أمك أو أبوك ماتا غضبا عليك فماذا
تفعل؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وعلى آله وصحبه، أما بعد:
ماذا تفعل؟ (التصرف الشرعي والإنساني)
إذا مات الوالدان أو أحدهما وهو غاضب، فإن
باب البر لا يغلق، وواجبك هو السعي في "الصلح" بعد الموت:
عن مالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي بينا نحن عند رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاءه رجلٌ من بني سَلمةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هل بَقِيَ مِن بِرِّ أَبَويَّ شيءٌ أَبَرُّهما به بعد موتِهما؟ قال: نعم، الصَّلاةُ عليهما ، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عَهدِهما من بعدِهما، وصِلةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلَّا بهما، وإكرامُ صديقِهما"(أبوداودوابن ماجه وأحمد).
كثرة الاستغفار والصدقة: الاستغفار لهما
(اللهم اغفر لأمي وأبي) والصدقة عنهما، فإنها تطفئ غضبهما وترفع درجاتهما.
إنفاذ العهد: تنفيذ وصيتهما، والوفاء بعهودهما،
وسداد ديونهما.
صلة الرحم والأصدقاء: صلة الرحم التي لا
تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما، فهذا من أعظم البر.
الدعاء والندم الصادق: الانكسار بين يدي
الله والاعتراف بالتقصير، والطلب من الله أن يرضيهما عنك، فالله كريم يغفر ويرضي.
فمن مات على الإيمان, وكانت ذريته وأبوه وأمه وزوجه من أهل الإيمان أيضًا، فقد وعده الله عز وجل بأن يجمعهم معه في الجنة، وسيلحق أسفلهم بأعلاهم درجة في الجنة, كما قال الله سبحانه:"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ"(الطور:21).
وقال في الآية الأخرى: "ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ "(الزخرف:70).
وقال في دعاء الملائكة للمؤمنين: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "(غافر:8).
وقال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ"(الرعد:22-23).
قال ابن كثير في تفسيره: أي يجمع بينهم
وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين
لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانًا من الله وإحسانًا
من غير تنقيص للأعلى عن درجته، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ
ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ. انتهى.
وروى البيهقي في سننه عن عمرو بن مرة قال:
سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ
بِإِيمَانٍ قال: قال ابن عباس - رضي الله عنه -: المؤمن يلحق به ذريته ليقر الله بهم
عينه، وإن كانوا دونه من العمل. انتهى. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس في
قوله: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قال:إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته
في الجنة, وإن كانوا دونه في العمل. وسكت عنه الذهبي.
ونقل ابن القيم في حادي الأرواح عن ابن
عباس حديثًا موقوفًا ومرفوعًا قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده،
فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق
بهم، ثم تلا ابن عباس: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ
أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ. اهـ.
فإن الآية الكريمة تدل على أن الذرية يلحقون بآبائهم في درجاتهم، ويرفعون في درجاتهم، وإن لم يكن عملهم كعمل آبائهم.
والآية لا يقصد
بها الأب دون الأم, وإنما يقصد بها كل الذين آمنوا - من ذكور وإناث - وكلمة الذين يدخل
فيها الآباء والأمهات.
وهذا فضلاً عظيماً من الله تعالى؛ حيث يرفع
منزلة ذرية المؤمنين المؤمنين (أبناء، أحفاد) ليساووهم في الدرجات العالية بالجنة،
تكرمةً للآباء، حتى لو كانت أعمال الذرية أقل درجة، دون أن ينقص ذلك من أجر الآباء
شيئاً.