نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم
لقد جمع الله سبحانه وتعالى في نبيّه محمد
صلى الله عليه وسلم صفات الجمال والكمال البشري ، وتألّقت روحـه الطاهرة بعظيم الشمائـل
والخِصال ، وكريم الصفات والأفعال ، حتى أبهرت سيرته القريب والبعيد ، وتملكت هيبتهُ
العدوّ والصديق ،
لقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها
رحمة ، فهو رحمة ، وشريعته رحمة ، وسيرته رحمة ، وسنته رحمة ، وصدق الله إذ يقول :"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ( الأنبياء : 107 ) .
وقد صوّر لنا هذه المشاعر الصحابي الجليل
حسان بن ثابت رضي الله عنه أبلغ تصوير حينما قال :
وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خُلقت مبرّأً من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء
تبارك ربنا فيما يشاء
وهنا يسأل البعض أليس في البيت الثاني من
الإطراء الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم
ويطرح هذا
السؤال : يتداولُ النَّاسُ هذه الأيام بيتين
منسوبين لحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وهما:
وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيني وَأَجمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِن كُلِّ عَيْبٍ كَأنَّكَ قَد خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
فهل الشّعرُ صحيحُ النّسبة إلى حسان، وهل
مضمونهما صحيحٌ لا غبار عليه ام فيه مخالفة شرعية؟
الجواب :
فقد ذكرَ مُحقِّقُ ديوان حسان بن ثابت الدكتور
"سيد حنفي حسنين" أنَّ البيتين المذكورين لم يردا في النسخة الأم، وهي المخطوطة
الأصليَّة للديوان، ولهذا جعلهما في ملحقات الديوان "ص371 - طبع الهيئة المصرية
العامة للكتاب"
،
ولا إشكال في البيت الأول،
وأمَّا قوله في البيت الثاني "خُلِقْتَ
مُبَرَّءًا مِن كلِّ عَيبٍ": فلا ريبَ أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- مبرَّؤٌ
مِن كلِّ عيبٍ يُعاب به الإنسانُ مِن العيوب الخَلقية أو الخُلُقية، وأما اللوازم البشريَّة
-كالخوف الطَّبيعي وقضاء الحاجة- أو العوارض البشريَّة -كالمرض والجوع والظَّمأ-: فلا
يُبرَّؤ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- منها؛ لأنَّه بشرٌ؛ لكنَّ الله خصَّه بالوحي،
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110].
أما قوله في البيت الثاني "كَأنَّكَ
قَد خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ": فهو ضربٌ مِن المبالغة المقبولة؛ لأنَّه ذكر المعنى
على وجه التَّشبيه، فقال: (كأنَّك)؛ ولم يقل: "فقد خُلِقتَ كما تَشاءُ".
وقد عدل بعضهم هذا الشطر فقال
"تبارك ربنا فيما يشاء"
هذا ومَدْحُ الله لنبيّه -صلَّى الله عليه
وسلَّم- وثناؤه عليه فوق مدح المادحين وثنائهم؛ إذ قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ [القلم:4]، وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].
والآيات الدَّالة على فضله -صلَّى الله
عليه وسلَّم- وعلوِّ منزلته عند ربّه كثيرة؛ فهو -عليه الصَّلاة والسَّلام- حقيقٌ بالمدح
اللائق بمنزلته وبشريَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن يجبُ الحذر مِن إطرائه، وهو
مجاوزة الحدِّ في مدحه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لَا
تُطْرُونِي، كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولوا:
عبدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فمن سمات الكمال التي تحلّى بها – صلى الله
عليه وسلم - خُلُقُ الرحمة والرأفة بالغير ، كيف لا ؟ وهو المبعوث رحمة للعالمين ،
فقد وهبه الله قلباً رحيماً ، يرقّ للضعيف ، ويحنّ على المسكين ، ويعطف على الخلق أجمعين
، حتى صارت الرحمة له سجيّة ، فشملت الصغير والكبير ، والقريب والبعيد ، والمؤمن والكافر
، والحيوان و الجماد
فنال بذلك رحمة الله تعالى ، ليصفه ربه
بأنه رحمة للعالمين
فالراحمون يرحمهم الرحمن .
وقد تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم في
عددٍ من المظاهر والمواقف ، ومن تلك المواقف المظاهر :
اولا: مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته
خاصة
رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته في العبادات
الصلاة:
عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال له: ((أُمَّ قومَك))، قال: قلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي
شيئًا، قال: ((ادنه))، فجلسني بين يديه، ثم وضع كفَّه في صدري بين ثديي، ثم قال:
((تحول))، فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: ((أُمَّ قومَك، فمن أَمَّ قومًا فليُخفِّف؛
فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى
أحدكم وحده، فليُصلِّ كيف شاء)) [اخرجه مسلم وغيره].
عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لأتأخَّر عن صلاة الصبح، من أجل فلان؛
مما يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قطُّ أشدَّ مما
غضب يومئذٍ، فقال: ((يا أيها الناس، إن منكم منفِّرين، فأيكم أمَّ الناس، فليُوجِز؛
فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا الحاجة))[[رواه البخاري].
أيها الناس، يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وخفِّفُوا
ولا تُطوِّلُوا، مع المحافظة على أركان الصلاة وسُننها
واستجاب الصحابة رضي الله عنهم، فكان عبدالرحمن
بن عوف يقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر:
1] ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1]، واقتدوا برسول الله صلى
الله عليه وسلم الذي قال عنه أنس بن مالك: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاةً، ولا أتم
صلاةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
رحمته صلى الله عليه وسلم بالأم في الصلاة:
وتأملوا عباد الله إلى رحمته صلى الله عليه
وسلم وهو في الصلاة التي هي قرة عينه، وكان لا يشغله عنها شاغل، وعلى الرغم من ذلك
يُخفِّف في الصلاة رحمةً بالأُمِّ إذا بكى صبيُّها؛ عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع
بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أُمِّه)) [رواه البخاري وغيره ].
وفيه: دلالة على كمال شفقة النبي صلى الله
عليه وسلم على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير.
رحمته صلى الله عليه وسلم بهم في الصوم
فشرع لهم الفطر:
ومن صور رحمته بأُمَّته أنه رخَّص لهم الفطر
في السفر شفقة ورفقًا بهم؛ "عن جابر بن عبدالله قال: رأى رسول الله صلى الله عليه
وسلم رجلًا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه، فقالوا: هذا رجل صائم، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((ليس البِرُّ أن تصوموا في السفر))"[رواه البخاري].
"وهكذا رغب صلى الله عليه وسلم في الفطر
للمسافر، ورهب من صيامه إذا لحقته المشقَّة من الصيام، أو كان في فطره مصلحة لا يقدر
عليها صائمًا.
وهكذا رأينا الإسلام سمحًا كريمًا رحيمًا
بأمته، لا يحب العنت والمشقة، وإن كانت في العبادة، والكيس من أوغل في الدين برفق،
فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"
ومن رحمته بأُمَّته صلى الله عليه وسلم
نهاهم عن الوصال في الصوم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((إياكم والوصال))، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: ((إنكم لستم في
ذلك مثلي؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون))؛ رواه البخاري
ومسلم.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان يتخوَّلهم
بالموعظة، ولا يُكثر عليهم من الوعظ؛ مخافة السآمة والملل الذي يفضي إلى المعصية؛ إذ
لو كرَّر عليهم الوعظ وملَّ أحدهم من وعظه أثم، وكان مُذنبًا.
فكان صلى الله عليه وسلم لا يجعل أيامهم
كلها مواعظ:
عن الأعمش، عن أبي وائل قال: كنا جلوسًا
على باب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، فخرج إلينا، فقال: إنما أخبرت أنكم على الباب،
فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم أو السآمة عليكم؛ إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا"[أخرجه البخاري
ومسلم ].
رحمته بالأطفال:
كان صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال
ويرقّ لهم ، حتى كان كالوالد لهم ، يقبّلهم ويضمّهم ، ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر ،كما
فعل بعبدالله بن الزبير عند ولادته .
وجاءه أعرابي فرآه يُقبّل الحسن بن علي
رضي الله عنهما فتعجّب الأعرابي وقال : " تقبلون صبيانكم ؟ فما نقبلهم "
فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : ( أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة
؟ ) .
وصلى عليه الصلاة والسلام مرّة وهو حامل
أمامة بنت زينب ، فكان إذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها .
وكان يحمل الأطفال ، ويصبر على أذاهم ،
فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ( أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي ، فبال
على ثوبه ، فدعا بماء ، فأتبعه إياه) رواه البخاري.
وكان يحزن لفقد الأطفال ، ويصيبه ما يصيب
البشر ، مع كامل الرضا والتسليم ، والصبر والاحتساب ، ولما مات حفيده صلى الله عليه
وسلم فاضت عيناه ، فقال سعد بن عبادة - رضي الله عنه : " يا رسول الله ما هذا؟
" فقال : ( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) .
رحمته بالنساء
لما كانت طبيعة النساء الضعف وقلة التحمل
، كانت العناية بهنّ أعظم ، والرفق بهنّ أكثر ، وقد تجلّى ذلك في خلقه وسيرته على أكمل
وجه ، فحثّ صلى الله عليه وسلم على رعاية البنات والإحسان إليهنّ ، وكان يقول : ( من
ولي من البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له سترا من النار ) ، بل إنه شدّد في الوصية بحق
الزوجة والاهتمام بشؤونها فقال : ( ألا واستوصوا بالنساء خيرا ؛ فإنهنّ عوان عندكم
ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) .
وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في
التلطّف مع أهل بيته ، حتى إنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها
رجلها على ركبته حتى تركب البعير ، وكان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ
بيدها ويقبلها ، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه .
كلما قلبت النظر في سيرة وشمائل الحبيب
ـ صلى الله عليه وسلم ـ تجد الكمال في أخلاقه، والسمو في تعاملاته، فكمالات خُلُقه
ـ صلى الله عليه وسلم ـ آية كبرى، وعلم من أعلام نبوته، وقد مدحه الله ـ عز وجل ـ بقوله:
{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(القلم:4) . ومن الكمال الخُلُقي الذي تحلى به
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - خُلُقُ الرحمة والرأفة بالغير، فقد وهبه الله قلباً
رحيماً، يرق للضعيف، ويحن على المسكين، ويعطف على الناس أجمعين، حتى صارت الرحمة له
طبعا، فشملت الصغار والكبار، والمؤمنين والكفار، والخدم والعبيد .
رحمته بالخدم والعبيد
وقد تجلّت مظاهر رحمته ـ صلى الله عليه
وسلم ـ بالخدم والعبيد أن جعل لهم حقوقا، وأمر بالرفق بهم، بل وحث على تحرير العبيد
من رقهم .
وإذا تتبعنا التوجيهات والتوصيات التي أوصى
بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم، فسنعرف مقدار الاهتمام الذي حازته هذه الفئة
من المجتمع، في وصايا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد ساهمت هذه الوصايا بشكل كبير
في تحرير العبيد، ومن ثم وقفت قيادات قريش في وجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودينه
الذي يدعو إلى تحرير العبيد، وينادي بالمساواة بينهم وبين السادة ..
لقد اهتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ بالعبيد في حياته وأوصى بهم خيرا حين موته، فعن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كان
آخر كلام رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم
)( أحمد ).
وحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ضرب
العبد أو إيذائه، فعن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنت أضرب غلاماً
لي، فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتا: اعلم أبا مسعود : لله أَقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا
هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقلت:
يا رسول الله، هو حر لوجه الله . فقَال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار أَو لمستك
النار ) ( مسلم ) .
بل حض الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على
المعاملة الحسنة لهم، حتى في الألفاظ والتعبيرات، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله،
وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي ) ( مسلم ) .
وجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفارة
ضرب العبد عتقه، فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ: ( .. من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه )( مسلم ).
كما نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن
تكليف العبيد والخدم بأعمال شاقة تفوق طاقتهم، أو الدعاء عليهم، فقال ـ صلى الله عليه
وسلم ـ: ( لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) ( البخاري ). وعن جابر بن
عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قَال: قَال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تدعوا
على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا
توافقوا من الله تبارك وتعالى ساعةَ نيل فيها عطاء فََيستجيب لكم )( أبو داود ).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يوصي أصحابه
بالعفو عن إساءة الخدم وخطئهم .. فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: ( جاء
رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت،
ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال: اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة
)( أبو داود ).
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان
إلى العبيد والخدم، وعدم الاستهزاء بهم، بل وإطعامهم وإلباسهم من نفس طعام ولباس أهل
البيت،
فعن المعرور بن سويد قال: ( لقيت أبا ذر
بالربذة(موضع قرب المدينة)، وعليه حُلَّة (ثوب) وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال:
إني ساببت رجلاً، فعيرته بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا ذر أعيرته
بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكُم
(خدمكم وعبيدكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه
مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم )( البخاري ).
ويحدثنا أنس ـ رضي الله عنه ـ خادم النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن رحمته ووصيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ العملية بالخدم فيقول:
( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة،
فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ قد قبض بقفاي من ورائي، قال : فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس ، أذهبت حيث
أمرتك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله .. ) ( مسلم ).
ويقول: ( خدمت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عشر سنين، والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته:
لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ) ( أحمد ) .
ولا شك أن شهادة الخادم لسيده صادقة، وخاصة
من رجل كأنس ـ رضي الله عنه ـ، الذي نقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الأُمة
آلاف الأحاديث، وكان معه كظله ..
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( ما
ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خادما ولا امرأة قَط )( أبو داود ) ..
لقد ترك هذا التعامل أعظم الأثر في نفوس
العبيد والخدم الذين اتصلوا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد استطاع ـ عليه الصلاة
والسلام ـ أن يأسر قلوبهم ويملك مشاعرهم بسماحة أخلاقه وكريم شمائله، وقصة زيد بن حارثة
ـ رضي الله عنه خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاهد على ذلك، فقد عاش زيد في بيته
ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وظل يقوم على خدمته ويرعى شؤونه، حتى بلغت الأخبار إلى والده
بوجوده عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فانطلق مسرعاً إليه، وطلب من النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ أن يرد له ولده، فنظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لزيد وقال:( إن
شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك )( الطبراني )،
فاختار زيدٌ البقاء عبداً مع رسول الله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الرجوع حراً مع أبيه، لما رآه من طيب عشرة وحسن خلق الحبيب
ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
لقد فتح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهديه
وشرعه الذي جاء به أبواباً متعددة لإخراج العبيد من رقهم إلى سعة الحرية، فكان العتق
هو الكفارة الأولى في قتل الخطأ، وفي جماع الرجل زوجته في نهار رمضان، وفي الظهار،
وإذا أساء السيد إلى عبده بلطمه فليس لها كفارة إلا عتقه، كما جعل النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ عتق العبيد وسيلة من وسائل للتكفير عن الذنوب والخطايا، وفي ذلك يقول الرسول
ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أيما امرئ مسلم، أعتق امرأ مسلماً، كان فكاكه من النار
)( الترمذي ) .
وكان صلى الله عليه وسلم يهتمّ بأمر الضعفاء
والخدم ، الذين هم مظنّة وقوع الظلم عليهم ، والاستيلاء على حقوقهم ، وكان يقول في
شأن الخدم : ( هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما
يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم
) ، ومن مظاهر الرحمة بهم كذلك ، ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاء خادم
أحدكم بطعامه فليقعده معه أو ليناوله منه فإنه هو الذي ولي حره ودخانه ) رواه ابن ماجة
وأصله في مسلم .
ومثل ذلك اليتامى والأرامل ، فقد حثّ الناس
على كفالة اليتيم ، وكان يقول : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ، وأشار بالسبابة
والوسطى ) ، وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، وكالذي يصوم
النهار ويقوم الليل ، واعتبر وجود الضعفاء في الأمة ، والعطف عليهم سبباً من أسباب
النصر على الأعداء ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أبغوني الضعفاء ؛ فإنما تنصرون وتُرزقون
بضعفائكم ) .
حقا هو رحمة الله للناس أجمعين، عربهم وعجمهم،
مؤمنهم وكافرهم، بل شملت رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ العجماوات من الطير والحيوان،
فكان رحمة لمن على الأرض جميعا، كما قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }(الأنبياء:107) ..
دعوته صلى الله عليه وسلم لأُمَّته في كل
صلاة:
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:
لما رأيتُ من النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفس، قلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي،
فقال: ((اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخَّر، ما أسرَّت وما أعلنَتْ))،
فضحكت عائشة حتى سقط رأسُها في حجرها من الضحك، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((أيسرُّك دُعائي؟))، فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
((والله إنها لدُعائي لأُمَّتي في كل صلاة)) رواه ابن حبان وصححه الألباني ].
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأُمَّته في دار البرزخ:
ومِن صور رحمته صلى الله عليه وسلم بأُمَّته
رحمته بهم وهم في قبورهم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المقابر، ويسلِّم ويدعو
لأهلها بالرحمة والمغفرة؛ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل
إلى البقيع، فيقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون،
وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) [رواه مسلم ].
من هنا تبيَّن من خلال حديث أُمِّنا عائشة
رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يُكرِّر الزيارة، وهذا من شفقته وكمال رحمته
صلى الله عليه وسلم.
وخرج صلى الله عليه وسلم يومًا، فصلى على
أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: ((إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم،
وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض،
وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)[رواه البخاري
ومسلم ]..
فحتى بعد مرور ثماني سنوات كاملة ما زال
مشغولًا بأهل أحد، وبالصلاة عليهم والدعاء لهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرشد أُمَّته
إلى الدعاء النافع للأموات، فنجده صلى الله عليه وسلم يُخبرنا أن الدعاء ينفع الميت
في قبره رحمة بالأموات؛ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات
الإنسان انقطع عنه عمله، إلَّا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو
ولد صالح يدعو له))" [رواه مسلم ].
رحمته صلى الله عليه وسلم وقضاء ديون الموتى:
ومن رحمته أيها الأحباب أحباب رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمن مات وعليه ديون أنه صلى الله عليه وسلم كان يتكفَّل بقضاء ديونهم
رحمة بهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوصي المسلمين بقضاء ديون موتاهم رحمةً
بهم وحفظًا لحقوق الدائنين، فهي رحمة شاملة استوعبت الأحياء والأموات؛ عن أبي هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نفس المؤمن مُعلَّقة بدَيْنِه حتى يُقضى عنه))
[رواه أحمد والترمذي].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي من المؤمنين فترك
دينًا، فعلي قضاؤُه، ومن ترك مالًا فلورثتِه)) [[رواه البخاري ومسلم ].].
خوفه صلى الله عليه وسلم على الميت من العذاب:
ومن رحمته إخوة الإسلام أنه صلى الله عليه
وسلم كان يُحذِّرنا من أسباب عذاب القبر، بل مرَّ ذات يوم على قبرين يُعذَّبان فدعا
بجريدة رطبة وشقَّها نصفين رجاء أن يخفف عنهما العذاب.
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم ما
رأيناه في موقف عجيب له عندما مرَّ بقبرين يُعذَّبان، فقال: ((إنهما ليُعذَّبان، وما
يُعذَّبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة))،
ثم أخذ جريدةً رطبةً، فشقَّها بنصفين، ثم غرز في كل قبر واحدةً، فقالوا: يا رسول الله،
لمَ صنعْتَ هذا؟! فقال: ((لعلَّه أن يُخفِّف عنهما ما لم ييبسا)) [رواه البخاري ومسلم ].
إن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
الموقف لا تصل فقط إلى الطائعين والمتقين، وإنما تصل إلى عصاة ومذنبين، فالأول كان
يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يستتر من بوله، وبالتالي لا تستقيم صلاته، ومع ذلك فقلبه
يتحرَّك لهما، ويضع جريدة رطبة على قبرهما راجيًا من الله أن يُخفِّف عنهما! إنها الرحمة
في أروع وأبهى صورها، وصدق رب العالمين إذ يقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].
: رحمة النبي صلى الله عليهم وسلم بأُمَّته
في الآخرة:
ومن صور رحمته صلى الله عليه وسلم بأُمَّته
في عرصات يوم القيامة أنه يقول: ((أُمَّتي أُمَّتي))، كلمة يقولها النبي في موقف ينشغل
كل امرئ فيه بنفسه.
رحمة عجيبة، تستحق الوقوف أمامها طويلًا،
يا لها من رحمة تذيب ذا العقل الراجح خجلًا حين يُدرك معناها.
كلٌّ منشغل بنفسه، الأُمُّ لا يهمُّها وليدها،
الخليل يتخلَّى عن خليله، الأنبياء يرفضون التوسُّل إلى الله من أجل البشر؛ بل ينشغلون
بأنفسهم، وما هم فيه من هول موقف يوم الدين، أما نبينا فيقول: ((يا رب أُمَّتي أُمَّتي)).
عن أنس بن مالك قال حدثنا محمد صلى الله
عليه وسلم، قال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون:
اشفَع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، لكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن؛ فيأتون إبراهيم،
فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله؛ فيأتون موسى، فيقول: لست لها ولكن
عليكم بعيسى؛ فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى
الله عليه وسلم، فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيُؤذَن لي، ويُلهمني محامد
أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخِرُّ له ساجدًا، فيقال: يا محمد،
ارفع رأسك، وقل يُسمَع لك، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تُشفَّعْ؛ فأقول: يا رب أُمَّتي، أُمَّتي،
فيُقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده
بتلك المحامد، ثم أخِرُّ له ساجدًا؛ فيقال: يا محمد ارفع رأسَك، وقل يُسمَع لك، وسَلْ
تُعْطَ، واشفع تُشفَّع؛ فأقول: يا رب أُمَّتي، أُمَّتي، فيُقال انطلق فأخرج منها من
كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل؛ ثم أعود فأحمده بتلك المحامد،
ثم أخِرُّ له ساجدًا؛ فيقال يا محمد ارفَع رأسَكَ، وقل يُسمَع لك، وسَلْ تُعْطَ، واشفع
تُشفَّع؛ فأقول يا رب أُمَّتي، أُمَّتي، فيُقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى
أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار؛ فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعة فأحمده
بتلك المحامد، ثم أخِرُّ له ساجدًا؛ فيُقال: يا محمد، ارفع رأسَكَ، وقل يسمع، وسل تُعْطَه،
واشفع تُشفَّع؛ فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي
وكبريائي وعظمتي لأُخرِجَنَّ منها من قال لا إله إلا الله [رواه البخاري ].
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بنا أن ادَّخر
دعوته شفاعةً لأُمَّته يوم القيامة:
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كلُّ نبي دعوته، وإني اختبأت
دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أُمَّتي لا يشرك
بالله شيئًا)) [رواه مسلم].
وهذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم
على أُمَّته، واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم.
رحمته بالأعداء حرباً وسلماً
فعلى الرغم من تعدد أشكال الأذى الذي ذاقه
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الكفار في العهد المكي، إلا أنه صلى الله عليه
وسلم قد ضرب المثل الأعلى في التعامل معهم ، وليس أدلّ على ذلك من قصة إسلام الصحابي
الجليل ثمامة بن أثال رضي الله عنه ، عندما أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فربطوه بسارية من سواري المسجد ، ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام وهو يرى
المجتمع المسلم عن قرب ، حتى دخل الإيمان قلبه ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقه
، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : " أشهد أن لا
إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد : والله ما كان على الأرض وجه أبغض
إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك
، فأصبح دينك أحب الدين إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح بلدك أحب
البلاد إلي " ، وسرعان ما تغير حال ثمامة فانطلق إلى قريش يهددها بقطع طريق تجارتهم
، وصار درعاً يدافع عن الإسلام والمسلمين .
كما تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم أيضاً
في ذلك الموقف العظيم ، يوم فتح مكة وتمكين الله تعالى له ، حينما أعلنها صريحةً واضحةً
: ( اليوم يوم المرحمة ) ، وأصدر عفوه العام عن قريش التي لم تدّخر وسعاً في إلحاق
الأذى بالمسلمين ، فقابل الإساءة بالإحسان ، والأذيّة بحسن المعاملة .
لقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها
رحمة ، فهو رحمة ، وشريعته رحمة ، وسيرته رحمة ، وسنته رحمة ، وصدق الله إذ يقول :
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 )
لقد تجلَّت لنا مظاهر رحمة النبي صلى الله
عليه وسلم، حتى شمِلت القاصي والداني، والقريب والبعيد، والصديق والعدو، والبر والفاجر..،
وتِلْكُم بعض مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: مظاهر- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالخلق
عامة:
روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((لن تؤمنوا حتى تراحَموا))، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم،
قال: ((إنه ليس برحمة أحدِكم صاحبَه، ولكنها رحمة العامَّة))؛ رواه الطبراني، ورجاله
ثِقات.
الكل يرحم بعضهم بعضًا، الرئيس يرحم المرؤسين،
والأب يرحم الابن، والزوج يرحم الزوجة، والغني يرحم الفقير، والقوي يرحم الضعيف، والجار
يرحم جاره، الكل يتراحم فيما بينهم، حتى يصدق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم، مثلُ الجسد،
إذا اشتكى منه عضو، تَداعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى)).
2- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالضعفاء:
لقد أقرَّ الإسلام حقوقًا للضعفاء والفقراء
والمساكين، واهتمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالضعفاءِ الذين لا مالَ لهم ولا عشيرةَ،
فكان يقبلُ من مُحسنِهم، ويتجاوزُ عن مسيئِهم، ويسعى في حوائِجهم، ويرفعُ عنهم الضرَّ
والأذى ولو بكلمةٍ تُغضبهم؛ فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرو
أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا:
وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا،
قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ،
فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: يَا
أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ
رَبَّكَ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ، قَالُوا:
لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي))؛ رواه مسلم.
وكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُ
أصحابَه أن المالَ والوجاهةَ الاجتماعيةَ، والمناصبَ المرموقةَ - لا تُضفي على الإنسان
فضلًا لا يستحقُّه، وأن الفقرَ وقلةَ المالِ والجاه، لا يَسلبُ الإنسانَ شرفًا يستحقُّه؛
روى البخاري من حديث سهل بن سعد قال: مرَّ رجل علينا ونحن جلوس عند النبي صلى الله
عليه وسلم، فقال لرجل عندنا: ماذا تقول في هذا الرجل؟! قال: يا رسول الله، هذا من أشراف
أهل المدينة، هذا من أحسنهم حسبًا ونسبًا، هذا من أكثرهم مالاً، هذا حري إن خطب يخطب،
وإن تكلم يُسمع، وإن شفع يُشفع، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مرَّ رجل آخر، فقال
للرجل نفسه: فماذا تقول لهذا الرجل؟ قال: يا رسول الله، هذا من فقراء الأنصار، هذا
لا حسَب، ولا نسَب، هذا حَرِيٌّ إن خطب ما يُخطب، وإن تكلم ما يُسمع، وإن شفع ما يُشفع،
فقال الصادق المصدوق: (هذا - يعني: الفقير الذي لا حسَب ولا نسَب - خير من ملء الأرض
من مثل هذا).
هذا الذي في نظرك الذي إذا تكلم ما يسمع،
وإذا شفع ما يشفع، وإذا خطب ما يخطب، (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)؛ رواه البخاري.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أُخبركم
بأهلِ الجنةِ؟ كلُّ ضعيفٍ متضعِّفٍ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ، ألا أُخبرُكم بأهلِ
النارِ؟ كلُّ عُتُلٍّ جواظٍ مُستكبرٍ)؛ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(العُتُل): الغليظ الجافي، (الجواظ): الفاجر.
ومن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنِ
الضعفاءِ أن امرأةً سوداءَ كانتْ تَقُمُّ المسجدَ، ففقَدها رسولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم، فسألَ عنها، فقالوا: ماتتْ، فقال صلى الله عليه وسلم: (أفلا كنتم آذنتموني)،
فكأنهم صغَّروا أمرَها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دُلُّوني على قبرِها)، فدلوه،
فصلى عليها)؛ رواه البخاري ومسلم.
إن المجتمعَ الذي يشعرُ فيه الفقيرُ والمسكينُ
والضعيفُ بأهميته واهتمام المسؤولين والقادة والقوانين به - لهو مجتمعٌ التكافل والرحمةِ
والإنسانيةِ الذي ينعم به الجميعُ ويسعدون بظلاله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((مَن وَلِي أمرَ الناسِ، ثم أغلقَ بابه دون المسكين والمظلوم وذوي الحاجة - أغلقَ
اللهُ تباركَ وتعالى أبوابَ رحمته دونَ حاجته وفقره أفقر ما يكونُ إليها))؛ رواه أحمد.
وفي الجملة كان رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم يهيبُ بالأمة كلها أن تقفَ لنُصرة المظلوم أيًّا كان مستواه ومكانته؛ حيثُ ربطَ
بين هذه القضية وقضية كرامة الأمة نفسها، فقال: (كيفَ يقدسُ اللهُ أمةً لا يُؤخذُ لضعيفِها
من شديدِها حقَّه وهو غير متعتعٍ)؛ رواه ابن ماجه.
والصالحون رضوان الله عنهم لهم حال مع الضعفاء
والفقراء والمساكين، ولقد أُثِر عن علي زين العابدين رحمه الله أنه كان إذا جنَّ عليه
الليل حمل الطعام على ظهره إلى بيوت الأرامل والأيتام، وكان إمامًا من أئمة المسلمين،
وعلَمًا من أعلام الدين، ومع ذلك تواضَع لله عز وجل، لعِلمه أن الله يحب منه تلك الخطوة،
ولعلمه أن جبر تلك القلوب يَجبر الله به كسْر العبد في الدنيا والآخرة، فخرج رحمه الله
في الظلام بعيدًا عن الرياء والسمعة والثناء، يشتري بذلك رحمة الله سبحانه، فلما توفِّي
رحمه الله، فقدت تلك البيوت من كان يقرع عليهم في جوف الليل، وفي بعض الروايات: كان
ما يقرب من ثلاثين بيتًا مِن ضَعَفَة المسلمين، كان يمشي إليها بخطواته، فمات رحمه
الله وما ماتت تلك الخطى، وسيراها بعينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من
أتى الله بقلبٍ سليم. المشي إلى الضعفاء، والمشي إلى البؤساء له لذة يعرفها مَن يعرفها!
المشي إلى المحرومين البائسين له رحمة يجدها من وجدها، فهؤلاء الأئمة الأخيار الصفوة
الأبرار، عرَفوا مقدار المعاملة مع الله، فاختاروا لنهارهم العلم والعمل، واختاروا
لليلهم جبْرَ القلوب المكسورة، وإدخال السرور عليها، فلما أرادوا أن يغسلوه رحمه الله،
خلعوا ثيابه، فوجدوا ظهره متشحطًا من كثرة ما حمَل عليه من الطعام، فرحمه الله رحمة
واسعة!
3 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالعُصاة
والمذنبين:
وأحوج الناس إلى الرحمة هم العُصاة والمذنبون،
ولكنهم يَحتاجون إلى رحمة التوجيه والهداية لطاعة الله، فإن الإسلام رحمة، والهداية
والالتزام رحمة، وهناك أممٌ تنتظر منك أن تدلَّهم عليها، وأن تهديَهم بإذن الله إليها،
وأن تأخذ بمجامع قلوبهم إلى الله، فتُحببهم في طاعة الله ومرضاته؛ قال صلى الله عليه
وسلم: (أنا رحمةٌ مُهداة).
فمن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض
أخطاء الغير، يحكي خوَّات بن جُبير عن نفسه، فيقول: نزلنا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم مر الظهران، قال: فخرجت من خبائي، فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت
فاستخرجت حلة فلبستها، وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبة،
فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هِبته واختلطت، وقلت: يا رسول الله، جمل
لي شرد، فأنا أبتغي له قيدًا، ومضى فاتبعته، فألقى إليّ رداءَه، ودخل الأراك فقضى
حاجته وتوضَّأ، فأقبل والماء يسيل على صدره من لحيته، فقال: (أبا عبدالله، ما
فعل ذلك الجمل؟)، وارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: (السلام عليك
أبا عبدالله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟)، فلما طال ذلك عليّ أتيتُ المسجد، فقمت أُصلِّي،
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حجره، فجاء فصلى ركعتين، فطولت رجاء أن
يذهب ويدَعني، فقال: (أبا عبدالله، طوِّل ما شئت أن تطوِّل، فلست بمنصرف حتى تنصرف)،
فقلت في نفسي: والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبرئن صدره،
فلما انصرفت، قال: (السلام عليك أبا عبدالله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟)، قلت:
والذي بعثك بالحق، ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: (يرحمك الله) ثلاثًا، ثم
لم يعد لشيء مما كان.
الرحمة أفضل ما تكون بالدلالة على الخير،
فكم من أناس هُدُوا إلى سواء السبيل، ودُلُّوا إلى المَعلَم والدليل، فأصابوا رحمة
الله العظيم الجليل!
4- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالحيوان:
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة
فُتِحت أبوابها لإمرأة بَغِي من بغايا بني إسرائيل، لمجرد أنها سقت كلبًا عطشانَ، فأخرج
مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (إن امرأة بغيًّا رأت كلبًا - في يوم حار - يُطيف ببئر قد أدلَع لسانَه من العطش،
فنزَعت له بمُوقها - أي: استقت له بخُفِّها - فغُفِر لها).
فقد غفَر الله لهذه البغي ذنوبها بسبب ما
فعَلته من سقي هذا الكلب، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النار فُتِحت أبوابها
لامرأة حبست هِرَّة؛ لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فيقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (عُذِّبت امرأة في هرَّة؛ لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها
تأكل من خشاش الأرض)؛ أخرجه البخاري ومسلم.
وقد حرَّم الإسلام تعذيب الحيوان، ولعَن
المخالفين على مخالفتهم؛ فقد روى مسلم بسنده إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
مرَّ على حمار قد وُسِم في وجهه، فقال: (لعَن الله الذي وسَمه)، وفي رواية له:
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه). وقد
حرَّمت الشريعة الإسلامية تصبير البهائم؛ أي: أن تُحبَس لتُرمَى حتى تموت، كما حرَّمت
الْمُثْلة وهي قطع أطراف الحيوان؛ فقد رُوِي عن ابن عمر أنه قال: "نهى النبي صلى
الله عليه وسلم عن أن تُصبَر بهيمة أو غيرها للقتل)؛ أخرجه الإمام أحمد.
وأخرج البخاري ومسلم عن المنهال بسنده إلى
عبدالله بن عمر أنه قال: "لعَن النبي صلى الله عليه وسلم مَن مثَّل بالحيوان".
لقد رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيوان
الأعجم من أن يُجوَّع أو يُحمَّل فوق طاقته، فقال في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير
قد لحقه الهزال: (اتقُوا الله في هذه البهائم المُعجمة، فاركَبوها صالحة، وكُلوها
صالحَة)؛ أبو داود، وابن خزيمة، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
بل هو يرحم الحيوان حتى في حالة ذبْحه،
فإن كان لا بد أن يُذبَح، فلتكن عملية الذبح هذه رحيمة، فيقول: (إن الله كتَب الإحسان
على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِد أحدكم
شَفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته)؛ أخرجه مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
وأحمد، والدارمي، وابن حبان.
بل إنه صلى الله عليه وسلم يتجاوز البهائم
إلى الطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، وانظر إلى رحمته بعصفور؛
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن قتل عصفورًا عبثًا، عجَّ إلى الله عز وجل
يوم القيامة منه يقول: يا رب، إن فلانًا قتلني عبثًا، ولم يَقتلني لمنفعة)؛ أخرجه النسائي،
وأحمد، وابن حبان، والطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي.
إن دعوة الإسلام للرفق والرحمة بالحيوان،
هي من باب أَولى دعوة لاحترام الإنسان والرحمة به، فإذا كان الإسلام رحيمًا بالكائن
الذي لا ينطق ولا يعقل، ولا يَمتلك أحاسيسَ الإنسان ومشاعره، ولا كرامته وموقعه، فما
بالك بأكرم الخلق وأفضل الكائنات؟!
وكل ذلك يؤكد عظمة هذا الدين، وأنه دين
يُعنى بكل الجوانب الإنسانية؛ لأن في ذلك سعادة الإنسان وأمنه.
5 - رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بغير المسلم:
لقد شمِلت رحمة الإسلام القريب والبعيد،
والمسلم وغير المسلم، فرأينا سلوك المسلمين مع المحاربين من غير المسلمين، أساسه قوله
تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة:
8، 9].
فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعًا،
ولو كانوا كفارًا بدينه، ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته، ويضطهدوا أهله، فنجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب عندما يجد امرأة مقتولة وهو يمر في إحدى الغزوات،
فقال: (ما كانت هذه لتُقاتل)، بل ينهى عن قتل النساء والشيوخ والإطفال، ومَن لا مشاركة
له في القتال!
إن المتأمل لحروب رسول الله مع أعدائه
- سواء من المشركين، أو اليهود، أو النصارى - ليجِد حُسن خُلق رسول الله مع كل هؤلاء
الذين أذاقوه ويلات الظلم والحيْف والبطش، إلا أنه كان يعاملهم بعكس معاملاتهم له،
فإذا تأمَّلْنا وصية رسول الله لأصحابه المجاهدين الذين خرجوا لرد العدوان، نجد في
جنباتها كمال الأخلاق، ونُبل المقصد، فها هو ذا رسولُ الله يوصي عبدالرحمن بن عوف عندما
أرسله في شعبان سنة 6هـ إلى قبيلة (كلب) النصرانية الواقعة بدومة الجندل، قائلاً:
(اغْزُوا جمِيعًا فِي سبِيلِ اللهِ، فقاتِلُوا منْ كفر بِاللهِ، لا تغلوا، ولا تغْدِرُوا،
ولا تُمثِّلُوا، ولا تقْتُلُوا ولِيدًا، فهذا عهْدُ اللهِ وسِيرةُ نبِيه فيكم)؛
رواه الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه، وقال الذهبي في التلخيص:
صحيح، والطبراني: المعجم الأوسط.
وكذلك كانت وصية رسول الله للجيش المُتجه
إلى معركة مؤتة؛ فقد أوصاهم قائلاً: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتِلوا مَن كفر
بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تَغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا كبِيرًا
فانِيًا، ولا مُنْعزِلاً بِصوْمعةٍ)؛ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي،
والبيهقي.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن امرأة وُجِدت
في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه
وسلم قتْل النساء والصبيان؛ رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لهما: (وُجِدت امرأة مقتولة في
بعض تلك المغازي، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على
دعوتهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم
فمرِض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلِم، فنظر
إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي
صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)؛ رواه البخاري.
فكان يحمل عن العجوز - وإن كانت كافرةً
به ولم تكن تعرفه - حتى إذا أوصلها لبيتها حذَّرتْه من اتِّباع مَن يدَّعي النبوة،
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه محمد بن عبدالله!
وكان إذا ذبح شاة وأمر بتوزيع جزءٍ منها
على الجيران، لا ينسى أن يوصي: (هل أهديتُم إلى جارنا اليهودي؟).
وتروي كتب السِّيَر أنه صلى الله عليه وسلم
بكى لما رأى جنازةَ مشركٍ، ولَما سُئِل عن سبب بكائه صلى الله عليه وسلم، قال: (نفس
تفلَّتت مني إلى النار)، وتبلغ رحمته صلى الله عليه وسلم بأعدائه القمةَ السامقة عندما
يتعرَّض لإيذائهم، ففي هذه المواطن التي يفقد فيها الرحماء رحمتَهم، عندما تعرَّض للسباب
والضرب من أهل الطائف، ونزل ملك الجبال في صُحبة جبريل صلى الله عليه وسلم يعرض على
النبي صلى الله عليه وسلم أن يُطبق عليهم الأخشبين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم
قولته المشهورة: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)، وفي هذا القول جمع النبي صلى الله
عليه وسلم مقامات الإحسان كلها، فقد عفا عنهم، والتمس لهم العذرَ بجهلهم، ثم دعا لهم
ولم يكن هذا موقفًا فريدًا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان هذا خلقه مع مَن خالَفه
وحارَبه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدِ دَوْسًا، اللهم اهدِ ثقيفًا،
اللهم اهدِ أُمَّ أبي هريرة).
ثم تجلَّت رحمته صلى الله عليه وسلم يوم
فتح مكة، وقد فعل أهلُها به وبأصحابه ما فعلوا؛ قال عمر: لما كان يوم الفتح ورسول الله
بمكة، أرسل إلى صفوان بن أُمية، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال،
عمر: فقلت: لقد أمكن الله منهم، لأعرفنهم بما صنعوا، حتى قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92])، قال عمر: فافتضحت حياءً
من رسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية أن يكون بدَرَ مني، وقد قال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما قال!
: أثر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم -
بفضل ربه عز وجل - أن يؤسِّس أعظم دولة عرَفها التاريخ؛ حيث أخرج للوجود أُمة، ومكَّن
لعبادة الله تعالى في الأرض، ووضع أُسس العدالة الاجتماعية، وحوَّل جيلاً كاملاً من
رُعاة للبقر إلى قادةٍ للأُمم، استطاع بفضل الله تعالى أن يخرج للعالم كله المواهب
والعبقريات العظيمة؛ من أمثال: عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة
بن أبي جهل....، وحوَّلهم مَن جيل لا يعرف إلا الفوضى إلى جيل يعرف النظام والعدل.
: حاجتنا إلى التخلُّق بخلق الرحمة:
عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض،
يرحمكم من في السماء)؛ أخرجه أبو داود.
وقال الطيبي: أتى بصيغة العموم؛ ليشمل جميع
أصناف الخلق، فيرحم البر والفاجر، والناطق، والبُهم، والوحوش والطير.
وعن عمرو بن حبيب قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (خاب عبد وخسِر، لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر)؛ أخرجه أبو
نُعيم في معرفة الصحابة.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم)، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال:
(ليس رحمةُ أحدِكم نفسَه وأهلَ بيته، حتى يرحم الناسَ)؛ شُعَب الإيمان.
أيها المسلمون:
ألا ما أحوجَ البشرية إلى هذه المعاني الإسلامية
السامية! وما أشدَّ افتقارَ الناس إلى التخلُّق بالرحمة التي تضمد جراحَ المنكوبين،
وتحثُّ على القيامِ بحقوقِ الوالدين والأقربين، والتي تواسِي المستضعَفين، وتَحنو على
اليتامَى والعاجِزين، وتحافِظ على حقوقِ الآخرين، وتحجز صاحبَها عن دماء المعصومين
من المسلمين وغير المسلمين، وتصون أموالَهم مِن الدمار والهلاك، وتحثُّ على فِعل الخيرات
ومجانبة المحرمات!
: الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة:
1 - قراءة كتاب الله عز وجل:
فمن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة،
وتُيسر للإنسان طريقها: قراءة كتاب الله جل جلاله؛ قال العلماء: إن الرحمة لا تدخل
إلى قلبٍ قاسٍ، والقلوب لا تلين إلا بكلام الله، ولا تنكسر إلا بوعد الله ووعيده، وتخويفه
وتهديده، فمن أكثر تلاوة القرآن، وأكثر مِن تدبُّر القرآن، كسَر الله قلبه، ودخلت فيه
الرحمة.
2 - تذكُّر مشاهد الآخرة:
كذلك من الأسباب التي تُعين على رحمة الضعفاء:
تذكُّر الآخرة؛ فإن العبد إذا تذكر مشاهد الآخرة، وصوَّر نفسه كأنه قائمٌ بين يدي الله
تُجادِل عنه حسنته، ويقف بين يدي الله عز وجل وقد نُشِر له ديوانه، وبدت له أقواله
وأفعاله، إذا تصوَّر مثل هذه المواقف، قادَته إلى الله، وحبَّبت إلى قلبه الخير، وجعلت
أشجانه وأحزانه كلها في طاعة الله ومرضاته.
3 - معرفة سيرة السلف الصالح:
ومن أعظم الأسباب التي تُعين على الرحمة:
قراءة سيرة السلف الصالح والأئمة المهديين من الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى
يوم الدين، والوقوف على ما كانوا عليه من الأخلاق الجميلة والآداب الكريمة، كل ذلك
يحرِّك القلوب إلى الرحمة، ويجعل فيها شوقًا إلى الإحسان إلى الناس، وتفريج كُرباتهم،
وقلَّ أن تجلس في مجلس، فيُذكر فيه كريمٌ بكرَمه، أو يُذكَر المحسن فيه بإحسانه، إلا
خشع قلبُك؛ فهذه أُمُّنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، يأتيها عطاؤها من أمير المؤمنين
معاوية رضي الله عن الجميع وهي صائمة، ثلاثون ألف درهم وهي في أشد الحاجة، فتُوزِّعها
على الفقراء إلى فلان وآل فلان، ولم تُبقِ منها شيئًا حتى غابت عليها الشمس، فالتمست
طعامًا تُفطر عليه، فلم تجد.
فسِيَر الرجال، وسِيَر الصالحين، وسِيَر
الأخيار - تُحرِّك القلوب إلى الخير، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ
عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [هود: 120].
4 - معاشرة الرحماء، كذلك أيضًا مما يُحرك القلوب
إلى الرحمة والإحسان إلى الناس: مُعاشرة الرحماء، فانظر في إخوانك وخِلاَّنك، فمن وجدت
فيه الرحمة ورقة القلب، وسرعة الاستجابة لله، فاجعله أقرب الناس منك، فإن الأخلاق تُعدي،
فإذا عاشَر العبد الصالحين، أحسَّ أنه في شوق للرحمة، وأحس أنه في شوق للإحسان إلى
الناس، ودعاه ذلك إلى التشبه بالأخيار، فكم من قرينٍ اقترن بقرينه - وكان من أقسى الناس
قلبًا - فأصبح ليِّنًا؛ لأن قلبه بصُحبة الصالحين؛ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وأرضاه أشد الناس قلبًا وأعظمهم صلابة، فلما كسر الله قلبه بالإسلام، كان من أرحم الناس
بالمسلمين رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه عاشر رسول الأمة وإمام الرحماء، فتأثر به، حتى
قال العلماء رحمهم الله: كان أرحم الناس بالناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5- الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة:
وهو ممَّا يُرقِّق القلب، ويدعو إلى الرَّحْمَة
والشفقة بهؤلاء وغيرهم.
الخاتمة:
يرى إنسان معتكف في مسجد النبي رجلاً كئيبًا،
قال له: ما لي أراك كئيبًا؟ قال: ديون لزمتني ما أُطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان،
فهذا ابن عباس قال: أتحب أن أُكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه - والاعتكاف
في رمضان من أجَلِّ العبادات - قال له رجل: يا ابن عباس، أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا
والله ما نسيت أني معتكف، ولكن سمعت صاحب هذا القبر - والعهد به قريب، وبكى - يقول:
(لأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ، خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا).
صيام مَن؟ رسول الله، واعتكاف مَن؟ رسول
الله، يَفضُله أن تمشي مع أخ في حاجةٍ.
نحن إذا تراحمنا يَرحمنا الله، وينصرنا، لكن في حياة المسلمين ظلمٌ يَهتز له عرش الرحمن، وقهْر وسحْق، وتضييق من إنسان مسلم لإنسان مسلم، لا رحمة، لا أحد يرحم أحدًا، كل واحد متمكن من شيء يفرض إرادته الظالمة على مَن حوله، وبذلك فسِمَةُ طريق النصر أن نتراحم فيما بيننا، فإذا تراحمنا، رَحِمنا الله، وإذا قسا بعضنا على بعض، سقطنا من عين الله.