التنمر وأثره على شخصية الإنسان
مفهوم التنمر وحقيقته في
الميزان الشرعي.
صور التنمر وأسبابه في الواقع المعاصر.
الآثار النفسية والاجتماعية الكارثية
لآفة التنمر.
السخرية ليست خفة ظل، وطرق الوقاية
منها.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أحمدُه سبحانه
وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، كرَّمَ الإنسانَ وصانَ كرامتَه،
وجعلَ الإحسانَ إلى الخلقِ من أعظمِ القُرُباتِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه،
أرسله اللهُ رحمةً للعالمينَ، ومتممًا لمكارمِ الأخلاقِ، فصلَّى اللهُ وباركَ عليه،
وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ،
فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ حقَّ التقوى،
واعلموا أنَّ الإسلامَ لم يأتِ لإقامةِ الشعائرِ فحسبُ، بل جاءَ لبناءِ الإنسانِ، وحفظِ
كرامتِهِ، وصيانةِ قلبِهِ، وغرسِ معاني الرحمةِ والتراحمِ والتوقيرِ والاحترامِ في
المجتمعِ. وإنَّ الأممَ لا تُقاسُ بما تملكُه من الأموالِ والعمرانِ، وإنما تُقاسُ
بما يستقرُّ في نفوسِ أبنائِها من الأخلاقِ والقيمِ. وإنَّ من أخطرِ الآفاتِ التي ابتُلِيَ
بها الناسُ في زمانِنا آفةُ التنمرِ والسخريةِ والاستهزاءِ، حتى صارَ كثيرٌ من الناسِ
يعدُّها لونًا من خفةِ الظلِّ، وهي في حقيقتِها خلقٌ ذميمٌ، وعدوانٌ محرَّمٌ، وسببٌ
في تحطيمِ النفوسِ، وتمزيقِ الروابطِ، وإشاعةِ البغضاءِ بين الناسِ.
العنصرُ الأولُ: مفهومُ التنمرِ وحقيقتُه
في الميزانِ الشرعيِّ.
أيها المسلمونَ
التنمرُ في حقيقتِهِ ليس كلمةً عابرةً،
ولا مزاحًا عارضًا، وإنما هو استعلاءٌ على الخلقِ، واحتقارٌ للناسِ، وإيذاءٌ متعمَّدٌ
بالقولِ أو الفعلِ أو الإشارةِ أو التشهيرِ أو الإقصاءِ، يستقوي فيه المرءُ على غيرِهِ
بما أوتيَ من قوةٍ أو مالٍ أو جاهٍ أو مكانةٍ، ليكسرَ قلبَ غيرِهِ، أو ينتقصَ من كرامتِهِ،
أو يزرعَ في نفسِهِ الشعورَ بالنقصِ والمهانةِ.
ولذلكَ لم ينظرِ الإسلامُ إلى التنمرِ على
أنَّه مجرَّدُ مخالفةٍ للأدبِ، بل عدَّه اعتداءً على الكرامةِ التي وهبَها اللهُ لكلِّ
إنسانٍ، فقال سبحانه في سورةِ الإسراءِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. فهذا التكريمُ
عامٌّ لكلِّ بني آدمَ، لا يختصُّ بغنيٍّ دون فقيرٍ، ولا بصحيحٍ دون مريضٍ، ولا بجميلِ
الصورةِ دون غيرِهِ، فمن امتهنَ إنسانًا، أو سخرَ منه، أو حطَّ من قدرِهِ، فقد خالفَ
مقصدًا عظيمًا من مقاصدِ الشريعةِ في حفظِ كرامةِ الإنسانِ.
ولهذا حذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
من احتقارِ الناسِ أشدَّ التحذيرِ، فقالَ: «بحسبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلمَ»
رواه مسلمٌ. فجعلَ مجرَّدَ الاحتقارِ شرًّا عظيمًا؛ لأنَّه أصلُ كلِّ سخريةٍ، ومنبعُ
كلِّ استعلاءٍ، وبابٌ لكثيرٍ من الظلمِ والعدوانِ.
ومن تأمَّلَ هديَ القرآنِ والسنةِ علمَ
أنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بصورتِهِ، ولا بلونِهِ، ولا بمالِهِ، ولا بمنصبِهِ،
وإنما تُقاسُ بما يحملُه قلبُه من إيمانٍ، وما يقدِّمُه من عملٍ صالحٍ، ولذلكَ قال
اللهُ تعالى في سورةِ الحجراتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واحفظوا ألسنتَكم من كلِّ كلمةٍ تجرحُ قلبًا، أو تهدمُ نفسًا، أو تنقصُ من قدرِ مسلمٍ، فإنَّ الكلمةَ قد تخرجُ من صاحبِها هيِّنةً، وهي عندَ اللهِ عظيمةٌ، وقد يبني
العنصرُ الثانيُ: صورُ التنمرِ وأسبابُه في الواقعِ المعاصرِ
عبادَ اللهِ
إنَّ التنمرَ لم يَعُدْ سلوكًا محدودًا
في مكانٍ أو زمانٍ، بل تعدَّدتْ صورُه، واتَّسعتْ ميادينُه، حتى صارَ يلاحقُ الإنسانَ
في بيتِه، ومدرستِه، وعملِه، ومجلسِه، بل وفي هاتفِه الذي يحمله بين يديهِ.
فمن التنمرِ ما يكونُ بالسخريةِ من الهيئةِ،
أو اللونِ، أو الطولِ، أو القِصَرِ، أو المرضِ، أو الإعاقةِ، ومنه ما يكونُ بالتنابزِ
بالألقابِ، وإطلاقِ الأوصافِ الجارحةِ، والتقليدِ المستهزئِ، ونشرِ الشائعاتِ، وتعمدِ
الإقصاءِ والتهميشِ. ومن أشدِّ صورِه في عصرِنا التنمرُ الإلكترونيُّ، حيثُ يختبئُ
بعضُ الناسِ خلفَ الشاشاتِ، فيكتبُ كلمةً جارحةً، أو ينشرُ صورةً ساخرةً، أو يصنعُ
مقطعًا يهتكُ به كرامةَ إنسانٍ، وهو يظنُّ أنَّ الأمرَ لا يتجاوزُ ضغطةَ زرٍّ، وما
علمَ أنَّ اللهَ يحصي عليه ألفاظَه وأفعالَه، وسيقفُ بين يديهِ ليسألَه عن كلِّ ما
قالَ وكتبَ ونشرَ.
قالَ تعالى في سورةِ قٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ
مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وإذا تأمَّلنا أسبابَ هذه الآفةِ وجدنا
أنَّ من أعظمِها ضعفَ مراقبةِ اللهِ تعالى، وقسوةَ القلبِ، وسوءَ التربيةِ، وغيابَ
القدوةِ، ورفقةَ السوءِ، والفراغَ الذي يدفعُ بعضَ الناسِ إلى البحثِ عن الضحكِ ولو
كانَ ثمنُه جرحَ كرامةِ الآخرينَ.
كما أنَّ ما يُعرَضُ في بعضِ وسائلِ الإعلامِ
ومنصاتِ التواصلِ من برامجَ ومقاطعَ تقومُ على السخريةِ والاستهزاءِ، جعلَ كثيرًا من
الناسِ يظنُّونَ أنَّ احتقارَ الآخرينَ لونٌ من الذكاءِ، وأنَّ جرحَ المشاعرِ دليلٌ
على خفةِ الظلِّ، وما هو إلا ضعفٌ في الخلقِ، ونقصٌ في المروءةِ.
وقد صحَّحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
هذا المفهومَ عمليًّا، حين ضحكَ بعضُ الصحابةِ من دقَّةِ ساقَي عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ
رضي اللهُ عنه، فقالَ صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيدِهِ لهما أثقلُ في الميزانِ
من أُحُدٍ». فبيَّنَ أنَّ ميزانَ اللهِ لا ينظرُ إلى صورِ الأجسادِ، وإنَّما ينظرُ
إلى صدقِ الإيمانِ، وصلاحِ الأعمالِ، ونقاءِ القلوبِ.
وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ كلمةً
عظيمةً في حفظِ حرمةِ الخلقِ: «واللهِ ما يحلُّ لكَ أن تؤذيَ كلبًا أو خنزيرًا بغيرِ
حقٍّ، فكيفَ تؤذي مسلمًا؟». فمن عجزَ عن كفِّ أذاه عن الحيوانِ، فكيفَ يجرؤُ على إيذاءِ
من كرَّمَه اللهُ بالإيمانِ؟
وللهِ دَرُّ القائلِ:
وكنْ في الطريقِ عفيفَ الخُطا
شريفَ السماعِ كريمَ النظرِ
وكنْ رجلًا إن أتوا بعدَهُ
يقولونَ مرَّ وهذا الأثرُ
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ
الكلمةَ قد ترفعُ صاحبَها درجاتٍ، وقد تهوي به في دركاتِ الإثمِ، وأنَّ المؤمنَ لا
يجعلُ لسانَه سيفًا يجرحُ به القلوبَ، وإنَّما يجعلُه بَلْسَمًا يداوي النفوسَ، ويجمعُ
القلوبَ على المحبةِ والمودَّةِ.
العنصرُ الثالثُ: الآثارُ النفسيةُ والاجتماعيةُ
الكارثيةُ لآفةِ التنمرِ
أيها المسلمونَ
إنَّ أخطرَ ما في التنمرِ أنَّ جراحَه لا
تُرى بالعيونِ، ولا تتركُ أثرًا على الأبدانِ، وإنَّما تستقرُّ في أعماقِ النفوسِ،
فتتركُ فيها آثارًا قد تمتدُّ سنواتٍ طويلةً. فكم من كلمةٍ استهانَ بها قائلُها، فأطفأتْ
نورَ الثقةِ في قلبِ طفلٍ، وكم من سخريةٍ مزَّقتْ نفسَ شابٍّ، وكم من استهزاءٍ أورثَ
إنسانًا خوفًا وانطواءً، وكم من شخصٍ عاشَ بقيةَ عمرِهِ أسيرَ كلمةٍ جارحةٍ لم يستطعْ
نسيانَها.
وقد يبلغُ أثرُ التنمرِ ببعضِ الناسِ مبلغًا
عظيمًا، فيورثُ القلقَ والاضطرابَ والعزلةَ، ويقتلُ روحَ المبادرةِ، ويزرعُ في النفسِ
الشعورَ بالنقصِ والمهانةِ، حتى إنَّ بعضَ الضحايا قد يبتعدُ عن مجتمعِهِ، أو ينعزلُ
عن الناسِ، أو يبلغَ به الألمُ مبلغًا شديدًا قد يدفعُه إلى إيذاءِ نفسِهِ، وكلُّ ذلكَ
بسببِ ألسنةٍ لم تعرفْ حرمةَ الكلمةِ، ولم تستشعرْ عظمةَ المسؤوليةِ.
ولذلكَ شدَّدَ القرآنُ في النهيِ عن إيذاءِ
المؤمنينَ، فقالَ سبحانهُ في سورةِ الأحزابِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا
مُبِينًا﴾. فجعلَ اللهُ تعالى إيذاءَ المؤمنينَ بغيرِ حقٍّ بهتانًا وإثمًا مبينًا؛
لأنَّ الشريعةَ جاءتْ لحفظِ الكراماتِ، وصيانةِ الأعراضِ، وجبرِ الخواطرِ، لا لكسرِها
وإهانتِها.
وقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «المسلمُ
من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ». فبدأَ باللسانِ قبلَ اليدِ؛ لأنَّ كثيرًا من
الجراحِ التي تُحدِثُها الكلماتُ أشدُّ أثرًا من جراحِ الأبدانِ، وربَّ كلمةٍ بقيَ
ألمُها في القلبِ أعوامًا، وربَّ أذًى اندملَ أثرُه بعدَ أيامٍ.
وقد كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
أعظمَ الناسِ رحمةً بالخلقِ وجبرًا للخواطرِ، فلم يكنْ ينظرُ إلى صورِ الناسِ وهيئاتِهم،
وإنَّما كانَ ينظرُ إلى قلوبِهم وإيمانِهم. ومن أروعِ المواقفِ في ذلكَ ما صنعَه مع
زاهرِ بنِ حرامٍ رضي اللهُ عنه، وكانَ رجلًا دميمَ الخِلقةِ، فاحتضنَه النبيُّ صلى
الله عليه وسلم من خلفِهِ مداعبًا، ثم قالَ: «من يشتري هذا العبدَ؟». فقالَ زاهرٌ:
إذًا تجدني كاسدًا يا رسولَ اللهِ. فقالَ صلى الله عليه وسلم: «لكنْ عندَ اللهِ لستَ
بكاسدٍ، ولكنْ عندَ اللهِ أنتَ غالٍ».
فما أعظمَها من كلماتٍ أحيتْ نفسًا، وجبرتْ
خاطرًا، وعلَّمتِ الأمةَ أنَّ قيمةَ الإنسانِ عندَ اللهِ ليستْ في جمالِ صورتِهِ، ولا
في هيئةِ جسدِهِ، وإنَّما في إيمانِهِ وتقواهُ.
عبادَ اللهِ: إنَّ المجتمعَ الذي تنتشرُ
فيه السخريةُ مجتمعٌ تتآكلُ فيه الثقةُ، وتضعفُ فيه الأخوةُ، ويشيعُ فيه الحقدُ والانتقامُ،
أمَّا المجتمعُ الذي يحفظُ أفرادُه ألسنتَهم، ويصونونَ كرامةَ بعضِهم، فهو مجتمعٌ تسكنُه
الرحمةُ، وتظلِّلُه المودَّةُ، وتشتدُّ فيه أواصرُ المحبةِ.
فاحذروا أن تكونوا سببًا في كسرِ قلبٍ،
أو إهانةِ نفسٍ، أو إذلالِ مؤمنٍ، فإنَّ القلوبَ عندَ اللهِ عظيمةُ القدرِ، ومن جبرَ
خاطرًا جبرَ اللهُ كسرَه، ومن رحمَ عبادَ اللهِ رحمَه اللهُ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا
بنونَ إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ
اللهِﷺ، وبعد.
العنصرُ الرابعُ: السخريةُ ليستْ خفةَ ظلٍّ
بل سقوطٌ أخلاقيٌّ.
عبادَ اللهِ
لقد أخطأ كثيرٌ من الناسِ حين جعلوا السخريةَ
ضربًا من ضروبِ الظرفِ، وعدُّوا جرحَ المشاعرِ دليلًا على سرعةِ البديهةِ، حتى أصبحتْ
بعضُ المجالسِ لا تخلو من الاستهزاءِ بالناسِ، والانتقاصِ من هيئاتِهم، أو لهجاتِهم،
أو أوضاعِهم، حتى صارَ المظلومُ يضحكُ مجاملةً، وقلبُه يتألَّمُ، ثم يعودُ إلى بيتِه
يحملُ من الانكسارِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ.
وما كانَ هذا من هديِ الإسلامِ في شيءٍ؛
فإنَّ المزاحَ المشروعَ يشرحُ الصدورَ ولا يجرحُها، ويؤلِّفُ القلوبَ ولا يفرِّقُها،
أمَّا السخريةُ فهي استعلاءٌ محرَّمٌ، وعدوانٌ على كرامةِ الإنسانِ، ولذلكَ أنزلَ اللهُ
فيها قرآنًا يُتلى إلى يومِ القيامةِ، فقالَ سبحانهُ في سورةِ الحجراتِ: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا
أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
وربَّما كانتِ الكلمةُ في نظرِ صاحبِها
صغيرةً، وهي عندَ اللهِ عظيمةٌ، ولذلكَ لمَّا أشارتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضي اللهُ
عنها إلى قِصَرِ صفيةَ رضي اللهُ عنها، قالَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لقد
قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لمزجتْهُ». إنَّها كلمةٌ واحدةٌ، لكنَّها حملتْ
معنى الانتقاصِ، فاستحقَّتْ هذا الزجرَ النبويَّ البليغَ، ليتعلَّمَ المسلمونَ أنَّ
شأنَ الكلماتِ عندَ اللهِ ليس بهوانِها عندَ الناسِ، وأنَّ اللسانَ قد يرفعُ صاحبهُ
بكلمةٍ، وقد يرديهِ بكلمةٍ.
ولم يكتفِ الإسلامُ بالنهيِ عن السخريةِ،
بل فتحَ أبوابَ العلاجِ والإصلاحِ، فأوَّلُ العلاجِ أن يستشعرَ المسلمُ مراقبةَ اللهِ
تعالى في كلِّ لفظٍ ينطقُ به، وأن يعلمَ أنَّ اللسانَ نعمةٌ ومسؤوليةٌ، وأنَّ الكلمةَ
إذا خرجتْ لم يعدْ الإنسانُ قادرًا على استردادِها.
وثانيها أن يربِّيَ أبناءَه على احترامِ
الناسِ، وأن يكونَ قدوةً لهم في حديثِهِ وتعاملِهِ، فلا يسمعوا منه كلمةَ سخريةٍ فيتعلَّموا
منه السخريةَ والاستهزاءَ.
وثالثُها أن يعتذرَ ممَّن أساءَ إليهِ،
ويردَّ المظالمَ إلى أهلِها، فإنَّ حقوقَ العبادِ لا تسقطُ بمجرَّدِ الندمِ، بل لا
بدَّ من ردِّ الحقوقِ وطلبِ المسامحةِ.
ورابعُها أن يجعلَ لسانَه عامرًا بالكلمةِ
الطيبةِ، فإنَّ النفوسَ تُجبَرُ بالإحسانِ كما تنكسرُ بالإساءةِ.
وللهِ دَرُّ القائلِ:
أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واحفظوا ألسنتَكم
من السخريةِ واللمزِ والغيبةِ، وأكرموا الناسَ كما أحببتم أن يكرمَكم الناسُ، واجبروا
خواطرَ المنكسرينَ، وأعينوا الضعفاءَ، وانشروا بين الناسِ الكلمةَ الطيبةَ، فإنَّ الكلمةَ
الطيبةَ صدقةٌ، وإنَّ اللهَ لا يضيِّعُ أجرَ من أحسنَ قولًا وعملًا.