recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ الرِّشْوَةُ... إِفْسَادُ الذِّمَمِ، وَإِضَاعَةُ الْقِيَمِ يُسْرِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ

 الرِّشْوَةُ... إِفْسَادُ الذِّمَمِ، وَإِضَاعَةُ الْقِيَمِ  


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَجَعَلَ الْحَلَالَ سَبَبًا لِلْبَرَكَةِ وَالْأَمَانِ، وَجَعَلَ الْحَرَامَ سَبَبًا لِلْمَحْقِ وَالْخُسْرَانِ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ الْمُخْلِصِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُذْنِبِينَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُبَارِكُ فِي الْحَلَالِ لِمَنِ اتَّقَاهُ، وَيَمْحَقُ الْحَرَامَ مِمَّنِ اجْتَرَأَ عَلَى حُرُمَاتِهِ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ دَعَا إِلَى الْأَمَانَةِ فَسَمَتِ الذِّمَمُ، وَحَذَّرَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَاسْتَقَامَتِ الْقِيَمُ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ،  وَحَرَّمَ الرِّشْوَةَ والبهتان، ، ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ بِإِحْسَانٍ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

بداية الفساد من القلب.

  أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...إِنَّ كُلَّ جَرِيمَةٍ تَبْدَأُ بِفِكْرَةٍ، وَكُلَّ خِيَانَةٍ تَبْدَأُ بِهَمْسَةٍ، وَكُلَّ فَسَادٍ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ النَّفْسِ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ.

  وَحَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ آفَةٍ تُفْسِدُ الضَّمَائِرَ، وَجَرِيمَةٍ تُهَدِّدُ الْقِيَمَ، وَدَاءٍ يَنْخُرُ فِي جَسَدِ الْمُجْتَمَعِ، وَيُضَيِّعُ الْحُقُوقَ، وَيَنْشُرُ الظُّلْمَ، وَيُزَعْزِعُ الثِّقَةَ بَيْنَ النَّاسِ؛ أَلَا وَهِيَ جَرِيمَةُ الرِّشْوَةِ. لِنُبَيِّنَ حُكْمَهَا، وَنُحَذِّرَ مِنْ آثَارِهَا، وَنَدْعُوَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ

  إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَالٍ يُدْفَعُ، وَلَا هَدِيَّةٍ تُقَدَّمُ، بَلْ هِيَ خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَانْهِزَامٌ لِلضَّمِيرِ، وَسُقُوطٌ لِلْقِيَمِ، وَإِعَانَةٌ عَلَى الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، وَسَبَبٌ فِي ضَيَاعِ الْحُقُوقِ وَاخْتِلَالِ مِيزَانِ الْعَدْلِ.

  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: ١٨٨

وَقَالَ النَّبِيُّ :لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ».رواه أبو داود والترمذي.

وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ : أَخْطَأَ الرَّاشِي أَوِ الْمُرْتَشِي، بَلْ أَعْلَنَ عَلَيْهِمَا اللَّعْنَ؛ أَيْ: الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ أَلْفَاظِ الْوَعِيدِ فِي الشَّرْعِ.

  تَعْرِيفُ الرِّشْوَةِ

الرِّشْوَةُ لُغَةً:

أَصْلُهَا مِنَ الرِّشَاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْمَاءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ.

وَأَمَّا شَرْعًا:

فَهِيَ مَا يُعْطَى لِذِي سُلْطَانٍ، أَوْ لِمَنْ لَهُ نُفُوذٌ أَوْ وَلَايَةٌ، لِيُبْطِلَ حَقًّا، أَوْ يُحِقَّ بَاطِلًا، أَوْ يُقَدِّمَ مَصْلَحَةً لَا يَسْتَحِقُّهَا صَاحِبُهَا، أَوْ يَمْنَحَ امْتِيَازًا عَلَى حِسَابِ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ.

  فَالرِّشْوَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَالٍ يُدْفَعُ، بَلْ قَدْ  تَكُونُمَالًاهَدِيَّةًمَنْفَعَةًخِدْمَةً. رِحْلَةً أَوْ هِبَةًوَظِيفَةً أَوْ وَعْدًا بِمَنْصِبٍ.

  وَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِصُورَتِهَا، بَلْ بِغَرَضِهَا؛ فَكُلُّ مَا دُفِعَ لِلتَّأْثِيرِ فِي الْحَقِّ، أَوِ الْحُكْمِ، أَوِ الْقَرَارِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، فَهُوَ مِنَ الرِّشْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

حكم الرِّشْوَةُ فِي مِيزَانِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ 

الرِّشْوَةُ مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا قَاطِعًا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ، وَأَكْلٍ لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَإِفْسَادٍ لِلْعَدْلِ، وَإِضَاعَةٍ لِلْحُقُوقِ.

قال الله تعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]

قال كثيرٌ من المفسرين: يدخل في هذه الآية تحريم الرشوة التي تُدفع للحكام أو المسؤولين لإبطال حق أو إحقاق باطل.

  ثَانِيًا: الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ

قال رسول الله :«لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» أبو داود والترمذي.

وفي رواية:«لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ»

  الرَّاشِي: مَنْ يَدْفَعُ الرِّشْوَةَ.

  الْمُرْتَشِي: مَنْ يَأْخُذُهَا.

  الرَّائِشُ: مَنْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا.ولعنُ النبي دليلٌ على أن الرشوة من الكبائر.

الرِّشوةُ ثَقَافَةِ فَسَادٍ تَعُمُّ الْمُجْتَمَعَ  

قد تبدأ بهديةٍ صغيرةٍ يظنُّها البعض أمرًا هيِّنًا، ثم لا تلبث أن تتحول إلى عادةٍ وسلوكٍ، ثم تنتشر حتى تصبح ثقافةً فاسدةً تهدم القيم، وتضيع الحقوق، وتفسد الأفراد والمؤسسات والمجتمعات.قال الله تعالى:﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

  أَوَّلًا: خُطُورَةُ التَّهَاوُنِ فِي الرِّشْوَةِ

إنَّ أخطرَ ما في الرِّشوة أنَّها لا تبدأ غالبًا بمبالغ كبيرة، بل قد تبدأ:

 بهديةٍ لموظفٍ بسبب وظيفته. بضيافةٍ يُراد بها التأثير في القرار. بمبلغٍ يسيرٍ لتسهيل معاملة.  بمجاملةٍ تُضيِّع حقَّ غيرك. ثم يعتاد القلب ذلك حتى لا يرى فيه بأسًا.

وقال :«إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ»  رواه أحمد.

أي: احذروا الذنوب التي يستهين بها الناس، فإنها إذا اجتمعت أهلكت صاحبها.

  التَّبْرِيرُ

يقول البعض:كل الناس تفعل ذلك." إنها مجرد هدية." لن يضر أحدًا."

فيبدأ ضمير الإنسان في الضعف.

  التِّكْرَارُ

يتكرر الفعل مرة بعد أخرى حتى يصبح عادةً، ويزول استنكار القلب له.

3-  اعْتِيَادُ الْقَلْبِ

بعد أن كان يستحي من أخذ الرشوة، يصبح يطلبها أو ينتظرها، ويغضب إذا لم تُقدَّم إليه.

٤-   انْتِشَارُهَا فِي الْمُؤَسَّسَاتِ

فتتعطل مصالح الناس، ولا تُقضى الحقوق إلا بالمال أو الواسطة، فيضيع العدل وتنتشر المظالم. قال الله تعالى:﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾  فاطر: 8

  صُوَرٌ مِنَ الرِّشْوَةِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ:

 أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...إِنَّ الرِّشْوَةَ لَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ فِي الْخَفَاءِ، بَلْ تَنَوَّعَتْ صُوَرُهَا، وَتَعَدَّدَتْ أَسَالِيبُهَا، وَتَغَيَّرَتْ أَسْمَاؤُهَا؛

 أَوَّلًا: الرِّشْوَةُ فِي الْوَظَائِفِ وَالْمَصَالِحِ الْحُكُومِيَّةِ

  كَأَنْ يَدْفَعَ إِنْسَانٌ مَالًا أَوْ هَدِيَّةً لِمُوَظَّفٍ؛ لِيُقَدِّمَ مُعَامَلَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ لِيُسَهِّلَ لَهُ إِجْرَاءً، أَوْ يُغْضِيَ الطَّرْفَ عَنْ مُخَالَفَةٍ، أَوْ يُعَطِّلَ حَقَّ غَيْرِهِ.وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾  البقرة:

ثَانِيًا: هَدَايَا الْمُوَظَّفِينَ وَأَصْحَابِ الْمَنَاصِبِ

  فَقَدْ يُقَدِّمُ بَعْضُ النَّاسِ هَدِيَّةً لِمُدِيرٍ، أَوْ مَسْؤُولٍ، أَوْ صَاحِبِ قَرَارٍ؛ طَمَعًا فِي مَنْفَعَةٍ، أَوْ عَقْدٍ، أَوْ تَرْقِيَةٍ، أَوْ تَجَاوُزِ نِظَامٍ.

 وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ لَمَّا أُهْدِيَ لِأَحَدِ الْعَامِلِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ: «هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ»، فَقَالَ :هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟»

  متفق عليه وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ الْهَدِيَّةَ الَّتِي تُقَدَّمُ لِلْمُوَظَّفِ بِسَبَبِ وَظِيفَتِهِ لَيْسَتْ هَدِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ قَدْ تَكُونُ مِنَ الرِّشْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

  ثَالِثًا: الرِّشْوَةُ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ

  وَهِيَ مِنْ أَخْطَرِ الصُّوَرِ؛ كَأَنْ يُدْفَعَ مَالٌ لِتَغْيِيرِ شَهَادَةٍ، أَوْ تَزْوِيرِ حَقِيقَةٍ، أَوِ التَّأْثِيرِ فِي حُكْمٍ، فَيُظْلَمُ الْبَرِيءُ، وَيَضِيعُ الْحَقُّ.

  رَابِعًا: الرِّشْوَةُ فِي التَّعْيِينِ وَالتَّرْقِيَاتِ

  كَأَنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ مَالًا أَوْ يَسْتَعْمِلَ نُفُوذًا؛ لِيَحْصُلَ عَلَى وَظِيفَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ لِيَتَقَدَّمَ عَلَى مَنْ هُوَ أَكْفَأُ مِنْهُ. وَبِذَلِكَ تُضَيَّعُ الْكَفَاءَاتُ، وَتُسْنَدُ الْمَسْؤُولِيَّاتُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.

  خَامِسًا: الرِّشْوَةُ فِي الْخِدْمَاتِ

  كَأَنْ يُقَدِّمَ أَحَدٌ مَالًا؛ لِيُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي خِدْمَةٍ عَامَّةٍ، أَوْ يَحْصُلَ عَلَى حَقٍّ لَيْسَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ مَنْ هُمْ أَوْلَى وَأَحَقُّ.

  سَادِسًا: الرِّشْوَةُ فِي التَّعْلِيمِ وَالِامْتِحَانَاتِ

  كَدَفْعِ الْمَالِ لِتَغْيِيرِ نَتِيجَةٍ، أَوْ تَسْرِيبِ امْتِحَانٍ، أَوْ مَنْحِ شَهَادَةٍ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَفِي ذَلِكَ ظُلْمٌ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَإِفْسَادٌ لِلْأَمَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ.

  سَابِعًا: الرِّشْوَةُ بِغَيْرِ الْمَالِ

  فَلَيْسَتِ الرِّشْوَةُ مَالًا فَقَطْ؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ هَدِيَّةً، أَوْ سَفَرًا، أَوْ خِدْمَةً، أَوْ وَعْدًا بِوَظِيفَةٍ، أَوْ مَنْفَعَةً، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يُقَدَّمُ لِلتَّأْثِيرِ فِي الْقَرَارِ أَوْ لِنَيْلِ مَا لَا يُسْتَحَقُّ.

 ثَالِثًا: أَثَرُ الرِّشْوَةِ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالْأَجْيَالِ  

الرشوة لا تقف آثارها عند الآخذ أو الدافع، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع.

  ١- تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْمَالِ الْحَرَامِ

إذا رأى الأبناء أن المال يأتي بالغش أو الرشوة، فقد يظنون أن النجاح لا يكون إلا بهذه الطرق، فيضعف تعظيمهم للحلال.قال النبي :«إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»رواه مسلم.

  ٢- ذَهَابُ الْبَرَكَةِ

قد يكثر المال، ولكن تقل البركة، ويكثر الشقاء والنزاع، لأن البركة مرتبطة بطِيب الكسب.

قال تعالى:﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾البقرة: 276]والمعنى يشمل أن المال المحرم ممحوق البركة.

  ٣- ضَيَاعُ الْقِيَمِ

حين يرى الأبناء أن الحقوق تُنال بالرشوة لا بالكفاءة، يضعف في نفوسهم:

  العدل. الأمانة.  الصدق.   الإخلاص في العمل.

  ٤- فَسَادُ الْمُجْتَمَعِ

إذا أصبحت الرشوة أمرًا معتادًا:

ضاعت الكفاءات. انتشر الظلم. ضاعت الحقوق.   فقد الناس الثقة في المؤسسات.  تعطلت التنمية، وساد الفساد. قال الله تعالى:﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]

  وَاجِبُنَا نَحْوَ الرِّشْوَةِ  

أَوَّلًا: تَقْوَى اللَّهِ وَمُرَاقَبَتُهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ  

فمن استشعر أنَّ الله يراه، لم يمدَّ يده إلى الحرام، ولم يبع دينه بعرضٍ من الدنيا.قال تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾[العلق: 14]

 ثَانِيًا: رَفْضُ الرِّشْوَةِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً  

فلا يجوز للمسلم أن يطلب الرشوة، ولا أن يقبلها، ولا أن يدفعها لإبطال حقٍّ أو تحصيل باطل.قال رسول الله :«لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ»رواه أبو داود والترمذي.

 ثَالِثًا: تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْحَلَالِ  

يجب أن نغرس في نفوس الأبناء أنَّ الكرامة في الحلال، وأنَّ البركة ليست في كثرة المال، بل في طِيب مصدره.قال :إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» رواه مسلم.

  رَابِعًا: نَشْرُ ثَقَافَةِ الْأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ  

وذلك من خلال:خُطَبِ الْجُمَعِ وَالدُّرُوسِ.تربية الأبناء في المدارس والبيوت.وسائل الإعلام ومواقع التواصل. القدوة الحسنة في التعامل.قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[النساء: 58]

  خَامِسًا: عَدَمُ التَّسَاهُلِ فِي الْهَدَايَا الْمُرْتَبِطَةِ بِالْوَظِيفَةِ  

فالهدايا التي تُعطى بسبب المنصب أو الوظيفة قد تكون وسيلةً إلى الرشوة والتأثير في القرار.

ال النبي في شأن العامل الذي قَبِل هدية بسبب عمله:«هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ»رواه أحمد، وصححه جمعٌ من أهل العلم.

  سَادِسًا: التَّعَاوُنُ عَلَى مُحَارَبَةِ الْفَسَادِ

يكون ذلك بدعم كلِّ جهدٍ مشروعٍ يُرسِّخ العدل والنزاهة، مع الالتزام بالأنظمة والإجراءات التي تمنع الظلم والاعتداء على الحقوق.

قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾📖 [المائدة: 2]

سَابِعًا: الدُّعَاءُ وَالاسْتِغْفَارُ

نسأل الله أن يُطهِّر مجتمعاتنا من الفساد، وأن يرزقنا الحلال الطيب، ويعيننا على أداء الأمانة.                                             

                            الخطبة الثانية

  بَيْنَ بَرَكَةِ الْحَلَالِ... وَشُؤْمِ الحرامِ  

  أَوَّلًا: مَا الْمَقْصُودُ بِبَرَكَةِ الْحَلَالِ؟ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ، وَزِيَادَتُهُ، وَدَوَامُ نَفْعِهِ.

  فَلَيْسَتِ الْبَرَكَةُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهَا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِي الْمَالِ وَالْعُمْرِ وَالْوَقْتِ وَالذُّرِّيَّةِ خَيْرًا لَا يُقَدَّرُ بِالْأَرْقَامِ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾الأعراف: ٩٦

أي: لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ لَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ.

  ثَانِيًا: مَظَاهِرُ بَرَكَةِ الْحَلَالِ

  ١- الْحَلَالُ سَبَبٌ لِرِضَا اللَّهِ.لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ.قَالَ النَّبِيُّ :«إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».

  ٢- الْحَلَالُ سَبَبٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ.قَالَ :وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟»فَاللُّقْمَةُ الْحَلَالُ تَرْفَعُ الدُّعَاءَ، وَاللُّقْمَةُ الْحَرَامُ تَحْجُبُهُ.

  ٣- الْحَلَالُ يُورِثُ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ.فَصَاحِبُ الْحَلَالِ يَعِيشُ مُرْتَاحَ الضَّمِيرِ، لَا يَخَافُ فَضِيحَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ عُقُوبَةً.قَالَ تَعَالَى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾

[الأنعام: ٨٢].

  ٤- الْحَلَالُ يُبَارِكُ فِي الْأَهْلِ وَالذُّرِّيَّةِ.فَالْبَيْتُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْحَلَالِ يَحِلُّ فِيهِ السَّكِينَةُ وَالْمَوَدَّةُ.

  ٥- الْحَلَالُ وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ حَرَامٍ كَثِيرٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾

[المائدة: ١٠٠].

 شُؤْمِ الْحَرَامِ؟

  ١- مَحْقُ الْبَرَكَةِ.فَيَذْهَبُ الْمَالُ فِي الْأَمْرَاضِ وَالْخَسَائِرِ وَالْهُمُومِ.

  ٢- عَدَمُ قَبُولِ الدُّعَاءِ.لِأَنَّ الْحَرَامَ يَحْجُبُ الْعَبْدَ عَنْ رَبِّهِ.

  ٣- قَسْوَةُ الْقَلْبِ.فَالْحَرَامُ يُطْفِئُ نُورَ الْإِيمَانِ، وَيُضْعِفُ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ.

  ٤- زَوَالُ الطُّمَأْنِينَةِ.فَصَاحِبُ الْحَرَامِ يَعِيشُ فِي خَوْفٍ وَقَلَقٍ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَالَ.

  ٥- سُوءُ الْخَاتِمَةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ.فَالْحَرَامُ مِنْ أَسْبَابِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

  رِسَالَةٌ لِلْقُلُوبِ

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ... لَا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ الْمَالِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَصْدَرِهِ. فَرُبَّ دِرْهَمٍ مِنْ حَلَالٍ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِ أَبْوَابَ الْخَيْرِ، وَرُبَّ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ حَرَامٍ يَكُونُ سَبَبًا فِي مَحْقِ الْبَرَكَةِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، بَلْ بِطِيبِ الْمَكْسَبِ وَبَرَكَةِ الْحَلَالِ، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠] ع 

 

google-playkhamsatmostaqltradent