الْمَاءُ حَيَاةٌ وَنَمَاءٌ
الْحَمْدُ لِلهِ مُوجِدِ الْبَرَايَا، وَمُجْزِلِ
الْعَطَايَا.. لَهُ جَزِيلُ الْحَمْدِ، وَكَرِيمُ التَّحَايَا، خَلَقَ خَلْقَهُ، وَجَعَلَ
نُفُوسَهُمْ مُسْتَوْدَعَاتِ عَرَايَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ بِجَمِيلِ الْخِصَالِ
وَحُسْنِ السَّجَايَا؛ يَهْدُونَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيَدْعُونَ لِلْأَسْلَمِ،
وَيُنْذِرُونَ الْمَوْقِفَ الْأَعْظَمَ. أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِذَاتِهِ، وَأَشْكُرُهُ
شُكْرًا يَلِيقُ بِأَفْضَالِهِ وَإِنْعَامِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ وَالْبَطْشِ الشَّدِيدِ.. شَهَادَةً
تَكْفُلُ لِي عِنْدَهُ أَعْلَى دَرَجَاتِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي دَارِ الْقَرَارِ
وَالتَّأْبِيدِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَقَائِدَنَا مُحَمَّدًا
عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.. كَانَ أَجَلَّ النَّاسِ، وَأَرْحَمَ النَّاسِ، وَأَكْرَمَ
النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ.. صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
أَنْتَ الَّذِي مِنْ نُورِكَ الْبَدْرُ
اكْتَسَى ... وَالشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ بِنُورِ بَهَاكَا
أَنْتَ الَّذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلَى السَّمَاءِ
... بِكَ قَدْ سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِسَرَاكَا
أَنْتَ الَّذِي نَادَاكَ رَبُّكَ مَرْحَبًا
... وَلَقَدْ دَعَاكَ لِقُرْبِهِ وَحَبَاكَا
وَخَفَضْتَ دِينَ الشِّرْكِ يَا عَلَمَ
الْهُدَى ... وَرَفَعْتَ دِينَكَ فَاسْتَقَامَ هُنَاكَا
مَاذَا يَقُولُ الْمَادِحُونَ وَمَا عَسَى
... أَنْ تَجْمَعَ الْكُتَّابُ مِنْ مَعْنَاكَا
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الْهُدَى
... مَا اشْتَاقَ مُشْتَاقٌ إِلَى سِوَاكَا
أَمَّا بَعْدُ.. طِبْتُمْ جَمِيعًا، وَطَابَ
مَمْشَاكُمْ، وَتَبَوَّأْتُمْ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا، وَأَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ،
رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، الَّذِي جَمَعَنَا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ، أَنْ
يَجْمَعَنَا فِي الْآخِرَةِ فِي جَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ.. إِنَّهُ وَلِيُّ ذٰلِك
وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَفِي بِدَايَةِ هٰذَا اللِّقَاءِ الْمُبَارَكِ، أُوصِيكُمْ
وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عز وجل؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا،
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَى
الْإِنْسَانِ وَأَعْظَمِهَا نِعْمَةَ الْمَاءِ؛ كَيْفَ لَا وَالْمَاءُ مَصْدَرُ الْحَيَاةِ
وَعِمَادُهَا، وَمِنْ أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِ الْعَيْشِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ أَصْلُ
كُلِّ الْكَائِنَاتِ الَّتِي أَوْجَدَهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، الَّذِي
يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي،
أَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ» [صَحِيحُ
ابْنِ حِبَّانَ]. أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ -وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي
كَانَتْ تُظِلُّهُ سَحَابَةٌ فَيَقُولُ لَهَا: "أَمْطِرِي حَيْثُ شِئْتِ فَسَيَأْتِينِي
خَرَاجُكِ"، وَكَانَ يَمْلِكُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا- دَخَلَ عَلَيْهِ
يَوْمًا الْعَالِمُ الزَّاهِدُ ابْنُ السَّمَّاكِ، فَدَعَا الرَّشِيدُ بِشَرْبَةِ مَاءٍ
فِي كُوزٍ، فَلَمَّا رَفَعَ الْكُوزَ إِلَى فَمِهِ، قَالَ لَهُ ابْنُ السَّمَّاكِ:
"عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعْتَ هٰذِهِ الشَّرْبَةَ،
بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِيهَا؟" قَالَ الرَّشِيدُ: "بِنِصْفِ مُلْكِي!"
قَالَ: "اشْرَبْ هَنِيئًا مَرِيئًا".
فَلَمَّا شَرِبَهَا، قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ:
"أَرَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.. لَوْ مُنِعَتْ هٰذِهِ الشَّرْبَةُ مِنَ
الْخُرُوجِ مِنْ بَدَنِكَ، بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِي خُرُوجَهَا؟" قَالَ الرَّشِيدُ:
"بِمُلْكِي كُلِّهِ!" فَبَكَى ابْنُ السَّمَّاكِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ
الَّتِي تَهُزُّ أَرْكَانَ التَّارِيخِ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.. إِنَّ مُلْكًا
لَا يُسَاوِي شَرْبَةَ مَاءٍ، وَلَا خُرُوجَ شَرْبَةِ مَاءٍ، لَجَدِيرٌ أَلَّا تُتَنَافَسَ
فِيهِ!». فَبَكَى هَارُونُ الرَّشِيدُ حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ! سُبْحَانَ
اللهِ! مُلْكُ الْأَرْضِ بِعَظَمَتِهِ يَتَلَاشَى أَمَامَ شَرْبَةِ مَاءٍ وَاحِدَةٍ!
فَهَلْ نُدْرِكُ بَعْدَ هٰذَا قِيمَةَ هٰذِهِ النِّعْمَةِ فِي أَيْدِينَا؟
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
الْمَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا امْتَنَّ اللهُ
بِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي هٰذَا الْكَوْنِ؛ آيَةٌ نَرَاهَا كُلَّ يَوْمٍ وَنَعِيشُ
بِهَا، نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنَّةٌ كُبْرَى لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِهَا وَإِغَاثَةِ
الْخَلْقِ بِهَا إِلَّا مَنْ خَلَقَ الْكَوْنَ فَأَبْدَعَهُ. هُوَ السِّرُّ الْعَجِيبُ
الَّذِي أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الْأَرْضِ لِتَدُومَ بِهِ الْحَيَاةُ. انْظُرُوا إِلَى
كُلِّ مَنْ حَوْلَنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ؛ فَالْبَهَائِمُ وَالزَّوَاحِفُ وَالْحَشَرَاتُ،
وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَاءِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إِلَى
الْمَاءِ، وَإِلَّا لَمَا اسْتَمَرَّتْ فِي هٰذَا الْكَوْنِ وَلَا اسْتَقَامَتْ فِيهِ
حَيَاةٌ. انْظُرُوا إِلَى الشَّجَرِ، إِنِ انْقَطَعَ عَنْهُ الْمَاءُ يَمُوتُ، وَالْبَشَرُ
إِذَا فَقَدُوا الْمَاءَ مَاتُوا وَأَصْبَحُوا جُثَثًا هَامِدَةً، وَالْبَهَائِمُ وَالطُّيُورُ
إِنْ فَقَدَتِ الْمَاءَ تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا وَتَفْقِدُ حَيَاتَهَا؛ فَبِالْمَاءِ
تَكُونُ الْحَيَاةُ، وَلَا حَيَاةَ بِدُونِ الْمَاءِ. أَخْبَرَنَا بِذٰلِكَ مَنْ خَلَقَ
الْخَلْقَ وَصَوَّرَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، حَيْثُ قَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا
فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنياء: ٣٠]. وَمَعَ هٰذَا، فَالْعِلْمُ الْحَدِيثُ -ذٰلِكَ الْعِمْلَاقُ الْكَبِيرُ
بِكُلِّ إِمْكَانَاتِهِ وَتَقَنِيَّاتِهِ- يَعْجَزُ عَنْ صُنْعِ قَطْرَةِ مَاءٍ وَاحِدَةٍ
إِذَا أَمْسَكَهَا اللهُ! فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ لِلْمُكَوِّنَاتِ
الْكِيمِيَائِيَّةِ لِلْمَاءِ، إِلَّا أَنَّ إِيجَادَهُ وَإِنْزَالَهُ مِنَ السَّمَاءِ
سِرٌّ مِلْكٌ لِلهِ وَحْدَهُ، الَّذِي يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ
إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].
وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ يُنْزِلُ اللهُ هٰذَا الْمَاءَ بِمِقْدَارٍ وَنِظَامٍ بَدِيعٍ؛
يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله: «فَيَرُشُّ السَّحَابُ عَلَى الْأَرْضِ
رَشًّا، وَيُرْسِلُهُ قَطَرَاتٍ مُتَفَصِّلَةً، لَا تَخْتَلِطُ قَطْرَةٌ مِنْهُ بِأُخْرَى..
قَدْ عُيِّنَتْ كُلُّ قَطْرَةٍ مِنْهَا لِجُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا تَتَعَدَّاهُ..
فَلَوْ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ يَخْلُقُوا قَطْرَةً وَاحِدَةً أَوْ
يُحْصُوا عَدَدَ الْقَطْرِ لَعَجَزُوا عَنْهُ». وَقَدْ أَكَّدَ حَضْرَةُ النَّبِيِّ
ﷺ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ،
بَلْ هُوَ مِنَّةٌ وَعَطِيَّةٌ مِنَ الْخَالِقِ عز وجل لِلنَّاسِ جَمِيعًا؛ فَعَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ:
فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ» [سنن ابن ماجه]. وَمُوجَبُ هٰذِهِ الْمُشَارَكَةِ
أَلَّا يَتَعَدَّى إِنْسَانٌ عَلَى حَقِّ الْآخَرِينَ فِي اسْتِعْمَالِ نِعْمَةِ الْمَاءِ؛
سَوَاءٌ فِي كَمِّهِ أَوْ كَيْفِهِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
الْمَاءُ جُنْدِيٌّ مِنْ أَشَدِّ جُنُودِ
الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَنْصُرُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُغْرِقُ بِهِ أَعْدَاءَهُ؛
فَلَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا
ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٣-٢٤]. وَحَفِظَ اللهُ بِهِ كَلِيمَهُ مُوسَى
عليه السلام وَهُوَ لَمْ يَزَلْ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؛ يَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ
فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. وَثَبَّتَ اللهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَأَيَّدَهُمْ
بِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ
النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ
بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:
"نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ وَالْمُشْرِكُونَ
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ وَعَصَةٌ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ
شَدِيدٌ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمُ الْغَيْظَ يُوَسْوِسُ بَيْنَهُمْ:
تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ تَعَالَى وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ
الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ؟ فَأَمْطَرَ اللهُ
عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ اللهُ
عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَثَبَتَ الرَّمْلُ حِينَ أَصَابَهُ الْمَطَرُ، وَمَشَى
النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُّ، فَسَارُوا إِلَى الْقَوْمِ، وَأَمَدَّ اللهُ نَبِيَّهُ
ﷺ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ".
️ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
ذَكَرَ الْمَوْلَى عز وجل الْمَاءَ عَلَى
أَنَّهُ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ النَّارِ يُعَذَّبُونَ بِحِرْمَانِهِمْ
مِنْهُ. اسْمَعُوا إِلَى هٰذَا الْحِوَارِ الَّذِي دَارَ بَيْنَ أَهْلِ الْجِنَانِ
وَأَهْلِ النِّيرَانِ: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا
عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا
عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وَهُمْ فِي النَّارِ يَسْتَغِيثُونَ وَيَطْلُبُونَ
أَنْ يَشْرَبُوا الْمَاءَ، وَلٰكِنَّ أَمْرَ اللهِ نَافِذٌ: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا
بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾
[الكهف: ٢٩].
عِبَادَ اللهِ...
نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ سُنَنًا
كَوْنِيَّةً ثَابِتَةً بَثَّهَا مَوْلَانَا سُبْحَانَهُ فِي هٰذَا الْكَوْنِ؛ فَكُلُّ
مَا فِي هٰذَا الْكَوْنِ يَسِيرُ وَفْقَ هٰذِهِ السُّنَنِ الَّتِي أَوْجَدَهَا اللهُ
عز وجل، وَيَحْكُمُهُ نِظَامٌ مُحْكَمٌ دَقِيقٌ أَوْجَدَهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ.
وَلٰكِنَّ اللهَ الَّذِي أَوْجَدَ هٰذِهِ السُّنَنَ الْكَوْنِيَّةَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ
يَخْرِقَهَا مَتَى أَرَادَ، بِحَيْثُ لَا تَعْمَلُ عَمَلَهَا الْمُعْتَادَ، وَإِنَّمَا
تَعْمَلُ وَفْقَ إِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ
شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ
كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢-٨٣]. وَكُلُّ هٰذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى
الْحِفَاظِ عَلَى النِّعَمِ وَشُكْرِ الْمَوْلَى عز وجل عَلَيْهَا؛ فَمَنِ اتَّقَى
اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ زَادَهُ وَأَعْطَاهُ، وَمَنْ كَفَرَ بِنِعَمِهِ سَلَبَهُ
وَأَخْزَاهُ، يَقُولُ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ
اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ
وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ وَكَفَى، وَسَلَامٌ عَلَى
عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، النَّبِيُّ الْأَمِينُ،
شَفِيعُ الْمُذْنِبِينَ، وَقَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ
وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ حِمَايَةَ الْمِيَاهِ وَتَرْشِيدَ
اسْتِهْلَاكِهَا لَيْسَتْ خِيَارًا شَخْصِيًّا، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى
اللهِ عز وجل، وَمِقْيَاسٌ لِإِيمَانِ الْعَبْدِ وَوَعْيِهِ، وَوَاجِبٌ شَرْعِيٌّ يُسْأَلُ
عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ أَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِأَمْنِ
الْبِلَادِ وَاسْتِقْرَارِهَا وَنَمَائِهَا. وَلَقَدْ كَانَ الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ
صَارِمًا فِي مَنْعِ الْإِسْرَافِ حَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ
أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ
ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ:
«مَا هٰذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: «نَعَمْ، وَلَوْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ». سُبْحَانَ اللهِ! نَهَرٌ جَارٍ
يَتَدَفَّقُ بِمَلَايِينِ الْأَمْتَارِ الْمُكَعَّبَةِ، وَمَعَ ذٰلِك يُنْهَى عَنِ
الْإِسْرَافِ فِيهِ! فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يَسْرِفُ الْيَوْمَ فِي مِيَاهٍ تُحَلَّى
بِالْمِلْيَارَاتِ، أَوْ تُسْتَخْرَجُ مِنْ أَعْمَاقِ الْأَرْضِ بِمَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ؟
عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ الْإِسْرَافَ فِي
الْمَاءِ مَدْخَلٌ لِغَضَبِ اللَّهِ، حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وَتَذَكَّرُوا
أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ حَذَّرَنَا مِنْ سَلْبِ النِّعَمِ عِنْدَمَا لَا نَرْعَاهَا
حَقَّ رِعَايَتِهَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ
آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ
بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[النحل: ١١٢].
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعَمَكَ وَلَا
تَحْرِمْنَا، وَارْزُقْنَا شُكْرَهَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا
وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَفَافِ وَالْغَلَاءِ وَالسُّوءِ.. وَآخِرُ
دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.