recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي د/علاء القاضي

 سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي

 



أما بعد:

فإن من أعظم النعم التي يمنُّ الله بها على عباده نعمةُ(سلامة الصدر) فهي مفتاح الألفة والمحبة، وأساس الاستقرار بين الأفراد والمجتمعات.

 وإن كثيرا من المشكلات الاجتماعية والأسرية، إنما تنشأ من أمراض القلوب، كالحسد والبغضاء والغل وسوء الظن، ولذلك اعتنى الإسلام بتطهير القلوب قبل إصلاح الظواهر، وجعل سلامة الصدر طريقا إلى رضوان الله وجنته، قال سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

محاور الخطبة:

- سلامة الصدر من صفات الأنبياء.

- تطبيقات عملية لسلامة الصدر.

- سلامة الصدر وأثرها في بناء الإيمان.

- أسباب سلامة الصدر.

🔺️المحور الأول- سلامة الصدر من صفات الأنبياء:

١- سيدنا إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۝ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 83-84]، تجلَّت سلامة صدر إبراهيم عليه السلام في تعامله (مع قومه) (ومع أبيه) رغم ما لقيه منهم من أذى شديد.

- مع قومه، فقد دعاهم إلى التوحيد بالحكمة والرفق، مع أنهم كذّبوه وعادوه وألقوه في النار، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: 68]، ومع ذلك لم يُنقل عنه إلا أنه كان حريصا على هدايتهم وإنقاذهم من الشرك.

- وأما مع أبيه، فقد خاطبه بأرقِّ العبارات وألطفها، مكررا كلمة (يا أبتِ) ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42].

 فلما هدده أبوه بالرجم والطرد ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ لم يقابله بالإساءة، بل قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47].

٢- يوسف عليه السلام:

بعد ظلم إخوة يوسف عليه السلام له، واتفاقهم على قتله:﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9]

ألقى إخوة يوسف أخاهم في البئر، وفرقوا بينه وبين أبيه سنوات طويلة، وكان قادرا على الانتقام منهم عندما صار عزيز مصر، لكنه قابل إساءتهم بالعفو والصفح، قال تعالى على لسان يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} بسلامة الصدر أزال أسباب العداوة وأعاد المودة بين أفراد الأسرة بعد سنوات من الخصومة.

٣- النبي محمد :

تجسدت سلامة الصدر في أسمى صورها عند نبينا محمد يوم فتح مكة، وهو اليوم الذي تمكّن فيه من قريش بعد سنوات طويلة من الأذى والاضطهاد، فقد أخرجوه من بلده، وحاربوه، وآذوا أصحابه، وتآمروا على قتله.

ومع ذلك، لما دخل مكة فاتحا منتصرا، دخلها متواضعا خاشعا، وقد جمع الله له النصر والتمكين، فلم يجعل ذلك موضع انتقام ولا تشفٍّ، بل أعلن العفو العام بقوله:«اذهبوا فأنتم الطلقاء».

 المحور الثاني- تطبيقات عملية لسلامة الصدر:

١- سلامة الصدر من الحقد والقطيعة:

من أعظم الأمثلة ما وقع بعد (حادثة الإفك)، كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق على (مِسطح بن أثاثة)، فلما خاض في عرض ابنته عائشة رضي الله عنها، توقف عن النفقة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ...﴾ [النور: 22].

فقال سيدنا أبو بكر: «والله لا أقطعها عنه أبدًا»، ضاربا رضي الله عنه أروع الأمثلة في (سلامة الصدر) من الحقد والقطيعة.

٢- سلامة الصدر من الغضب والانتقام للنفس:

ومن أبهى صور سلامة الصدر وكمال الحِلم ما كان من النبي ؛ (فقد جاءه أعرابي فشدّ بردائه شدًّا قويًا حتى أثّر ذلك في عنقه الشريف، ثم قال بغلظة: أعطني من مال الله).

 ومع شدة الموقف، لم يقابل النبي هذا الجفاء بمثله، ولم يغضب لنفسه، بل التفت إليه بهدوء وأمر له بعطاء.

٣- سلامة الصدر من الإنتقام واختيار العفو:

 ثبت في الصحيحين أن النبي خرج إلى (الطائف) يدعو أهلها إلى الإسلام، بعد أن اشتد أذى قريش في مكة، فذهب إليهم يرجو النصرة والهداية، لكنهم قابلوه بأقسى أنواع الرّد: آذوه، وسخروا منه، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، حتى أدموا قدميه الشريفين بالحجارة، فقال:«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس…».

ثم أرسله الله جبريل عليه السلام ومعه (ملك الجبال)، فقال أنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بما شئت، إن شئت أطبقت عليهم (الأخشبين) جبلين عظيمين.

فكان جواب النبي فقال:«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

 المحور الثالث- سلامة الصدر وأثرها في بناء الإيمان :

١- سلامة الصدر من صفات المؤمنين في الجنة: قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

تبيّن الآية أن الله يطهر قلوب المؤمنين في الجنة، مما يدل على أن (سلامة الصدر) خلق عظيم يرتبط بالإيمان وكماله، ويُعد من صفات أهل الجنة التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها في دنياه.

٢- سلامة الصدر من صفات المتقين في الجنة: قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134]

توضح الآية أن من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة (سلامة الصدر) وهي ليست مجرد ترك الحقد، بل هي مرتبة أعلى، تشمل ضبط النفس، وإزالة أثر الغضب، ثم الإحسان إلى الآخرين، مما يجعل صاحبها قريبا من محبة الله ومغفرته.

٣- سلامة الصدر فرصة للعفو: قال النبي : «يَطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِهِ ليلةَ النِّصفِ من شعبان، فيغفرُ لجميعِ خلقِهِ إلا لمشركٍ أو مُشاحِنٍ»

يدل الحديث على من يُحرم من المغفرة في هذه الليلة المباركة (بالمشاحِن) وهو صاحب العداوة والبغضاء، وأن (سلامة الصدر) من الحِقد والخِصام سبب مباشر لرحمة الله ومغفرته.

٤- سلامة الصدر سبب للمغفرة: روي أن النبي قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم]، يبين الحديث أن من أعظم موانع المغفرة وجود الشّحناء والخِصام بين المسلمين، حيث تُؤخَّر مغفرة الله لمن في قلبه عداوة لأخيه حتى يزول هذا الخلاف.

٥- سلامة الصدر معيار أفضلية الإنسان: قيل لرسولِ اللهِ : أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال: «كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ»، قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ».

يبين الحديث أن أفضل الناس عند الله هو من جمع بين صلاح الظاهر والباطن، فيكون صادق اللسان، طاهر القلب من المعاصي والظلم والغل والحسد.

٦- سلامة الصدر من أعظم ما يُدَّخر للآخرة: رُوي عن أبي دُجانة رضي الله عنه عند موته: «ما من عملي شيء أوثق في نفسي من اثنتين: لم أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليمًا»، [الصمت وآداب اللسان]

يُظهر هذا الأثر أن من أعظم ما يطمئن إليه العبد عند لقاء الله (سلامة قلبه) من الغلّ والحقد على المسلمين، مع حفظ اللسان عن الفضول والباطل.

                                  الخطبة الثانية

 المحور الرابع- أسباب سلامة الصدر:

١- حسن الظن بالآخرين:

- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

أي: ابتعدوا عن الظنون السيئة التي لا تقوم على دليل، ولا تتهموا الناس في نياتهم وأحوالهم بغير حق؛ لأن كثيرا من هذه الظّنون يوقع صاحبه في الإثم والعدوان على الآخرين.

- وروي أن النبي قال: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».

- لا تحسّسوا: لا تتبعوا عورات الناس ولا تبحثوا عن أمورهم الخفية.

- لا تجسّسوا: لا تتقصّدوا كشف أسرار الناس وعيوبهم المستورة.

لا تناجشوا: لا ترفعوا الأسعار في البيع خداعا أو إضرارا بالمشتري دون رغبة في الشراء.

- لا تحاسدوا: لا تتمنوا زوال النعمة عن الآخرين.

- لا تباغضوا: لا تُدخلوا أسباب الكراهية بينكم ولا تُنمّوا مشاعر العداء.

- لا تدابروا: لا تُعرضوا عن بعضكم وتقطعوا العلاقات وتهجروا الإخوة.

- ومن أفضل ما قيل عن (حسن الظن): ما روي عن الإمام محمد بن سيرين رحمه الله أنه قال: (إذا بلغك عن أخيك شيء، فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه).

- ومن أعظم الأمثلة على (حسن الظن): ما كان من سيدنا أبو أيوب الأنصاري في (حادثة الإفك) عندما خاض بعض الناس في حق أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها.

فقد قالت له زوجته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة؟ فقال: نعم، ولكنه كذب وباطل.

ثم قال لها: أكنتِ أنتِ تفعلين ذلك؟ قالت: لا والله، فقال: فعائشة والله خير منك.

لقد رفض أبو أيوب رضي الله عنه أن يستسلم للشائعات أو يصدق التهم بغير بينة، بل قاس الأمر على ما يعرفه من صلاح أم المؤمنين وعفتها، فأحسن الظن بها، وردَّ الباطل من أول وهلة.

- ومن أعظم الأمثلة على (حسن الظن) أيضا: ما حُكي أن زوجة طلحة بن عبد الرحمن بن عوف قالت له يوما: (ما رأيت قوما ألأم من أهلك، يكثرون من زيارتك إذا كنت في سعة، فإذا أصابك ضيق قلَّ ترددهم عليك).

فقال لها بكلمة تدل على صفاء القلب وحسن الظن: (بل هذا من كرمهم، فهم يأتوننا حين نكون قادرين على إكرامهم والقيام بحقهم، ويتركوننا حين نكون في ضيق حتى لا يثقلوا علينا).

٢- الرضا بما قسم الله لك من رزق:

- قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32]

من أعظم ما يورث (سلامة الصدر) أن يرضى المسلم بما قسمه الله له من رزق، فلا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، ولا يسخط على قدر الله، بل يعيش قلبه مطمئنا بقضاء الله وحكمته.

- وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71]، وفيه بيان أن تفاوت الأرزاق لحكمة إلهية، وليس ظلمًا ولا عبثًا.

- قال النبي : «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».

الرضا بالقسمة الإلهية يقطع باب الحسد والاعتراض، ويجعل القلب مطمئنا لا يتألم لمقارنة نفسه بالآخرين، فكلما علم المسلم أن رزقه مقدر، سكن قلبه، وقلّ تعلقه بالدنيا، فحقق سلامة الصدر.

٣- لا تحمل همّ الرزق:

من أسباب (سلامة الصدر) وطمأنينة أن يترك العبد القلق المفرط على رزقه، وأن يوقن أن الأرزاق بيد الله وحده، يقسمها بحكمته ويضمنها لعباده دون نقص.

- قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، فالله سبحانه تكفّل برزق جميع المخلوقات، صغيرها وكبيرها، قويها وضعيفها، فلا يُعجزه رزق أحد.

- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26]، أي أنه سبحانه يوسع الرزق على من يشاء ويضيقه على من يشاء لحكمة يعلمها.

- وقال النبي : «لو أنكم توكَّلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا».

فالمؤمن الحق: لا يجعل همّ الرزق يسيطر على قلبه حتى يورثه قلقًا أو حسدا أو طمعا، بل يسعى ويأخذ بالأسباب، ثم يطمئن أن النتائج بيد الله، فهذا اليقين يملأ القلب سكينة، ويبعد عنه التوتر والاضطراب، فيتحقق له سلامة الصدر وراحة البال.

 

google-playkhamsatmostaqltradent