recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ

 الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ، بَلَّغَنَا بِفَضْلِهِ الْعَامَ الْهِجْرِيَّ الْجَدِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: 

نُبَارِكُ لَكُمُ الْعَامَ الْهِجْرِيَّ الْجَدِيدَ، الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ قِيَمًا وَمَعَانِيَ إِيمَانِيَّةً جَلِيلَةً، فِي مُقَدِّمَتِهَا: مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ، الَّتِي تَجَلَّتْ فِي مَوَاقِفِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَحِينَ أَخْبَرَهُ بِهِجْرَتِهِ قَالَ: "الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ". قَالَ : «الصُّحْبَةُ» . قَالَتِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ... أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمَئِذٍ فَرَحًا" . أَيُّ حُبٍّ هَذَا؟ يَعْلَمُ أَنَّ الطَّرِيقَ مَحْفُوفٌ بِالْمَخَاطِرِ، وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ فَرَحًا! وَالْأَعْجَبُ أَنَّهُ كَانَ يَخْشَى عَلَى حَبِيبِهِ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ، حَتَّى قَالَ لَهُ : «مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيَّ وَسَاعَةً خَلْفِي؟». فَقَالَ: "أَذْكُرُ الطَّلَبَ، فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ الرَّصَدَ، فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ"، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟». قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ... فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْغَارِ، قَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارَ" أَيْ: أُؤَمِّنَهُ لَكَ. وَلَمَّا أَحْدَقَ الْخَطَرُ، قَالَ الصِّدِّيقُ بِلِسَانِ الْخَائِفِ عَلَى حَبِيبِهِ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا" فَقَالَ : «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ، اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» ، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ، ثُمَّ انْطَلَقَا، قَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ... وَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ... قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ". انْظُرُوا إِلَى عِظَمِ الْحُبِّ! سَارَ مَعَهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَهَلْ آثَرَ نَوْمَهُ؟ كَلَّا، بَلْ قَالَ: "خَرَجْتُ... فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ فَقُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ... فَأَتَيْتُهُ ... فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ" ، اللَّهُ أَكْبَرُ! شَرِبَ النَّبِيُّ ، فَارْتَوَىَ أَبُو بَكْرٍ؛ فَالْمُحِبُّ الصَّادِقُ تَكُونُ سَعَادَتُهُ فِي رَاحَةِ مَحْبُوبِهِ. وَهَكَذَا كَانَتْ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ صِدْقًا وَإِخْلَاصًا، وَتُثْمِرُ طَاعَةً وَاقْتِدَاءً.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .  

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا الْمُحِبُّونَ لِنَبِيِّكُمْ : مَضَتِ الرِّحْلَةُ الْمُبَارَكَةُ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَـ«أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ»، وَأَحَاطَهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِمَحَبَّتِهِمُ الصَّادِقَةِ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا؛ كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا" ،

هَكَذَا أَسْفَرَتِ الْهِجْرَةُ عَنِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تُثْمِرُ التَّأَسِّيَ وَالْوَلَاءَ وَالتَّضْحِيَةَ؛ إِذْ سَخَّرَ الصِّدِّيقُ نَفْسَهُ وَأُسْرَتَهُ وَمَالَهُ لِحَبِيبِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ وَطَنَهُ وَقِيَادَتَهُ؛ بَذَلَ جُهْدَهُ وَمَالَهُ وَنَفْسَهُ لَهُمَا، وَدَعَا بِدَوَامِ الْخَيْرِ  وَالْأَمَانِ عَليْهِمَا.

هَذَا وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الْأَكْرَمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ دَوْلَةَ الْإِمَارَاتِ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، وَاحْفَظْ قِيَادَتَهَا وَأَهْلَهَا، وَمَنْ يَعِيشُ عَلَى أَرْضِهَا.

اللَّهُمَّ احْفَظِ الشّيخ مُحَمَّد بْن زَايد رَئِيسَ الدَّوْلَةِ بِحِفْظِكَ، وَكُنْ لَهُ عَوْنًا وَسَنَدًا، وَبَارِكْ فِي عُمْرِهِ وَعَمَلِهِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَنُوَّابَهُ وَإِخْوَانَهُ حُكَّامَ الْإِمَارَاتِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ؛ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ.

اللَّهُمَّ اشْمَلْ شُهَدَاءَ الْوَطَنِ بِرَحْمَتِكَ وَغُفْرَانِكَ.

اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ: الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتَ.

عِبَادَ اللَّهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.  

 

google-playkhamsatmostaqltradent