recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة قبل أن ينهار الحصن : ركائز استقرار الأسرة بقلم الشيخ محمد إبراهيم سالم

 قبل أن ينهار الحصن ركائز استقرار الأسرة


​الحمد لله الذي جعل البيوت سكنًا، والتقوى لها حصنًا، وجعل المودة والرحمة بين الزوجين آيةً وبرهانًا . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبد الله ورسوله،  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين ... ​أما بعد..

  ​أيها المسلمون.. يقول ربنا جل جلاله:

:"وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَ ٰج ا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّة وَرَحۡمَةًۚ }

إن الحديث عن حقوق الزوج وحقوق الزوجة حديثٌ كررناه كثيرًا، وسمعه الناس في كل محفل.

ولكننا اليوم لن نقف عند حدود الواجبات التقليدية، بل نريد أن ندخل إلى هذه القضية المصيرية من زاوية جديدة يغفل عنها الكثيرون:

 لماذا بدأ القرآن الكريم بإصلاح البيت والأسرة قبل إصلاح المجتمع الكبير؟

​إذا أردنا أن نفهم سر قوة الأمة أو ضعفها، فلننظر إلى داخل بيوتها. ومن هنا، نضع أيدينا اليوم على عدة ركائز إن فُقدت، تزلزلت البيوت وسقطت، وإن حُفظت، كانت البيوت قلاعًا لا تطالها العواصف.

  أول ما ينبغي أن ندركه أن الأسرة ليست مجرد سكنٍ نعيش فيه، بل هي حصن أمة وبداية كل شيء..

​لو سألت الناس اليوم: ما أخطر ما يهدد الأمة؟

لسارعت الإجابات: إنه الفقر، أو البطالة، أو كيد الأعداء.

لكن القرآن العظيم يلفت أنظارنا إلى ثغرٍ أخطر وأعمق، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾.

والسكن في الآية  ليس اتساع البيوت، وإنما سكينة القلوب داخل البيوت؛ فإذا غابت السكينة، تحولت البيوت إلى فنادق للنوم لا أوطانًا للراحة، وهنا يضيع الإنسان!

أيها الأحبة الكرام:

 اعلموا أن كل مجرم أرعب مجتمعًا وروّع آمنًا كان يومًا طفلًا في بيت.

 وكل عالم نفع الأمة ورفع رايتها كان يومًا طفلًا في بيت.

 وكل قائد غيّر مجرى التاريخ خرج من بيت!

إن معركة الأمة الحقيقية تبدأ من غرفة المعيشة، لا من ساحات القتال.

يقف شاب في مقتبل العمر أمام القاضي متهمًا بجريمة سرقة وترويع ، ينظر إليه القاضي ويسأله: "متى بدأت؟"فيقول: "يوم كنت طفلًا أرى أبي يضرب أمي كل ليلة،   هناك انكسر فيّ كل شيء".

​لحظة ظلم أو مشهد انكسار داخل بيت، قد يصنع مأساة إنسانية تمتد عشرات السنين في المجتمع!

  ثم ننتقل إلى حقيقة لا تقل أهمية: العدل قبل الحب:

هذه نقطة جديرة بالوقوف عندها؛ فكثير من الناس يظنون أن استقرار الأسرة قائم على الحب وحده.

والصحيح الذي يثبته الواقع والشرع أن الحب وحده لا يكفي!

 كم من بيوت بدأت بحب مشتعل، وقصص غرام ملأت الدنيا، ثم انتهت فصولها سريعة في أروقة المحاكم!

​إن العدل هو الأساس المتين، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، والمعروف هو الإنصاف والعدل.

ولما سُئل النبي عن حق الزوجة صبّ الأمر في قالب العدل العملي فقال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ». هذا هو العدل الذي يحمي كرامة المرأة!

 ​أما عن العدل بين الأولاد، فهو الفتيل الذي إن أُشعل أحرق البيت بمن فيه.

 دخل النعمان بن بشير رضي الله عنه مع أبيه إلى النبي ليُشهده على عطيّة خَصّه بها أبوه دون إخوته، فماذا قال له معلم البشرية ؟  

قال له بحزم: «أَلِكُلِّ ولدِكَ نِحْلَةٌ مثلُ هذا قال لا قال أَتُحِبُّ أن يكونَ الكلُّ في البِرِّ سواءٌ قال نعم قال فَسَوِّ بينَهم في العَطِيَّةِ» .

 تأملوا هذا المشهد الذي يتكرر في كثير من البيوت:

أبٌ يجلس في صدر مجلسه، يدخل ابنه الأكبر الذي يحمل شهادة مرموقة فيبتسم الأب ويُفسح له مكانه، ويغدق عليه بعبارات الثناء والدعم.

وفي نفس اللحظة، يدخل ابنه الآخر الذي قد يكون أقل توفيقًا في دراسته أو خجولًا بطبعه فلا يلتفت إليه الأب، بل ربما رماه بنظرة قاسية أو عبارة تهكمية أمام إخوته قائلًا: "تعلم من أخيك !".

​انظر إلى عيني هذا الولد المنكسر..

في تلك اللحظة بالذات، زرع الأب في قلب ابنه خنجرًا من الحقد والغل تجاه أخيه، وزرع فيه جفاءً تجاه أبيه لن تمحوه الأيام!

  ثم نأتي إلى جرحٍ آخر ينزف في بيوت كثيرة:

الأب الغائب وهو حاضر.. وكذلك الأم..

​وهنا نأتي إلى الضربة المؤثرة في واقعنا..

بعض الآباء يخرج من بيته قبل استيقاظ أولاده، ويعود بعد نومهم، مستغرقًا في تجارته وأعماله.

وإذا عوتب، انتفض قائلًا: "أنا أتمزق وأتعب لأجلهم، ولأوفر لهم رغد العيش!".

نقول له: نعم، شكر الله سعيك، فما خرج رجل يسعى على رزق أولاده ليعفهم إلا وهو في سبيل الله

ولكنهم يحتاجون إليك أنت، أكثر من حاجتهم إلى مالك!

تذكر قول النبي : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

 أيها الأحبة الكرام.. تعالوا بنا نمسح دمعة الانكسار، ولننظر إلى مشهدٍ آخر تفيض منه الرحمة.

 تخيلوا معي :

​أبٌ يعود إلى بيته، فيستقبله طفله فيضمه ويجلس معه لحظات.

​​ولسنا نأتي بهذا من عند أنفسنا، بل هو هدي معلم البشرية ..

فقد كان النبي إذا دخلت عليه ابنته فاطمة -رضي الله عنها- لم يكتفِ بالابتسام، بل «قَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ».

.

  ثم نلتفت إلى أعظم سرٍّ في بناء الأجيال وصناعة الرجال   الأم..

أيها المسلمون..

 كم من أمٍّ غرست في قلب ولدها القرآن والأدب والحياء، فصار بعد سنوات طبيبًا نافعًا، أو معلمًا مصلحًا، أو داعيةً يهدي الله به العباد!

إن التاريخ قد ينسى أسماء آلاف الأغنياء والملوك، لكنه لا ينسى الأمهات اللاتي صنعن الرجال، وربين الأبطال، وغرسن الإيمان في القلوب.

  ولهذا السبب بالذات كان الشيطان وما زال من خلال أبواقه الحديثة حريصًا كل الحرص على إضعاف مكانة الأم، وصرفها عن رسالتها التربوية العظيمة؛ لأنه يعلم أن سقوط الأم ليس سقوط فردٍ واحد، بل هو بداية تصدع جيلٍ كامل.

فيا أيتها الأمهات.. إن بين أيديكنَّ أعظم مشروع على وجه الأرض؛ مشروع صناعة الإنسان الصالح الذي يعبد الله، وينفع الناس، ويكون لبنة خير في أمته..

​أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية 

​الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

​أما بعد، أيها المسلمون..

 إن من أعظم ما يحيي البيوت ويعيد إليها الروح:

  العبادة الجماعية داخل البيت:

​وهذه من أقوى النقاط التي تعيد الروح للبيوت الميتة.

ليوجّه كل أب وأم هذا السؤال لنفسه:

 متى كانت آخر مرة صلى فيها الأب إمامًا بأولاده وزوجته ؟

  متى اجتمعت الأسرة في حلقة واحدة على كتاب الله؟ 

متى جلسوا يذكرون الله معًا حتى تحفهم الملائكة؟

يقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.

​إن البيت الذي يسمع فيه الأولاد والفتيات صخب الأغاني والمقاطع التافهة أكثر مما يسمعون آيات القرآن الكريم.. لا تتعجبوا أبدًا إن نمت قلوبهم على حب الدنيا، والتعلق بتفاهاتها، والزهد في الآخرة. فالبيوت تُصبغ بصبغة ما يدخلها.

  ​يا معشر الآباء والأمهات.. ليس المهم في هذه الدنيا أن يكون لك أبناء يحملون اسمك، أو يملكون أعلى الشهادات والمناصب فحسب.. الأهم هو أن يكون لك أبناء يسيرون معك في طريق الجنة، وينجون معك من طوفان الفتن الفكرية والأخلاقية التي تموج بها أيامنا هذه.

 عباد الله...

إن البيوت لا تهدمها الزلازل الطبيعية، ولا تحطم جدرانَها الرياحُ العاتية.. ولكن تهدمها الكلمات الجارحة التي تكسر النفوس، ويهدمها الظلم المتبادل، ويهدمها غياب القدوة الصالحة من الأب والأم، ويهدمها قبل كل شيء البعد عن الله وعن منهج بيوت النبوة.

  ​اعلموا علم اليقين: أنه إذا صلحت الأسرة صلح الحي، وإذا صلح الحي صلحت القرية والمدينة، وإذا صلحت القرى والمدن صلحت الأمة بأسرها.

فالأمة العظيمة القوية لا تُبنى في قصور الحكم المشيدة فحسب..

 إنما تُبنى أولًا وأخيرًا على موائد الطعام العائلية حيث يفيض الحنان، وفي غرف الأبناء حيث تُزرع القيم، وعلى سجادات الصلاة داخل البيوت حيث يُربط القلب برب الأرض والسماوات.

فإن أردتم أن تعرفوا مستقبل الأمة بعد عشرين عامًا، فلا تنظروا إلى الأسواق ولا إلى الشوارع، ولكن انظروا إلى بيوت اليوم فمستقبل الأمة يُصنع في البيوت.”

​ 

​اللهم أصلح بيوتنا، واجعلها قلاعًا للحق والإيمان.

اللهم ألّف بين قلوب الأزواج والزوجات، واجعل المودة والرحمة سياجًا بينهم.

اللهم اجعل أبناءنا وقرة أعيننا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

اللهم احفظ أسر المسلمين من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واحمِ بيوتنا من كيد الكائدين وإفساد المفسدين.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.. فاذكروا الله العظيم يذكركم، وأقم الصلاة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent