كن راضيا وإياك والتباهي
نعمة الرضا تعريفها وانواعها
كلنا راحون فتمسك بالرضا
الفلاح والبشرى لمن قنع بعيشه ورزقه
احذر التباهي والتفاخر
الحمد لله الذي قسّم الأرزاق بحكمته، ووسع
كل شيء رحمةً وعِلماً. نحمده تبارك وتعالى على نعمه التي لا تُحصى، ونشكره على فضله
الذي لا يُستقصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ
رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»
وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله،
القائل في الحديث الشريف: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ
اللَّهُ بِمَا آتَاهُ".فاللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله
وصحبه أجمعين
أما بعد
فإن الرضا ثمرة من ثمار المحبة ، وهو من
أعلى مقامات المقربين ، وحقيقته غامضة على الأكثرين ، وهو باب الله الأعظم ، ومستراح
العارفين ، وجنة الدنيا ، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه ، وأن لا يستبدل بغيره
منه ، أن ترضى عن الله ، لا بلسانك ، ولكن بجنانك
هي القناعة لا تبغي بها بدلا *** فيها النعيم
وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها *** هل راح
منها بغير القطن والكفن
أولاً : نعمة الرضا تعريفها وانواعها
عباد الله إنَّ من أعظم النعم التي يَمُنُّ
الله بها على عبده هي نعمة "الرضا والقناعة". فالقناعة ليست تخلياً عن الحياة
أو تركاً للعمل والسعي، بل هي صمام الأمان للنفس. إنها الرضا بما قسمه الله، واستغناءٌ
بالحلال عن الحرام، وتركٌ للتشوف إلى ما في أيدي الآخرين.لقد جُبل الإنسان على حب الخير
والحرص على المزيد، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:
8].
الرضا : هو سرور القلب بمرّ القضاء وطيب
نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر، وهو القناعة بما اعطاك الله وعدم
النظر إلى ما في يد غيرك
ولكن هناك من جعل الدنيا أكبر همه، فتشتت
شمله وجعل الله فقره بين وهناك من ملأ الله قلبه بالقناعة، فنال السعادة الحقيقية والطمأنينة
القلبية، وانشرح صدره وذهبت عنه الهموم والأكدار .
عينيه روي الترمذي عن أنَسِ بن مَالكٍ،
قال: قال رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "من كانتِ الآخِرةُ هَمَّهُ، جَعلَ
اللهُ غِناهُ في قَلْبِه، وجَمَعَ لهُ شَمْلَهُ، وأتَتهُ الدُّنْيا وهي رَاغمةٌ، ومن
كانتِ الدُّنْيا هَمَّهُ، جَعلَ الله فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنيهِ، وفَرَّقَ عليهِ شَمْلَهُ،
ولم يَأْتِه من الدُّنْيا إلَّا ما قُدَّرَ لهُ "
ولقد ضرب لنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في القناعة، والرضا فهو سيد
الخلق وحبيب الحق، الذي كان يربط الحجر على بطنه من الجوع، ومع ذلك كان أطيب الناس
نفراً وأغناهم قلباً. وحينما دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووجد أثر الحصير
في جنبه، بكى عمر رضي الله عنه، فقال له النبي ﷺ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا
الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟".مسلم
أيها المؤمنون، إنَّ الرضا والقناعة هما
الطريق إلى السعادة الدنيوية قبل الأخروية. وقد قيل: "من رضي بقضاء الله لم يُسخطه
أحد، ومن قنع بما رزقه الله لم يحوجه أحد". فعلينا أن ننظر في أمور الدنيا إلى
من هو أقل منا لنشكر النعمة، وفي أمور الدين إلى من هو أعلى منا لنتأسى بهم.
قال لقمان لابنه: (أوصيك بخصال تقرّبك من
الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت
وكرهت ) مدارج السالكين
عباد الله: هكذا هي حياة الإنسان لا تدوم
على حال، ولا يستقر لها قرار، وكلما تطلع المرء إلى أمر طلب غيره، وكلما كان على حال
تاقت نفسه إلى حال أخرى، وكلما اشتهى شيئاً وحصل عليه سعى إلى غيره، وكلما وصل إلى
منصب أو مكانة طمع في غيرها.
ولله در القائل
صغيرٌ يطلبُ الكِبرا *** وشيخٌ ود لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملا ً*** وذو عملٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب *** وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ *** وطالبهم قد انفطرا
ومن فقد الجمال شكا *** وقد يشكو الذي بُهِرا
ويبغي المجد في لهفٍ *** فإن يظفر به فترا
شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ *** سوى الخصمين إن
حضرا
وصدق سيدى وحبيبي رسول الله صلي الله عليه
وسلم حينما قال في الحديث الذي رواه البخاري
عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (لَوْ كَانَ
لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ
ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ). (متفق عليه).
ولتكن هذه الآية نصب عينيك ، قال تعالى
: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ
نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا
اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾[ سورة النساء ]
وانواع الرضا ثلاث
الرضا بقضاء الله وقدره: والتسليم لأمره،
واليقين بأنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ تدبير الله لك خيرٌ من تدبيرك لنفسك.النظر
إلى الفقراء وأهل البلاء: لتدرك حجم النعم التي تعيش فيها من صحة وأمن ورزق، ففي الحديث
المتفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ
أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ
أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ" مسلم
فالله سبحانه هو الذي يُقلّب القلوب وهو
المُعطي والمانع، فنسأله دائماً أن يرزقنا القناعة
ثانياً : كلنا راحلون فاحذر ان تاخذك الدنيا وتترك الرضا .......
عباد الله ماذا ينتظر الإنسان من الدنيا
إلا غنىً مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفنداً أو موتاً مجهزاً مصداقا لحديث رسول
الله الذي رواه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا،
أَوْ غِنَىً مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا
مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ
أدْهَى وَأمَرُّ؟!». رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن»..
إن ملك الموت يتفقدنا كل يوم بل الموت يأتي
في لحظة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: " مَا مِنْ بَيْتٍ إِلا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ كُلَّ
يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانَ قَدْ نَفِدَ أَكْلُهُ، وَانْقَطَعَ
أَجَلُهُ، أَلْقَى عَلَيْهِ غَمَّ الْمَوْتِ فَغَشِيَتْهُ كُرُبَاتُهُ، وَغَمَرَتْهُ
سَكَرَاتُهُ، فَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعَرَهَا، وَالضَّارِبَةُ وَجْهَهَا،
وَالْبَاكِيَةُ لِشَجْوِهَا، وَالصَّارِخَةُ بِوَيْلِهَا.
فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ عليه السلام:
وَيْلُكُمْ مِمَّ الْفَزَعُ؟ وَفِيمَ الْجَزَعُ؟ وَاللَّهِ مَا أَذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ
مِنْكُمْ رِزْقًا، وَلا قَرَّبْتُ لَهُ أَجَلا، وَلا أَتَيْتُهُ حَتَّى أُمِرْتُ،
وَلا قَبَضْتُ رُوحَهُ حَتَّى اسْتَأْمَرْتُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَةً ثُمَّ عَوْدَةً،
حَتَّى لا أُبْقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا ".
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
" فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ يَرَوْنَ مَكَانَهُ وَيَسْمَعُونَ
كَلامَهُ لَذَهِلُوا عَنْ مَيِّتِهِمْ، وَلَبَكَوْا عَلَى نُفُوسِهِمْ، حَتَّى إِذَا
حُمِلَ الْمَيِّتِ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَتْ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ وَهُوَ يُنَادِي
بِأَعْلَى صَوْتٍ: يَا أَهْلِي وَيَا وَلَدِي، لا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا
لَعِبَتْ بِي وَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَمَا غَرَّتْنِي، جَمَعْتُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ
وَمِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ثُمَّ خَلَّفْتُهُ لِغَيْرِي، فَالْمَهْنَأَةُ لَهُ وَالتَّبِعَةُ
عَلَيَّ فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا حَلَّ بِي " التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة
ولله در القائل
ألا قـل لـماشٍ عـلى قـبرنا غـفولٌ بـأشياء
حلـت بـنا
سيـندم يـوماً لتفريطـــه كـما قـد نـدمنـا
لـتفريطنا
لمثل هذا جاء جبريل عليه السلام يوصي سيد
الأنام وبدر التمام في الحديث الذي روه الطبراني في "الأوسط" عن سهل بن سعد
رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"يا محمدُ! عِشْ ما شئتَ؛ فإنكً ميتٌ، واعمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنَّكَ تُجْزَى، وأَحْبِبْ
مَنْ شئتَ؛ فإنكَ مُفَارِقٌ، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزَّتَهُ استغناؤه
عنِ النَّاسِ":
عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت ومن
شئت فإنك مفارق , واعمل ما شئت فإنك مجزي به .
وورد خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها
هماً، فينبغي رضا العبد من ربه إذ قلل عليه منها، فإنه لا يدري أن فيه الخبر، وفي الآخرة
عليه حسابها، وفي الدنيا يفنيها، وما أحسن قول من قال:
خذ القناعة من دنياك وارض بها … واجعل نصبك
منها راحة البدن
وقل لمن ملك الدنيا بأجمعها … ما رحت منها
بغير القطن والكفن
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ وَالنَّضِيرِ عَلَى حِمَارٍ بِإِكَافٍ
مَخْطُومٍ بِحَبْلِ لِيفٍ، قَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ دَعُوا الدُّنْيَا» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «مَنْ أَخَذَ
مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ حَتْفَهُ وَهُوَ لَا
يَشْعُرُ» فوائد تمام
وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ، قال: قال رَسولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كَانتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ
بَعُوضَةٍ، ما سَقَى كَافرًا مِنْها شَرْبةَ ماءٍ" الترمذي
أيها المسلمون وطالما أهم بعض الناس معاشه
في هذه الدار، وربما كان شبحُ الفقر همًّا ملازمًا أورث صاحبه الفقر وإن كان غنيًا،
وأضحت حياتهُ نكدًا وإن كان مثلهُ سعيدًا، وقد قيل: والناس من خوف الفقر في فقر
ومن خوف الذل في ذل (جدد حياتك، الغزالي).
أين الثقة بالله، وأين التوكلُ عليه، {وما
من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} (هود:
6). وقالوا : (( توقع المصيبة مصيبة أكبر منها ))
وفوق ذلك ؛ ابذل كل ما في وسعك لتحسين مستوى
معيشتك ، وحيثما انتهى بك السعي فارض بالذي وصلت إليه ، واعتقد أن الغنى ليس عن كثرة
العرض ، ولكن الغنى غنى النفس
.
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
الله يعطي مـن يشـاء فقف على حــد الأدب
وقد يقول أحدكم :
إن نفسي تواقة إلى كل شيء ، متمردة على
كل شيء لا تلقي إذناً لهذا الترغيب والترهيب ، ولا تريد أن تعيش إلا في يومها ، ولا
يعنيها إلا متعتها ولذتها
.
روي الترمذي عن أبي سعيدٍ، قال: دَخلَ رسولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم مُصلّاهُ، فَرَأى ناسًا كأنّهُمْ يكتَشِرُونَ، قال:
"أما إنَّكُمْ لو أكْثرْتُمْ ذِكْرَ هاذمِ اللّذّاتِ، لَشغلَكُمْ عَمَّا أرى
الموتُ، فأكْثِرُوا من ذِكْرِ هاذمِ اللّذّاتِ: المَوْتِ، فإنَّهُ لم يَأتِ على القَبْرِ
يَوْمٌ إلا تكلّم، فَيقولُ: أنا بَيْتُ الغُرْبةِ وأنا بَيْتُ الوَحْدةِ، وأنا بَيْتُ
التُّرابِ، وأنا بَيْتُ الدُّودِ، فإذا دُفِنَ العَبْدُ المُؤْمنُ قال لهُ القبرُ:
مرحبًا وأهلًا، أما إنْ كُنْتَ لأحَبَّ من يَمْشي على ظَهْرِي إلَيَّ، فإذْ وُلِّيتُكَ
اليَومَ، وصِرْتَ إليَّ، فَستَرَى صَنِيعي .
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَكْيَسَكُمْ
أَكْثَرُكُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَحْزَمَكُمْ أَحْسَنُكُمْ اسْتِعْدَادًا لَهُ،
أَلا وَإِنَّ مِنْ عَلامَاتِ الْعَقْلِ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالإِنَابَةَ
إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّزَوُّدَ لِسُكْنَى الْقُبُورِ، وَالتَّأَهُّبَ لِيَوْمِ
النُّشُورِ
وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول الدنيا
دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن
على شقاء
لكنه الطمع الذي استولى على القلوب، فلم
تعد تقنع لا بالقليل ولا بالكثير.
قال أبو حاتم -رحمه الله-: "مِنْ أكثر
مواهب الله لعباده وأعظمها خطراً؛ القناعة. وليس شيءٌ أروحَ للبدن من الرضا بالقضاء
والثقة بالقَسْم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع
السوء لِطلب الفَضلِ، لكان الواجبُ على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال"،
وقال أيضاً: "القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم
ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخطْ وعاش آمنا مطمئنا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت
نهاية لرغبته".
ثالثاً: الفلاح والبشرى لمن قنع بعيشه ورزقه:
في الرضا السعادة والغنى الكامل :
عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ
خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ
: قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا
، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ
اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ،
وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ
، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ. . أخرجه أحمد
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل: 97]
وقد رُوى عن الحسن البصريّ وغيره أنه قال:
الحياة الطيبة: القناعة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو -رضي
الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ "(مسلم).
وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ
سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " طُوبَى لِمَنْ هُدِىَ
إِلَى الإِسْلاَمِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنِعَ "(الترمذي).
قال الصنعاني: " فإنه بالقُنُوعِ يفوز
بالأجر لعلمه بأن الله تعالى لم يزوِ عنه شيئًا يستحقه ولأنه يريح قلبه بتفرغ لعبادة
مولاه فإن من زاد ماله زادت أشغاله وذهب عنه عافيته وماله"
جاء رجل الى الامام سفيان الثوري ( رحمه
الله ) وكان يشتكي من انه مريض بمرض البعد عن الله..
فقال له سفيان الثوري:
يا هذا، عليك بعروق الاخلاص..
وورق الصبر ..
وعصير التواضع..
ضع هذا كله في اناء التقوى ..
وصب عليه ماء الخشية..
واوقد عليه نار الحزن على المعصية..
وصفه بمصفاة المراقبة له..
وتناوله بكف الصدق..
واشربه من كاس الاستغفار..
وتمضمض بالورع..
وابعد عن الحرص والطمع..
يشفى مرض قلبك باذن الله..
وعن عبد الرحمن بن إبراهيم الفهري : عن
أبيه قال : أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه : إذا أوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته
، ولكن انظر إلى من أهداه إليك ، وإذا نزلت بك بلية ، فلا تشكني إلى خلقي ، كما لا
أشكوك إلى ملائكتي حين صعود مساوئك وفضائحك إلي (المنتخب من كتاب الزهد والرقائق ,
للخطيب البغدادي 1/108.).
لما نزل بحذيفة بن اليمان الموت جزع جزعا
شديدا فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : ما أبكي أسفا على الدنيا بل الموت أحب إلي ولكني
لا أدري على ما أقدم على الرضا أم على سخط ؟. ابن أبي الدنيا : المحتضرين 1/122.
قال الشافعي:
دع الأيامَ تفعل ما تشاءُ * * * وطِبْ نفساً
بما حَكَمَ القضاءُ
ولا تَجْزعْ لحادثِة الليالي * * * فما
لحوادثِ الدنيا بقاءُ
وكن رجلاً على الأهوالِ جَلْداً * * * وشيمتُكَ
المروةُ والوفاءُ
وإِن كثرتْ عيوبُكَ في البرايا * * * وسرَّكَ
أن يكون لها غطاءُ
تسترْ بالسَّخاءِ فكل عَيْبٍ * * * يغطيه
كما قيلَ السخاءُ
قالت رابعة وقيل ابن سعدان
فليتك تحلو والحياة مريرة * * * وليتك ترضى
والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * * * وبيني
وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين * * * وكل الذي
فوق التراب تراب
وروي أن أمير المؤمنين علياً قال: يا ابن
آدم، لا تحمل هم يومك الذي لم يأت، على يومك الذي أتى، فإنه إن يكن في عمرك، يأتك الله
فيه بمحبتك، واعلم أنك لن تكسب شيئاً سوى قوتك، إلا كنت فيه خازناً لغيرك بعد موتك.
قال مُطرِّف بن عبدالله الشخير: أتيت عمران
بن حصين يوماً، فقلت له: إني لأدع إتيانك لما أراك فيه، ولما أراك تلقى. قال: فلا تفعل،
فو الله إن أحبه إليّ أحبه إلى الله .وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه، فبقي ملقى
على ظهره ثلاثين سنة، لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء
حاجته.فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء، فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال: لم تبكي؟ قال:
لأني أراك على هذه الحالة العظيمة. قال: لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى، أحبه إلي.
ثم قال: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفع به، واكتم علي حتى أموت، إن الملائكة تزورني
فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب
هذه النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضياً به؟ إحياء علوم الدين
4/349).
لما عمي ابن عباس رضي الله عنه أنشد راضيا :
إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا
* فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ، وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي
دَخَلٍ * وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ
قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ
بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان
مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال:
أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ
الله عليك بصرك. فتبسم وقال: يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري. مدارج السالكين
واختتم بهذا الحديث
عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ
-عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ:
لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ،
فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا
مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ،
وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رضْوَانِي، فَلا
أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا"
رابعاً : اياك والتباهي والفخر (أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ)
إنّ التباهي والتعالي على الناس يُعدّ من
أبغض الأخلاق إلى الله، وقد حذّرنا الله -سبحانه وتعالى- من هذا المسلك في كتابه العزيز
بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. فالله -عز
وجل- هو صاحب الفضل والمنّة في كل ما يملكه الإنسان. وما المال والجاه إلا ابتلاء واستخلاف،
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7].
حذر منه الشرع أشد التحذير، حتى إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أذهبَ عنكم عُبَّيَّةِ
الجاهليةِ (أي: كبرها) وفخرَها بالآباءِ ، الناسُ بنو آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ ، مؤمنٌ
تقيٌّ ، وفاجرٌ شقيٌّ ، لَيَنتهينَّ أقوامٌ يفتخرون برجالٍ إنما هم فحمُ جهنَّمَ، أو
ليكوننَّ أهونَ على اللهِ من الجُعلانِ ؛ التي تدفعُ النَّتنَ بأنفِها"رواه الترمذي.
ان بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت
باهوا في الحلية والنساء، والطيب والثياب.
وروى عن قتادة في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]، قال: نزلت في اليهود
روي الترمذي عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: {أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]، يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَمَا لَكَ مِنْ
مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ
فَأَمْضَيْتَ
"
وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أَخْشَى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ،
وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ التَّكاثُرَ" (2).
وتقدم في حديث "الصحيحين":
"مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيا
عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنافَسُوهَا كَمَا تَنافَسُوها،
فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
وقد نهى ديننا الحنيف عن التفاخر والتعالي
على الناس بسبب النسب، وجعله من بقايا الجاهلية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أَرْبَعٌ في أُمَّتي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ
في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ
"رواه مسلم.
تواضعوا:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن
الله أوحى إلي أن تواضعوا..". وفي هذا علاج لكثير من آفات النفوس وإعجاب المرء
بنفسه أو بشيء مما أنعم الله به عليه. وإذا جعل الإنسان التواضع شعارا له كان من ذوي
الخصال الحميدة والشيم الكريمة من الرحمة وحسن الخلق وسلامة الصدر، لذلك نجد الله عزّوجلّ
يعد المتواضعين الذين لا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء والمباهاة بما أنعم الله عزّوجلّ
عليهم بقوله: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا
فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ للْمُتَّقِينَ}( القصص: 83).
وقد اشتهر عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه
قال:
الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم
حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم
وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين
والماء
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والصدق
والتواضع، وأن يجنبنا مساوئ الأخلاق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على المبعوث
رحمة للعالمين، نبينا محمد..
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين