، والود والحب، والتلطف والمداعبة،ويقول:( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ( الترمذي )، وكان يعين أهله ويساعدهم، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخيط ثوبه، ويخصف نعله ) ( أحمد ). فكان عطوفا ودودا طوال حياته مع أهله، حتى مع مرضعته حليمة السعدية ـ رضي الله عنهاـ، كان يفرش لها رداءه، ويعطيها من الإبل ما يغنيها في السنة الجدباء.

وكذلك كان مع أصحابه يؤلفهم ولا ينفرهم، ويتفقدهم ويعودهم، ويعطى كلَّ مَنْ جالسه نصيبه من العناية والاهتمام، حتى يظن جليسه أنه ليس أحدٌ أكرم منه، وكان لا يواجه أحداً منهم بما يكره.

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع كثرة أعبائه ومسئولياته، يداعب طفلا ويسأله عن عصفور لديه، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، كان يقول له: يا أبا عمير ما فعل النغير(طائر صغير يشبه العصفور"( البخاري ).

بل شمل عطفه ووده وحسن خلقه الحيوان، فكان يقرب للهرة(القطة) الإناء لتشرب .

ومن حياته وسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ نرى حسن أخلاقه حتى مع أعدائه، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ:( أن يهود أتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقالوا السام (الموت) عليكم، فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: عليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟، قال: أولم تسمعي ما قلتُ؟، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في" ( البخاري ).

بل انظر إلى شفقته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع من آذاه.. فعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال:( كأني أنظر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكي نبيا من الأنبياء (يعني نفسه)، ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ( البخاري ).. وحينما تعرض له أهل الطائف بالضرب والإيذاء، جاءه ملَك الجبال ليطبق عليهم الجبلين، فرفض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال : ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا )( البخاري ) .

قال القاضي عياض رحمه الله: وأما الأخلاق المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه، وأثنى الشرع على جميعها، وأمر بها، ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ووصف بعضها بأنه جزء من أجزاء النبوة، وهي المسماة بحسن الخُلق، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ..

نسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يوفقنا جميعا للتخلق بأخلاق هذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأن يمن علينا بالتوفيق لاقتفاء آثاره، والسير على نهجه، وأن يميتنا على سنته، ويحشرنا في زمرته، ويجعلنا من الفائزين بشفاعت

فهذه الكلمة العظيمة من عائشة رضي الله عنها ترشدنا إلى أن أخلاقه عليه الصلاة والسلام هي اتباع القرآن ، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي ، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها والبعد عن كل خلق ذمه القرآن.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً .... فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.أ.هـ

عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا"(البخاري).

حب الصحابيات 

 لم تكن المحبة مقتصرة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكور، بل لقد كان للإناث مشاركات أيضًا، وكان للصبيان أيضًا مشاركة، فلقد كان المجتمع في ذلك العهد كلهم يهتف بهتافاتٍ ظاهرة؛ أعني لفظية ومعنوية، فكلها تعبر عن محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكور والإناث، من الصغار والكبار من الشباب والشبان، فرفع الله ذكرهم وخلَّدهم على مر الليالي والأيام، فكان التأريخ واضحًا لكل من نظر فيه، فلو تأملنا في دواوين الإسلام لم نر إلا صدقًا وبذلًا وجهادًا وتضحيةً وعبادةً، فقد ضربوا أروع الأمثلة في كل ميادين الجهاد.

كن كالصحابة في زهدٍ وفي ورع

                               القوم هم ما لهم في الناس أشباه

عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم

                              كم عابدٍ دمعه في الخد أجراهُ

وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم

                              هبوا إلى الموت يستجدون لقياه

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا

                                  يشيدون لنا مجدًا أضعناه

ولقد كان تاريخهم أمرًا يدرَّس في جامعات المسلمين، بل والله في جامعات الكافرين يدرس منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أمر من الأهمية بمكان، في خلال ثلاث وعشرين عامًا يحول النبي صلى الله عليه وسلم بفضل الله جزيرة العرب، ثم تبعت الدنيا بأسرها، أنقذهم الله من براثين الفساد والكفر والانحلال إلى نور الإسلام؛ كما قال شاعر النيل:

أتطلبون من المختار معجزةً

                                  يكفيه شعبًا من الأموات أحياه


خديجة رضي الله عنها،

ومن دلائل شدة احترامه وحبه لزوجته خديجة رضي الله عنها، إن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها (صديقاتها)، وذلك بعد مماتها وقد أقرت عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغير من هذا المسلك منه "(البخاري).

قالت السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها للرسولصلى الله عليه وسلم طمأنينةً وتثبيتاً له عند نزول الوحي لأول مرة وعودته خائفاً من غار حراء: "كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ"( البخاري)،

 وتفصيل دلالات هذه العبارات كالتالي:كلا والله ما يخزيك الله أبداً: نفي قاطع بأن يصيبه مكروه لعلمها بمكارم أخلاقه.إنك لتصل الرحم: تحسن إلى أقاربك وتصلهم بالخير.وتحمل الكل: تساعد الضعيف واليتيم ومن لا يقدر على كسب عيشه.وتكسب المعدوم: تعطي الفقير مالاً وتقدم له ما يعجز عن تحصيله بنفسه.وتقري الضيف: تكرم ضيوفك وتحسن وفادتهم.وتعين على نوائب الحق: تساهم في نصرة المظلومين ومواجهة مصائب ونوازل الدهر

لقد استقبلت السيدة خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير استقبال، وكانت نعم الزوجة، ونعم المعين، ونعم الناصح.

عندما عاد صلى الله عليه وسلم من الغار بعد تلقيه الوحي؛ الذي وصفه الله تعالى بأنه قول ثقيل:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا"(المزمل: 5)، وقد ارتعدت فرائصه صلى الله عليه وسلم ، فكان من تمام العناية الإلهية أن الله تعالى رزق رسوله الأكرم بهذه الزوجة المباركة، التي وجد عندها رسول الله ما يبعث أسباب الطمأنينة في قلبه الشريف، ولم لا! وقد وجد عند خديجة  النفس الهادئة، والعقل الحازم الرشيد، والقلب الكبير، والصدر الدافئ.

استقبلت الزوجة الكريمة زوجها الأمين الذي يرجف فؤاده بثبات وثقة؛ لأنها بحكمتها ونقاء فطرتها تدرك أن هذا الرجل كريم الخلال لا يُتَصوَّر أن يُصاب بأذًى.

لقد قالت له كلمات هي في الحقيقة حبات لؤلؤ من قلبٍ طاهر، قالت خديجة كما ورد في صحيح البخاري: "كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

إن خديجة رضوان الله عليها في هذه الكلمات النورانية تقرر واقعًا، وتتحدث عن أفعاله صلى الله عليه وسلم وبذله للمعروف، وأنه وصَّالٌ للرحم، وأنه لا يرى محتاجًا إلا ويقف بجانبه ليخفف همه ويزيل كربه، وهو كذلك صاحب المروءة الذي يكرم ضيوفه ويبذل لهم ما بوسعه، ثم هو الرجل الذي يقف إلى جوار الناس عند حصول المصائب والكوارث.

إنها رباطة الجأش التي تحتاج إليها النساء المسلمات المؤمنات؛ لكي يستطعن مواجهة الصعاب، وتحمل مشاق الحياة، والصبر على تقلب أحوالها، وهي كذلك الثقة التي امتلأ بها قلب زوجةٍ تعرف زوجها ونبله وكريم صفاته.

ثم انطلقت خديجة بعد ذلك إلى ابن عمها ورقة بن نوفل لتسأله، وهذا تصرف عاقل؛ إذ الذهاب إلى أهل العلم وسؤالهم هو سلوك العقلاء.

إن خديجة في مجمل الأمر مثالٌ للمرأة الصالحة التي لا تجد فرصة لتقديم الخير إلا وتبادر، وقد عاشت مع سيدنا رسول الله سنوات الدعوة الأولى بما حوت من إيذاء وصعوبات، مدافعة عنه مؤمنة به، تؤازره بكل ما أوتيت من قوة المرأة الصالحة ومالها ونفسها ووجاهتها؛ رغبة فيما عند الله وحرصًا على زوجها الذي آمنت به وصدقته.

لقد ظلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيًّا لخديجة حتى بعد مماتها وقد بشَّرها ببيت في الجنة من قصب -أي من لؤلؤ- لا صخب فيه ولا نصَب -أي لا أصوات مرتفعة ولا تعب ولا مشقة- فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما غِرْتُ على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم، ما غِرْتُ على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، وَأَمَرَهٌ الله أن يبشرها ببيت من قصب-في الجنة -، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن"(فتح الباري لابن حجر (7/ 136).

إن النساء في زماننا في مسيس الحاجة إلى قراءة سيرة أم المؤمنين خديجة وأخذ الدروس والفوائد منها، والسير على خطاها.

وصف أم معبد

قالت أم معبد الخزاعية في وصف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجرًا: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق لم تعبه تجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشعاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطح، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة، لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود، لا عابس ولا مفند.

وصف عائشة رضي الله عنها قالت 

"خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس : اقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي حتى أسابقك فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي أسابقك فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذا بتلك"(أحمد).

عن عائشة رضي الله عنها قالت "كان صلى الله عليه وسلم يقول اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي"(أحمد ورواته ثقات).

 وكان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم ، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم ، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يرقّق اسم عائشة ـ رضي الله عنها ـ كأن يقول لها: (يا عائش )، ويقول لها: (يا حميراء) ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق) وما ذلك إلا تودداً وتقرباً وتلطفاً إليها واحتراماً وتقديراً لأهلها.

كان يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم ، وكانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي) ، وتقول له: دع لي"(مسلم).

وكان يُسَرِّبُ إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها‏.‏ وكان إذا هويت شيئاً لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإِناء أخذه، فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عَرقاً - وهو العَظْمُ الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حَجْرِها، ويقرأ القرآن ورأسه في حَجرِها، وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فَتَتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خُلُقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب.

 عن الأسود قال :سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قال : كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة"( مسلم والترمذي).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم "(أحمد).

قال صلى الله عليه وسلم "إن من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل" رواه مسلم.

(وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها"( البخاري).

 عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله.

وفي رواية ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله - رواه مالك والشيخان وأبو داود.

عن عائشة رضي الله عنها قالت "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم".

عن عروة رضي الله عنه قال: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي كنا لننظر إلى الهلال ثم الهـلال ثـلاثة أهله في شهرين ما أوقـد في أبيـات رسـول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت: يا خالة فما كان عيشكم؟ قالت: الأسودان ـ التمر والماء ـ) متفق عليه.

  أم سلمة ـ رضي الله عنها أنها ـ أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة..

ومعها فِهرٌ ففلقت به الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا، غارت أُمكم ـ مرتين ـ ) ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أُم سلمة وأعطى صحفة أُم سلمة عائشة"( النسائي وصححه).

وصف صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت "ما رأيت أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"( الطبراني في الأوسط بإسناد حسن).

قال عليه الصلاة والسلام في قصة المرأة المخزومية التي سرقت : ( ‏والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد‏,‏ لقطعت يدها‏)‏.

هكذا كان صحابة رسول الله ، قدموا أعظم صور المحبة والولاء والبراء، أطاعوه وآثروه على كل شيء حبا وتدينا.

google-playkhamsatmostaqltradent