دعوة الاسلام إلى التراحم
الرحمة من أسماء الله الحسنى
أسباب الرحمة الخاصة
كيفية الفوز بالرحمة الخاصة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا
قولًا سديدًا" وبعد.
اليوم موعدنا إن شاء الله مع اسمٍ من أسماء
الله الحسنى والتي نحتاج إليها وإلى التخلق بها في حياتنا اليومية، ألا وهو اسم الله
الرحيم
الرحمةُ هي الرقِّة والتعطّف،
ومن أسماء الله تعالى الحسنى: الرحمن والرحيم
اسمان مشتقان من الرحمة،
الرحمن والرحيم من الرحمة، والرحمة من صفات
الله تعالى العظيمة، وحتى نتصور سعة رحمة الله تعالى، نتأمل قوله -ﷺ-: (إِنَّ لله تَعَالى مائَةَ رَحْمَةٍ،
أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ وَالبَهَائمِ وَالهَوامِّ،
فَبهَا يَتَعاطَفُونَ، وبِهَا يَتَراحَمُونَ، وَبها تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلى وَلَدهَا،
وَأَخَّرَ الله تَعالى تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ) متفق عليه.
وأما في الآخرة، ويوم الحساب تكون رحمة
خاصة من رب العباد لعباده المؤمنين، الذين آمنوا به، وعملوا الصالحات، وأحسنوا، والتزموا
بعبادة ربهم، وهنا يأتي اسم الله الرحيم، وهو الرحمة الخاصة من الله جل جلاله، وهذه
الرحمة هي مبتغى كل مسلم، نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون منهم.
ويأتى اسم الرحمن والرحيم في مطلع القرآن
بالبسملة في مطلع سورة الفاتحة ثم ورد في بداية معظم سور القرآن كي تستغرق كل أبعاد
الرحمة من شدة رحمته في لفظ الرحيم ومن كثرتها ودوامها في لفظ الرحمن.
*اسم الرحيم في القرآن والسنة
وقد رد في القرآن والسنة مطلقا معرفًا ومنونًا،
واسم الله الرحيم اقترن باسمه الرحمن في ستة مواضع من القرآن، وغالبًا ما يقترن اسم
الله الرحيم بالتواب والغفور والرؤوف والودود والعزيز؛ وذلك لأن الرحمة التي دل عليها
الرحيم رحمة خاصة تلحق المؤمنين،
والعجيب أن يقترن اسم الله "العزيز"
بوصف "الرحيم" ولا عجب فالرحمة قد تنافى العزة فى عرف الناس فأراد القرآن
أن ينفى ذلك فى جنب الله فهو سبحانه عزيز قوى ولكنه مع ذلك رحيم ورؤف وكريم وقد اقترنت
١٣مرة "وإن ربك لهو العزيز الرحيم "
فالله عز وجل رحمته التي دل عليها اسمه
الرحمن شملت الخلائق في الدنيا، مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم، لكنه في الآخرة رحيم
بالمؤمنين فقط.
عن أَبِى بَكْرٍ الصديق أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ
-ﷺ- :«عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي
صَلاَتِي، قَالَ: «قُلِ اللهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي
، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» وقَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ
اللهِ -ﷺ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»
ويحدثنا القرآن الكريم عن هؤلاء الفتية
الذين آمنوا بالله وتركوا ما عليه قومهم، وآووا إلى كهفٍ مظلم موحش فكيف تكون حياتهم
في هذا المكان الضيق، ولكنهم حينما توكلوا على الله نشر لهم الله عليهم من رحمته فتحول
كهفهم إلى قصر منيفٍ ﴿فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِ﴾
إنَّ الرحمن إذا نشر رحمته في مكان مظلم
أضاء، وفي كهف ضيق بات فسيحًا، وفي قلب ميت نبض بالحياة؛ لذلك فقد جَعَلَتهم تلك الرحمة
لا يحتاجون إلى الطعام ثلاثمئة سنة! جعلتهم في راحة تامة باتوا بسببها لا ينتبهون من
نومهم اللذيذ سنين عددًا، جعلت الحزن لا يطلّ عليهم، والتوجس لا يطرق قلوبهم، والخوف
لا يقترب من كهفهم، بل يولّي هاربًا مرعوبًا!
بل إن من بركات تلك الرحمة التي نشرها الله
في ذلك الكهف الضيق أن باتت قصة كهفهم بيانًا يقرؤه عامة المسلمين في كل أسبوع، ليقتبسوا
منه النور والهدى فرحمة الله على أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى.
* إن الله إذا اختصك برحمة منه، فقد كفاك
كل هموم الحياة وعمومها! يقول ربُّنا تبارك وتعالى: "فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ
الله كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"
أمرَ الله تعالى عبادَه أن ينظروا إلى آثار
رحمتةِ! هذا الأمرُ الذي أنْستْنا إيّاهُ عجلةُ الحياةِ الضّخمةِ، وحركةُ الأيّامِ
المَوَّارَةِ، فلم يعُدْ أغلبُنا يمتثِل له، بل الغالبية لم يخطُرْ بِبَالِهِمْ أنَّ
أمْرًا ما قد جاءهم يخُصُّ هذا الشّّأنَ!
إنّ لرحمةِ اللهِ آثارًا تظهرُ في أمورٍ
كثيرةٍ، وتتجلَّى بشكلٍ واضحٍ في اخضِرار الأرض بعد موتِها واللهُ جلَّ و علا يقولُ:
"فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"
- من رحمته سبحانه بخلقه أنه ينزل في قلوب
الوالدين من الرحمة تجاه أبنائهم ما لا يمكن أن تقوم به عيشهم لو لم تكن تلك الرحمة
وتلك المشاعر التي لا يستطيع مخلوق أن يتحكم بها!! فلا يأكلان حتى يأكل، ولا يشبعان
حتى يشبع،
فلو دُفع لأم أموال الدنيا على أن تُلقي
صغيرها من شاهق لما فعلت، ولو كُلف أب أن يدفع بابنه أمام سيارة مُسرعة، وجُعل له مقابل
ذلك كنوز قارون لما فعل ذلك!
ما هي هذه المشاعر التي تقاوم مثل هذه الإغراءات،
وتصمد في وجه هذه العروض؟!. إنها آثَارِ رَحْمَتِ الله
- فإذا رأيْتَ أبًا يُداعِبُ ابنَه الصغيرَ،
وقد امتلأَ قلبُهُ حُبًّا له، وفرحةً به، فانظر إلى آثارِ رحمةِ اللهِ، وكيفَ صنعتْ
هذه الرّحمةُ تلك البسمةَ الجميلةَ، وذلك الشّعورَ الشّفيف.
- وإذا رأيْتَ جائِعًا يأكلُ باطمئنانٍ، ويتذوَّقُ
أصنافَ المأكولاتِ، لا فقر يحولُ دونَ ذلك التّذوُّقِ، ولا خوفَ يُنغِّصُ عليهِ، ولا
مرض يمنعُهُ مِمّا يشتهِيهِ فانظرْ إلى آثارِ رحمةِ اللهِ، فرحمةُ اللهِ هي وراءَ تلكَ
التَّفاصيلِ الدَّافئةِ.
بل إنَّ نظرَكَ إلى آثارِ الرَّحمةِ من
آثارِ الرَّحمةِ، فلولا رحمتُهُ بك لما نظَرْتَ، ولما سمِعْتَ، ولما عقِلْتَ شيئًا!
فأيْنَ هو المكانِ الذي يخْلُو من رحمةِ
اللهِ في هذا الكونِ الفسيحِ؟ أينَ هي الحركةُ التي لا تُحرِّكُها رحمتُهُ سبحانهُ؟
- ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط بل
تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريمًا لهم. قال تعالى في نبأ الخضر والجدار: "وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ" [الكهف:٨٢] .
إذًا: الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، وتمتد
إلى ذريتهم من بعدهم.
والآية الثانية: "وَالَّذِينَ آمنوا
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ"
[الطور:٢١]
أفضل كسب الرجل ولده" [الطبراني] فإذا
وفق الله إنسانًا إلى تربية أولاده فإن أعمال أولاده الصالحة إلى يوم القيامة في صحيفته،
يعني أنت تستمر في الأجر والعطاء والثواب إلى يوم القيامة إذا ربيت أولادك ف
"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ:
إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ
يَدْعُو لَهُ" [مسلم] فهنيئًا لمن كان له ولد صالح.
- ومن رحمة الله وكرمه أنه بشّر عباده فقال
عن نفسِه {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وبشّرهم بأن رحمتَه سبقت غضبَه فقال
-ﷺ-: ”إِنَّ الله لَمَّا قَضَى الخَلْقَ،
كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي” ومن صور سبقِ
رحمتِه لغضبِه أَنّه يقبل التوبة، ويغفر الذنوب، ويعفو عن السيئات، ويمهل المذنبين
فلا يعاجلهم بالعقوبات، ويغفر لمن حقق التوحيدَ ولو قاربت ذنوبُه مِلأَ الأرض.
إن رحمةَ الله واسعة حتى إنها وسعت كلَّ
شيء، إنَّ اللَّهَ كتبَ في كتابٍ موضوعٍ عندَهُ فوق العَرشِ: إنَّ رحمتي تغلِبُ غضَبي .
ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء،
وهُو سُبحانهُ كتب على نفسه الرّحمة ولم يكتب على نفسه الغضب، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا،
ولم يسع كل شيء غضبًا وانتقامًا، فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب
وما كان منهُ وآثاره، فوجود ما كان بالرّحمة أحب إليه من وجود ما كان من لوازم الغضب،
ولهذا كانت الرّحمة أحب إليه من العذاب والعفو أحب إليه من الانتقام فوجود محبوبه أحب
إليه من فوات مكروهه. [ الفوائد لابن القيم ]
• ومن رحمة ﷲ الوقاية من السيئات: قال تعالى:
﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾..
ووقاية السيئات أعظم علامات رحمة الله ومعنى
الوقاية منها عدم الوقوع فيها ابتداءً، فإن وقع العبد فيها فتكون الرحمة بتيسير توبته
منها وقبولها، وبالتالي عدم معاقبته بها في الدنيا أو الآخرة.
وقال ربنا في ختام الآية: ﴿وَذَٰلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
إشارة إلى رحمة الرب التي ترتَّبت على وقاية
العبد من السيئات، وكلمة: ﴿وَذَٰلِكَ﴾ توحي بالبُعد، إشارة إلى بُعْدِ وعلوِّ درجة
هؤلاء الذين وقاهم ﷲ سيئاتهم، ففازوا عاجلًا وآجلًا. [د. خالد أبو شادي: هنيئًا لمن
عرف ربه]
أسباب الرحمة الخاصة: أو موجبات الرحمة
فقد سأل النبى -ﷺ- ربه فقال: "اللهم إنى أسألك موجبات
رحمتك". يعنى الأقوال والأفعال والصفات التى تحصل بسببها رحمة الله
فالله أوجب على نفسه الرحمة لمن تعرض لأسبابها
فهذا كرم إلهى وفضل رباني.
وهذه بعض الأحاديث لبعض موجبات الرحمة:
قول الخير أو السكوت عن السوء، يقول النبى
-ﷺ- رحم الله عبدًا قال خيرًا فغنم أو سكت
عن سوء فسلم".
* سماع القرآن من أهم موجبات رحمته، قال تعالى:
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا
يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ٨٢]، فقراءة القرآن رحمة، وتدبُّر
القرآن رحمة، وكل تعلَّقٌ للمؤمن بكتاب الله جلَّ وعلا مستوجبٌ لنزول الرحمة.
* ومما تُسْتَنْزَلُ به رحمةُ الله على عبده
تلاوتُه القرآنَ الكريم، والإنصاتُ إليه إذا قرئ، والعملُ به؛ فالقرآنُ رحمةٌ، وقارئُه
مرحومٌ، والمنصتُ إليه مرحومٌ، إذا هما عملا به؛ قال تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ
مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأنعام: ١٥٥
وقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
* صلاة أربع ركعات قبل العصر، قال رسول الله
-ﷺ-: «رَحِم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا»
(رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني)، وهي ليست من السُنن المؤكدة، لكن تُستنزل بها
الرحمات.
* عيادة المرضى، عن جابر قال: قال رسول الله
-ﷺ-: «من عاد مريضًا لم يزل يخوض الرحمة حتى
يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها» (رواه مالك وأحمد وصححه الألباني).
* المعاملة الطيبة والسماحة في البيع والشراء
"رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا
اشترى سمحًا إذا قضى وسمحًا إذا اقتضى".
* العفو عن المدين "رحم الله عبدًا كانت
لأخيه عنده مظلمة فى نفس أو مال فأتاه فاستحلً منه قبل أن يُؤخذَ من حسناته فإن لم
يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبه فتوضع فى سيئاته".
* قيام الليل وإيقاظ امرأته تصلي معه
"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ
امرأته فصلت فإن أبت نضح فى وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت
زوجها فصلى فإن أبى نضحت فى وجهه الماء".
* طاعةُ الله وطاعةُ رسولهِ -ﷺ- بفعل ما أمرَ اللهُ به ورسولُه واجتنابِ
ما نهى عنهُ اللهُ ورسولُه، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ}.
* اتقاءُ الشركِ واجتنابُه، قال تعالى {وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال ابن عباس: يعني
سأكتبها للذين يتقون الشرك.
* إقامةُ العبد للصلوات الخمس والمحافظةُ
عليها وإيتاؤهُ الزكاة إن وجبت عليه قال تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
* موالاةُ المؤمنين، ومحبتُهم، ونصرتُهم في
الحق بالحق، والقيامُ بالأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر وِفْقَ ما شرع الله، قال
الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله
عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
* كثرةُ الاستغفارِ مع الصدق فيه، فالاستغفارُ
مفتاحُ أبوابِ الرحماتِ والبركاتِ في الدنيا والآخرة، قال تعالى في قصة صالح: {قَالَ
يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ
الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ومِن تفاصيلِ هذه الرحمةِ المرتّبة على الاستغفارِ مغفرةُ
الذنوب، ورفعُ العذاب، ووفرةُ الأرزاق، وقوةُ الأجساد، وحصولُ الأولاد.
* السعيُ في الصلحِ بين المؤمنينَ عند حدوثِ
التنازعِ والخصوماتِ بينهم قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
* أن يصبرَ عند نزولِ المصائب، فلا يقولُ
ولا يفعلُ إلا ما يُرضي الله، قال تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا
أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
* ومن أسباب رحمة الله بعبده أن يرحم العبدُ
الخلقَ قال رسول الله -ﷺ- “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهمُ الرَّحمنُ،
ارحَمُوا أهلَ الأرضِ يَرْحْمْكُم مَن في السّماء” أي ارحموا من تستطيعون رحمته من
مسلم وكافر وبر وفاجر وإنسان وحيوان كلٌّ بما يناسبه من صور الرحمة، فمَن رَحمهم رحمهُ
الله “ومن لا يَرحم لا يُرحم”.
* المكوث في المسجد، قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها،
ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما
لم يُحدِث» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
* الإحسان: فالإحسان يبدأ من الإتقان وتجويد
العمل، ويصل إلى المنزلة العظمى من منازل الإيمان وهي: أن تعبد الله كإنك تراه، كما
جاء في حديث جبريل حينما سأل النبي -ﷺ- عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك
تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه مسلم)، وهذه المنزلة العظمى تقتضي مراقبة الله
جلَّ وعلا في السر والعلن، فإن كنت تريد أن تتنزل عليك الرحمة: راقب قلبك وحالك في
الخلوات، فإن كنت مستقيم الحال في خلوتك، فاعلم أن هذا من أعظم أسباب استنزال الرحمة
عليك.
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ
حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ
عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا
إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ
حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ
عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا
إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط،
ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان...
كيفية الفوز بالرحمة الخاصة
أول الأسباب هي أن الله يتغمد المسلم برحمته
لكي يفوز المسلم برحمة الله الخاصة في يوم القيامة، والدليل على ذلك من القرآن قال
الله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: ١٠٧]،
وأما من السنة، فقد روى أبو هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: “لن يُدخلَ أحدًا منكم عملُه الجنةَ،
قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة” [مسلم
٢٨١٦، والبخاري ٥٦٧٣]، ولا تأتي هذه الرحمة إلا لمن منّ الله عليه بالهداية، وعمل بالدنيا
واجباته التي فرضها الله عليه، ومنها القيام بالفرائض، وقال الله تعالى في كتابه مبينًا
هذه المسألة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ} [النور: ٥٦]،
هذه بعضُ أسباب الرحمة؛ فاحرصوا على سائر
أسبابها، تعلّموها واعملوا بها، فمَن رحمهُ الله غفرَ له ما مضى من ذنبهِ، وحفظَهُ
فيما يَستقبِلُ من عمرهِ، وأسعدَه في دنياهُ وقبرِه، وبعدَ إحيائهِ ونشرِه.
كيف ندعو الله باسميه الرحمن الرحيم؟
١- اثن على الله عزَّ وجلَّ في كل حالك وأكثِر
منه بين الخلائق، فتتحدث بنعمته ورحمته عليك، وتقول: يا لرحمة الله، وافرح برحمة الله
تعالى: إذا تنزلت عليك، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:٥٨].
٢- أن يُكثر العبد من سؤال ربِّه الرحمة، فيقول:اللهم
ارحمني، اللهم ارحمني. فإذا دعوت الله، فاعزم في الدعــاء ولا تتردد، قال رسول الله
-ﷺ-: «إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي
إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له»
(رواه البخاري)، اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.