سلامة الصدر وتأثيرها علي السلم المجتمعي
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع حسد ولابغضاء
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع غيبة ولانميمة
بسلامة الصدرلن نجد في المجتمع خداع ولاغش
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع كبر ولاتعالي
بسلامة الصدرلن نجد في المجتمع طلاق ولاخلافات أسرية
بسلامة الصدر لن تجد في المجتمع فاحشة
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع ظن ولاشك ولاريبة ولاحيرة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
أما بعد،
قال تعالي:" وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر).
عباد الله :" حديثنا إليكم اليوم عن سلامة الصدر وأثره في السلم المجتمعي
وسلامة الصدر هي خلو القلب منالغل، والحقد، والحسد، والضغينة والشماتة والفاحشة والنفاق والظن السيء والكِبْر والرياء،. هي ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والأمن، وتقوية الروابط الاجتماعية، ونبذ أسباب الفرقة. فطهارة القلب من الأخلاق المذمومة والصفات الممقوتة، أساس الطهارة المعنوية، إذ القلب هو الملك، والجوارح جنوده، فإذا صلح الملك صلحت الجنود، قال صلى الله عليه وسلم:"ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ"(البخاري).
أبرز الآثار الإيجابية لسلامة الصدر في المجتمع تعزيز التماسك الاجتماعي: تساهم القلوب الصافية في زيادة المحبة، وتوطيد العلاقات الإنسانية والأسرية، والقضاء على مسببات العنف والعدوان.
نشر السلم المجتمعي: القلوب السليمة تُحقن بها الدماء وتبنى الأوطان، حيث أنها الركيزة الفعلية لاستقرار المجتمعات التي لا يمكن للقوانين وحدها تحقيقها
تحقيق السكينة والإنتاجية: عندما يخلو المجتمع من الحقد، يقل القلق والتوتر، وينصرف الأفراد للعمل والإبداع وتطوير مجتمعاتهم بروح الفريق الواحد.
التغافل والصفح: تشجع سلامة الصدر على التسامح وتجاوز الأخطاء، مما يحول دون تصعيد الخلافات الفردية إلى صراعات مجتمعية.
سلامة الصدر طريقك إلى الجنة - إسلام ويبأثرها على الفرد والمجتمع: يفوز صاحب الصدر السليم بكل الفضائل التي سبق الحديث عنها والنتيجة المباشرة هي: · راحة البال والبعد عن الهموم والغموم. · اتقاء العداوات.
سلامة الصدر هي نعمة عظيمة تثمر عن راحة البال، السكينة النفسية، والمحبة بين الناس. وتنعكس آثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع من خلال تحقيق استقرار العلاقات الاجتماعية وتقليل الخلافات.
للقلب السليم فوائد عظيمة على حياة الإنسان، تتلخص في النقاط التالية:
راحة البال والطمأنينة: خلو القلب من الحقد والحسد يجنب صاحبه الصراعات النفسية والهموم، مما يمنحه شعوراً دائماً بالسلام الداخلي والسعادة.
نقاء العلاقات الاجتماعية: من خلال التخلص من الضغائن وسوء الظن، تزدهر العلاقات الإنسانية وينتشر الود والتآخي في المجتمع.
محبة الناس: صاحب الصدر السليم محبوب من الجميع، ومقبول في مجتمعه لصدقه وصفاء نيته.
الفوز بصلاح العمل: القلب هو محل نظر الله عز وجل، وسلامته تجعل الأعمال مقبولة ومباركة.
الفوز بالجنة: سلامة الصدر من صفات أهل الجنة التي وعدوا بها في الآخرة
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع حسد ولابغضاء
الحسد والبغضاء: الداء العضال الذي يحلق الدين
لا يقف خطر أمراض القلوب عند حد حرمان المغفرة، بل إنها لتصل إلى حد "حلق الدين" بأكمله، أي إفساده وإذهابه من أساسه، كما يذهب الحالق الشعر. إن الحسد والبغضاء لا تفسدان علاقة العبد بربه فحسب، بل تمتدان لتهدما علاقاته الاجتماعية وتدمرا النسيج المجتمعي. عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ"( الترمذي وأحمد).
تأمل قوله: "دب إليكم"، فكأن هذا الداء يسري في الخفاء كما تسري النار في الهشيم، وقوله: "هي الحالقة"، استعارة في غاية القوة، فهي لا تحلق شعر الرأس فحسب، بل تحلق الدين من جذوره. ولذلك فإن الإيمان الصادق لا يستقيم دون محبة بين المؤمنين، وسبيل هذه المحبة إفشاء السلام الذي يزرع في القلوب المودة، وينتزع منها الشحناء.
الشحناء: آفة تحرم المغفرة وتحبس القبول
في مقابل تلك المنازل الرفيعة التي ينالها أهل القلوب السليمة، يقف بنا النبي ﷺ على خطر داء عضال، وبلاء مستطير، يعد سببًا رئيسًا في حرمان العبد من رحمات الله وبركاته، ألا وهو "الشحناء". والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم وبغضه له، وهي من أعظم آفات القلوب التي تمنع قبول الأعمال والمغفرة في أوقات النفحات.
وقد قال الحكيم: "لا يخلوا جسد من حسد", فهو قليل أن يسلم منه إنسان، وقد قيل: إن أول الذنوب التي عصي الله بها: الطمع، والكبر، والحسد.
أيها الأخوة، أيها المسلمون: إن هذه القضية الخطيرة -وهي قضية الحسد- من الأمور التي تودي في المهالك، خصوصاً وأنه يقع حتى من بعض الصالحين، بسبب قلة التقوى، وضعف نفس، واستيلاء الغفلة في لحظات الحسد، عندما يقع من الإنسان شيء لأخيه المسلم فإذا فاقك إنسان في دين أو خير أو صلاح، فنافسه في الخير والصلاح، ولا تتمنى أن يسلب صاحب العلم علمه، ولا أن يسلب صاحب الدعوة نشاطه في الدعوة، إياك وإياك !وكذلك لا تتمنى أن يسلب صاحب التفوق الدراسي تفوقه، ولا صاحب الوظيفة العالية وظيفته، ولا صاحب المال ماله، ولا صاحب الاستقرار العائلي والسعادة الزوجية سعادته، إياك وإياك -يا عباد الله- إن ذلك محق في حياتك، ومعصية لله، وعقوبة يوم الدين.
أما العداوة والبغضاء فهي أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخصٌ بسبب من الأسباب، أو خالفه في غرض بوجه من الوجوه؛ أبغضه قلبه، وغضب عليه، ورسخ في نفسه الحقد والتشفي، فإذا أصابت عدوه بلية فرح بها، وظنها مكافأة له من الله على بغضه، وأنها لأجله، ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك؛ لأنه ضد مراده، وربما يخطر له أنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه، وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما10.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً أنه لدميم
إن القلوب المتنافرة لا تبني وطنًا، ولا تشيد حضارة، ولا تحقق نهضة. إن مشاريع البناء والعمران، على اختلاف أنواعها، تحتاج قبل كل شيء إلى قلوب متآلفة متحابة، تعمل بروح الفريق الواحد. يقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» <متفق عليه>
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع غيبة ولانميمة
عباد الله:" سلامة الصدر (خلو القلب من الحقد والحسد) هي القاعدة الأساسية للقضاء على الغيبة والنميمة. عندما تتطهر القلوب، يقل تتبع العورات وتنشأ المجتمعات على التسامح والمحبة، يقول صلي الله عليه وسلم:"يا معشرَ من أسلمَ بلسانهِ ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبهِ ، لا تُؤذُوا المسلمينَ ولا تُعيّروهُم ولا تَتّبعوا عوراتهِم ، فإنه من يتبِعْ عورةَ أخيهِ المسلمِ تتبعَ اللهُ عورتَهُ ، ومن يتبعِ اللهُ عورتهُ يفضحْه ولو في جوفِ رحلهِ"(الترمذي ).
علاج النبي ﷺ للقلوب: كان النبي ﷺ يحث على سلامة الصدر ويطلب من أصحابه ألا ينقلوا له ما يكدّر صفو العلاقات، حيث قال:"لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ).
بسلامة الصدرلن نجد في المجتمع خداع ولاغش
عباد الله:" صدق من قال ذلك؛ فسلامة الصدر تعني طهارة القلب من الغل والحقد والحسد، وهي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع متماسك تسوده المحبة. عندما يصفو قلب الإنسان، يتمنى الخير لغيره وتختفي من نفسه دوافع الخداع والغش، مما ينعكس إيجاباً على الأفراد والروابط الأسرية والعملية.فطهارة القلوب: خلو القلب من الضغينة يزرع الرضا، مما يجعل الإنسان محباً للخير لغيره كما يحبه لنفسه.
أثرها في العمل والتعاملات: سلامة النوايا
تقضي على الاستغلال والغش في المعاملات اليومية والمهنية، وتدفع للتعاون الصادق.
الوسائل المعينة عليها: من أهم سبل تحقيق
سلامة الصدر؛ الإخلاص في العمل، وتجنب سماع الغيبة والنميمة، والمبادرة بإفشاء السلام
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع كبر ولاعجب
فأما الكبر: فإنه ذنب إبليس الذي تكبر على السجود لآدم قائلاً: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍالأعراف:12.
وأما الكبر فيدفع صاحبه عن قبول الحق، ويدفعه إلى استصغار من حوله، فيرفض ما كتب الله لغيره من الناس، فيحسده على ما أنعم الله عليه اعتقاداً منه أنه هو الأصلح، والأحق بتلك النعمة.
وأما العجب فقريب من الكبر، بل هو وسيلة له، إذ يجعل الإنسان لا يرى غيره أهلاً لنعمة من نعم الله، فإن وقعت سارع في دفعها، والرد عليها، وبيان أنه هو الأحق بذلك، معجباً بنفسه، مغروراً. وأما الخوف من فوت المقاصد المحبوبة فهذا يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كان واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين؛ للتوصل إلى مقاصد الكرامة، والمال، وتحاسد أصحاب المهنة الواحدة لنيل مقاصد العمل وموارده.
التحذير من تتبع العورات: نهى الله تعالى عن تمني انتشار الفواحش بقوله:"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [النور: 19].
بسلامة الصدرلن نجد في المجتمع طلاق ولاخلافات أسرية
إن طهارة القلب ونقاءه يمثلان الركيزة الأساسية لبناء أسرة متماسكة، حيث يغرس الإخلاص والمودة والتسامح، مما يقلل بشكل جذري من الخلافات الأسرية العميقة ويقضي على مسببات الطلاق المبنية على الأنانية أو الحقد، وينعكس استقراراً وأماناً على المجتمع بأسره.
تنعكس طهارة القلب على منظومة الزواج والمجتمع
في عدة جوانب:
التغافل والتسامح: القلب الطاهر الخالي من الكبر يتقبل الأعذار، ويتجاوز عن الهفوات البسيطة، مما يمنع تحول المشاكل اليومية الصغيرة إلى أزمات مستعصية تنتهي بالانفصال.
الرحمة والمودة: القلب النقي يمتلئ بالرحمة،
وهي أساس الميثاق الغليظ في الزواج، وتضمن استمرار الحياة الزوجية حتى في أصعب الظروف
الاقتصادية أو الاجتماعية. [1]
الصدق والشفافية: طهارة القلب تقضي على
النفاق والخداع، وتُبني العلاقة الزوجية على الصدق، مما يعزز الثقة ويحل المشكلات بالحوار
الهادئ بدلاً من الهروب. [1]
حفظ الحقوق: القلب المطمئن بالإيمان يخاف
الله، فلا يظلم شريكه، ويسعى جاهداً للحفاظ على أسرته ورعاية أبنائه استجابةً لقوله
صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
[1, 2]
بسلامة الصدر لن نجد في المجتمع طمع ولاجشع
طهارة القلب هي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع سليم وخالٍ من الأمراض الأخلاقية. عندما يتخلص القلب من أمراض مثل الطمع، والجشع، والحسد، فإنه يزرع بدلاً منها القناعة، والإيثار، والتكافل، مما يقضي على الصراع المادي ويوحد صفوف المجتمع.
كيف تنقي طهارة القلب المجتمع من الطمع؟
إرساء مبدأ القناعة: القلب الطاهر يدرك أن "الغنى غنى القلب"، فيرضى بما قُسم له، مما يجعله بمنأى عن التكالب المحموم على جمع المال بشتى الطرق.
تشجيع البذل والعطاء: تزول الأثرة والشح من القلب النقي، ليحل محلها حب الخير للناس، مما يزيد من أعمال البر والمساعدة للمحتاجين والفقراء
القضاء على الاستغلال: النفوس المطمئنة النقية لا تقبل بأكل حقوق الآخرين أو احتكار السلع، وتقف سداً منيعاً ضد صور الجشع كافة في الأسواق والمعاملات.
استقرار العلاقات الإنسانية: بانتفاء الطمع، تنتهي الأحقاد والضغائن والمقارنات المدمرة بين الأفراد، وتسود روح التعاون والمحبة الخالصة.
سلامة الصدر أساس وقف دوامة العنف والجريمة
إن صلاح المجتمعات واستقرارها لا يتحققان بالقوانين والعقوبات وحدها، بل لا بد من أساس روحي وأخلاقي يسبقها ويدعمها، وهذا الأساس هو صلاح القلوب وسلامتها.
تأمل معي كيف تبدأ الجريمة: إنها تبدأ فكرةً في العقل، يغذيها حقدٌ في القلب، ثم تتحول إلى كلمة، ففعل، فجريمة.
لقد بدأت أول جريمة قتل في تاريخ البشرية -جريمة قابيل لأخيه هابيل- بسبب حسدٍ استقر في القلب:"إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ﴾ [المائدة: ٢٧].
فإذا طهُر القلب من الحسد والحقد، وأصبح سليمًا، سَلِم الناس من أذى صاحبه، وسَلِم هو من عواقب جرمه. إن القلوب السليمة لا تلد عنفًا ولا إرهابًا، بل تثمر محبةً وسلامًا. وعندما تطغى مشاعر الغل والضغينة، فإنها تُعمي البصيرة، وتُخرس صوت الفطرة، وتدفع الإنسان إلى ارتكاب ما لم يكن يحسب له حسابًا. لذا، فإن العمل على تطهير القلوب من هذه الآفات هو عمل وقائي من الدرجة الأولى، يحمي المجتمع من شرور الجريمة والعنف.
إن القلوب المتنافرة لا تبني وطنًا، ولا تشيد حضارة، ولا تحقق نهضة. إن مشاريع البناء والعمران، على اختلاف أنواعها، تحتاج قبل كل شيء إلى قلوب متآلفة متحابة، تعمل بروح الفريق الواحد. يقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» <متفق عليه>
وبين أن اليهود حسدونا لأن الله آتانا من الفضل مالم يؤتهم، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ "(البقرة:109)،
:"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"(النساء:54).
بسَلَامَةِ الصَّدْرِ لن نجد في المجتمع فِتَنَ وَلاصِّرَاعَاتِ
مَتَى دَخَلَ الغِلُّ القُلُوبَ، تَحَوَّلَتِ الكَلِمَةُ إِلَى طَعْنٍ، وَالنَّقْدُ إِلَى تَشْهِيْرٍ، وَالخِلَافُ إِلَى عَدَاوَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: `{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}` [فُصِّلَتْ: 34].
فَسَلَامَةُ الصَّدْرِ تُحَوِّلُ العَدُوَّ إِلَى وَلِيٍّ حَمِيمٍ.تَنْشُرُ التَّعَاوُنَ وَالتَّكَافُلَ:*
القَلْبُ السَّلِيمُ يَفْرَحُ لِفَرَحِ غَيْرِهِ، وَيُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [البُخَارِيُّ: 13، مُسْلِمٌ: 45].
فَالأُمَّةُ المُتَمَاسِكَةُ هِيَ الَّتِي صُدُورُهَا بِيضَاءُ.
و تُحَقِّقُ الأَمْنَ النَّفْسِيَّ لِلْفَرْدِ:*
مَنْ كَانَ صَدْرُهُ سَلِيمًا نَامَ قَرِيرَ العَيْنِ، لَا يَحْمِلُ هُمُومَ غَيْرِهِ. وَمَنْ كَانَ حَاقِدًا نَامَ وَقَلْبُهُ يَغْلِي.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَرْبَعَةٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكْتُمُوهَا: الحُبُّ، وَالحَسَدُ، وَالغِنَى، وَالحَاجَةُ".
فَسَلَامَةُ الصَّدْرِ تَحْمِيكَ مِنْ مَرَضِ القَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَحْمِيَ المُجْتَمَعَ.
قِصَّةُ "رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"*
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ».
فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ... فَتَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَبَاتَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يَجِدْهُ كَثِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ.
فَسَأَلَهُ: فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ؟ قَالَ: «مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ"(أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ العلماء).
فَسَلَامَةُ الصَّدْرِ وَحْدَهَا أَدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ... وَهِيَ وَحْدَهَا تَكْفِي لِحِفْظِ المُجْتَمَعِ.
وفي رواية أخرى: وقال:"اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ... أَمَّا بَعْدُ:
فبسلامة الصدر لن نجد في المجتمع شك ولاحَيْرَةِ
وهي أمراض أَمْرَاضُ تَقْتُلُ السَّلْمَ
التَّشْكِيكُ هُوَ أَنْ تَجْعَلَ نِيَّةَ أَخِيكَ سَيِّئَةً، وَأَنْ تُفَسِّرَ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ بِأَسْوَأِ التَّفَاسِيرِ.
قَالَ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}` [الحُجُرَاتِ: 12].
وَقَالَ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ"(البُخَارِيُّ، مُسْلِمٌ).
فَالتَّشْكِيكُ يَهْدِمُ الثِّقَةَ، وَيَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَيُفَرِّقُ الصَّفَّ.
وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسُودُهُ سُوءُ الظَّنِّ... مُجْتَمَعٌ مَيِّتٌ وَلَوْ كَانَتْ بُيُوتُهُ عَامِرَةً.
التَّحْذِيرُ مِنَ الحَيْرَةِ وَالتَّرَدُّدِ والحَيْرَةُ هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ لَكَ مَوْقِفٌ ثَابِتٌ، تَتَأَرْجَحُ مَعَ كُلِّ نَاعِقٍ، وَتَصْدِقُ كُلَّ شَائِعَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: "مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ"(النِّسَاءِ: 143).
وَهَذَا وَصْفُ المُنَافِقِينَ... فَالحَيْرَةُ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ وَقُودًا لِلْفِتَنِ.
وَقَالَ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي"(البُخَارِيُّ، مُسْلِمٌ).
فَالنَّجَاةُ فِي زَمَنِ الحَيْرَةِ: الثَّبَاتُ عَلَى الحَقِّ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ.
العِلَاجُ - كَيْفَ نَحْفَظُ سَلَامَةَ صُدُورِنَا؟
بِحُسْنِ الظَّنِّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُكَ".
. بِالعِلْمِ وَاليَقِينِ: الحَيْرَةُ تَأْتِي مِنَ الجَهْلِ. فَتَعَلَّمْ دِينَكَ، وَالْزَمْ العُلَمَاءَ الرَّبَّانِيِّينَ.
"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(النَّحْلِ: 43).
بِالدُّعَاءِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: "للَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الخِيَانَةِ".
أَيُّهَا النَّاسُ... سَلَامَةُ الصَّدْرِ أَمَانَةٌ... فَلَا تُفَرِّطُوا فِيهَا.
وَإِيَّاكُمْ وَالتَّشْكِيكَ فَإِنَّهُ سِكِّينٌ يَذْبَحُ الأُخُوَّةَ... وَإِيَّاكُمْ وَالحَيْرَةَ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى الضَّيَاعِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا... اللَّهُمَّ انْزِعِ الغِلَّ وَالحَسَدَ مِنْ صُدُورِنَا، وَاجْعَلْنَا إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَجَنِّبْنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
آمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ