كل خاطب كاذب فلما نقنن قوانين لفسخ عقد الزواج؟
المبالغة: الطرفان (الخاطب والمخطوبة) قد يبالغان في إظهار الصفات الحسنة، ويخفيان العيوب.
يروى أن سليمان بن داود عليه السلام مرّ بعصفور يدور حول عصفورة، وكان عليه السلام يفهم منطق الطير، فقال لأصحابه:
أتدرون ما يقول؟
قالوا: وما يقول يا نبي الله؟
قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: زوجيني أسكنك
أي غرف دمشق شئت!
قال سليمان عليه السلام: (لأن غرف دمشق
مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها أحد، ولكن كل خاطب كذاب" (رواه البيهقي وابن عساكر).
ن الكذب مرفوض، ولا يمكن أن تقوم الحياة على الكذب، ولكننا بحاجة إلى معرفة نوع الكذب، وكانت العرب تقول: الخاطب كذاب؛ لأنه يظهر لخطيبته ما ليس فيه، كما أن المخطوبة تظهر له ما ليس عندها.
هنا تتجلى عظمة الشريعة التي تبنى على الحقائق، وتجعل الدين والأخلاق مقياساً ومعياراً، وتتيح لكل طرف أن يبحث ويسأل ويتأكد، فإذا كنتم قد سألتم وتأكد لكم صلاح الشاب، ووجدت في نفسك ميلاً إليه وقبولاً به، ووجد في نفسه مثل ذلك فإننا نردد الحديث، (لم ير للمتحابين مثل النكاح) ونرجو أن تعلم الفتاة بأنها لن تجد رجلاً بلا عيوب، كما أنها ليست خالية من النقائص، فمن الذي ما ساء قط؟ * ومن له الحسنى فقط؟
ليس هناك أحد يصل لحد الكمال فالكمال لله وحده
من الضروري أن يوقن الجميع أننا لن نجد شاباً ولا فتاة ليس فيهما نقص ولا في أسرتيهما إشكالات، ولذلك الواقعية مطلوبة، وأنت سوف تتزوجين بالشاب وليس بأهله، وعلى الرجل أن يحسن التعامل مع أهل زوجته، كما أن عليها أن تصبر على أهله، ومن أجل عين تكرم ألف عين.
عندما تكون الظروف صعبة لا بد من تنازلات، والحياة الزوجية الناجحة فيها تضحيات، ونحن نقدر رغبة الأهل في أن يكون زواج ابنتهم مميزاً وحافلاً، ولكن التكاليف الباهظة والمهور الغالية ما هي إلا أشواك في طريق الأسرة؛ لأنها تدخل الرجل في ديون ويذهب الناس بعد الفرح، ويبقى الرجل مع زوجته ويتذكر ديونه، والدين هم بالليل وغم بالنهار، فكيف تتحقق السعادة؟
أباح الإسلام الكذب علي الزوجة بضوابط لاستدامة العشرة
نعم، أباح الإسلام في حالات محددة وبضوابط دقيقة كذب الزوج على زوجته (وكذلك كذب الزوجة على زوجها) من أجل استدامة العشرة، وإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب، وليس على إطلاقه، وذلك استناداً إلى ما روي عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: "لَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ أَنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" [صحيح مسلم 0.5.2].ضوابط إباحة الكذب لاستدامة العشرة:فيما يوجب الألفة والمودة: أن يكون في حدود إظهار الحب والود، كأن يقول لها "أنتِ أجمل النساء" أو "أنا أحبك أكثر من أي شيء"، حتى لو كان في قلبه غير ذلك.ألا يضيع حقاً: لا يجوز الكذب إذا كان يترتب عليه ضياع حق للزوجة (مثل النفقة أو المبيت) أو حق للزوج (مثل الأمانة أو الحقوق المالية).ألا يكون غطاءً للحرام: لا يباح الكذب إذا كان وسيلة لأكل أموال الزوجة، أو التستر على معصية، أو ظلم.المعاريض أولى: يفضل أهل العلم استخدام "المعاريض" (وهي أن يقصد المتكلم كلاماً يفهم منه السامع شيئاً آخر غير الحقيقة) بدلاً من الكذب الصريح، ففيها مندوحة عن الكذب الصريح.خلاصة القول:الكذب الذي أباحه الشرع هو ما كان فيه إصلاح للمودة وزيادة في المحبة، وتجنب للنزاع والفرقة، وليس الكذب الذي يظلم أحدهما الآخر أو يسقط الحقوق.
أسباب فسخ النكاح
ففسخ النكاح له أسباب متعددة منها:
1- وجود عيب منفر بأحد الزوجين,
2- إعسار الزوج بالنفقة بحيث يعجز عن توفير الحاجات الضرورية أو الحاجية لزوجته من مطعم وملبس ونحو ذلك، فحينئذ يحق للزوجة الفسخ على الراجح,
3- أن يكون النكاح قد وقع باطلا من أصله, كأن يكون العقد قد وقع بغير ولي ولا شهود, أويكون الرجل قد تزوج بإحدى محارمه كأخته من الرضاع مثلا،
4- إباء أحد الزوجين الدخول في الإسلام بعد دخول الآخر فيه, جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: لكن الفرقة بسبب إباء الزوجة فسخ بالاتفاق، أما الفرقة بسبب إباء الزوج فهي فسخ في رأي الجمهور ومنهم أبو يوسف، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومحمد. انتهى.
5- خيار البلوغ لأحد الزوجين عند الحنفية، إذا زوجهما في الصغرغير الأب والجد,
7- ردة الزوجين معا أو أحدهما: فإذا حصلت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح قولا واحدا, أما إن حصلت الردة بعد الدخول فإنه يفرق بينهما ويوقف النكاح إلى انتهاء العدة، فإن رجع المرتد فهو على نكاحه وإن لم يرجع انفسخ النكاح.
مع التنبيه على أن كل موطن حصل فيه الخلاف بين الفقهاء كخيار العيب مثلا: فإن الفسخ يتوقف فيه على حكم الحاكم, أما المواطن التي اتفق على فسخ النكاح فيها كزواج الرجل من أخته في الرضاعة مثلا, فلا يتوقف الفسخ على ذلك.
لا نبرر للرجل عدم الصدق، ولا نوافق على ما يسميه الناس الكذبة البيضاء؛ لأنه ليس في الكذب أبيض بل الكذب سواد وظلمة، ولا مانع من الوعد الجميل، والقول الميسور، وانتظار الفرج من الله.
هذه وصيتنا للجميع بتقوى الله، ثم بكثرة
اللجوء إليه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، ونؤكد ما قلتيه، فإن البركة والخير
في يسر المهر، ولو كانت المبالغة في المهور مكرمة لسبقنا إليها رسولنا -صلى الله عليه
وسلم-، وسلف الأمة الكرام، ونذكرك بأهمية الاستخارة، وبأن المؤمنة تستشير وتستخير،
والاستخارة هي طلب الدلالة إلى الخير ممن بيده الخير سبحانه وتعالى.
نسأل الله أن يقدر لكما الخير، وأن يجمع
بينكما على الخير، وأن يلهمكم السداد والرشاد.