التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ التَّرَابُطَ الْأُسَرِيَّ هُوَ الْأَسَاسُ الْمَتِينُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ، وَهُوَ السُّورُ الْحَصِينُ الَّذِي يَحْفَظُ الْأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالضَّيَاعِ، فَإِذَا تَمَاسَكَتِ الْأُسْرَةُ وَسَادَ بَيْنَ أَفْرَادِهَا الْوُدُّ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّعَاوُنُ، نَعِمَ الْمُجْتَمَعُ بِالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ التَّرَابُطَ الْأُسَرِيَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، فَأَمَرَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى تَعْزِيزِ هَذَا التَّرَابُطِ فِي ظِلِّ مَا نَرَاهُ مِنْ تَفَكُّكٍ أُسَرِيٍّ وَقَطِيعَةٍ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، فَبِالتَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ وَالتَّسَامُحِ وَالتَّغَافُلِ عَنِ الزَّلَّاتِ تَبْقَى الْأُسَرُ مُتَمَاسِكَةً، وَتَنْشَأُ الْأَجْيَالُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالِاحْتِرَامِ. فَالتَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ، وَقُوَّتُهُ، وَسَبَبُ اسْتِقْرَارِهِ، وَبِفَقْدِهِ تَضْعُفُ الْعَلَاقَاتُ، وَتَتَفَكَّكُ الْأُسَرُ، وَتَكْثُرُ الْمَشْكِلَاتُ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْحِرْصِ عَلَى تَمَاسُكِ الْأُسَرِ، فَفِي ذَلِكَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
إِنَّ وُقُوعَ الْخِلَافِ سُنَّةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَوُجُودُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَمْرٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَهُ، وَأَنْ نَتَجَاوَزَهُ، وَأَنْ نَلْتَقِيَ عِنْدَ نُقْطَةِ اتِّفَاقٍ تَقْطَعُ النِّزَاعَ؟
لَقَدْ أَكَّدَ الْقُرْآنُ عَلَى وَصِيَّةٍ جَلِيلَةٍ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34]. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بِالنُّصْحِ وَالتَّوْجِيهِ وَالتَّعْلِيمِ مَرَّةً وَاثْنَتَيْنِ وَعَشْرًا، وَلَا تَمَلُّوا مِنْ ذَلِكَ.
﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ﴾ بِأَنْ تُوَلِّيَهَا
ظَهْرَكَ عَلَى الْفِرَاشِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْخِلَافُ بَيْنَكُمَا، حَتَّى الْأَوْلَادُ
فِي الْبَيْتِ. ﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُؤْذِيَةِ، بَلْ عَلَى
مَعْنَى الزَّجْرِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِ الرِّضَا. وَلْيَجْعَلْ كُلٌّ مِنْكُمَا
الْحَسَنَاتِ شَافِعَةً لِلسَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: «فَلْيَهَبْ سَيِّئَاتِهَا
لِحَسَنَاتِهَا َخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ
بِالْحَسَنَاتِ». وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ
مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ».
فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ الْآخَرِ، حَتَّى فِي حَالَةِ
كُرْهِهِ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْوَفَاءِ وَلَا مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ أَنْ تُنْسِيَ
هَفْوَةٌ وَاحِدَةٌ سَنَوَاتٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْإِحْسَانِ، أَوْ أَنْ تُطْمِسَ
زَلَّةٌ عَابِرَةٌ مَحَاسِنَ كَثِيرَةً وَفَضَائِلَ جَمَّةً. قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ
كَرِهَهُ الْإِنْسَانُ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ خَيْرًا، وَكَمْ مِنْ صِفَةٍ لَمْ تُعْجِبْ
أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ فِي صَاحِبِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَعَ الْأَيَّامِ أَنَّ
وَرَاءَهَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَذُرِّيَّةً صَالِحَةً، وَبَيْتًا
مُسْتَقِرًّا. فَالْعَاقِلُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْعُيُوبِ فَقَطْ، بَلْ يُوَازِنُ
بَيْنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَسَاوِئِ، وَيَتَذَكَّرُ أَيَّامَ الْوِفَاقِ عِنْدَ وُقُوعِ
الْخِلَافِ، وَأَيَّامَ الْإِحْسَانِ عِنْدَ حُلُولِ التَّقْصِيرِ، فَبِذَلِكَ تَدُومُ
الْمَوَدَّةُ، وَتَسْتَقِرُّ الْأُسْرَةُ، وَيَسْعَدُ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ. وَتَذَكَّرُوا
أَيُّهَا الْأَخْيَارُ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَمَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ
إِلَّا كَرِيمٌ، وَمَا أَهَانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ.
فَالْخَيْرِيَّةُ الْحَقَّةُ لَيْسَتْ فِي حَالِ الرِّضَا فَقَطْ، بَلْ فِي وَقْتِ الْغَضَبِ أَيْضًا، فَعِنْدَ الْغَضَبِ تَظْهَرُ مَعَادِنُ الرِّجَالِ، وَيُعْرَفُ صَاحِبُ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ» عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». فَمِيزَانُ الْخَيْرِيَّةِ لَيْسَ فِي حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الْبُعَدَاءِ وَالْمُجَامَلَةِ لِلنَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ وَالطُّرُقَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ طَبَائِعِهِمْ وَأَخْطَائِهِمْ. صُونُوا بُيُوتَكُمْ مِنَ الضَّيَاعِ، وَابْنُوا أُسَرَكُمْ عَلَى السِّتْرِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَصُونُوهَا عَنِ الْعُيُونِ وَعَنِ التَّدَخُّلِ وَعَنِ إِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ، وَتَحَلَّوْا بِالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَطَلَبِ الْمَعَاذِيرِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ إِذَا فُقِدَ فِيهَا السِّتْرُ ضَاعَ فِيهَا الْأَمَانُ، وَإِذَا غَابَتْ عَنْهَا الرَّحْمَةُ تَفَكَّكَتِ الْعَلَاقَاتُ وَتَشَتَّتَتِ الْأُسَرُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَضَلَّ يَوْمَهُ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ الَ: فَيَجِيْءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأتهُ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يتَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَجِيْءُ هَذا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيهِ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيجِيءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشَرَكَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيجِيْءُ هَذَا فَيَقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قتَلَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أنتَ، وَيُلْبِسهُ التَّاجَ». فَفِي هَذَا التَّحْذِيرِ الْبَالِغِ إِشَارَةٌ إِلَى خُطُورَةِ تَفْكِيكِ الْبُيُوتِ، وَخُصُوصًا بِالطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ بَابِ سُوءِ الْفَهْمِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ وَتَضْخِيمِ الْخِلَافِ. فَالْعَاقِلُ مَنْ حَفِظَ بَيْتَهُ، وَسَتَرَ أَهْلَهُ، وَرَاعَى حُقُوقَهُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، وَقَدَّمَ الْمَحَبَّةَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَالْعَفْوَ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ، فَبِذَلِكَ تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ وَتَطِيبُ الْبُيُوتُ وَتَسْعَدُ الْأُسَرُ. لذا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ - أَصَالَةً - أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا لِزَوْجِهِ، آمِرًا لَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْحُسْنَى، مُرَبِّيًا لَهَا عَلَى الطَّاعَةِ، مُعِينًا لَهَا عَلَى الْخَيْرِ، صَابِرًا عَلَى التَّوْجِيهِ وَالتَّذْكِيرِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ الصَّالِحَةَ إِنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ قَبْلَ حُقُوقِ الْعِبَادِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]. وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى حَقِّ زَوْجِهَا، وَأَنْ تُحْسِنَ مُعَاشَرَتَهُ، وَلَا تُهْمِلَ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِهِ وَحَاجَاتِهِ بِمَا يَسْتَطِيعُهُ الْعُرْفُ وَالْمَعْرُوفُ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ قِوَامُهَا عَلَى التَّوَادِّ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّفَاهُمِ وَالْوَفَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُطِيعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ». فَهَذَا مِيزَانُ الْبَيْتِ السَّعِيدِ: سُرُورٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَطَاعَةٌ فِي الْمَعْرُوفِ، وَأَمَانَةٌ فِي الْغَيْبِ، فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي اسْتَقَامَتِ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ، وَسَادَتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَصَلَحَ الْبَيْتُ وَصَلَحَ بِصَلَاحِهِ الْمُجْتَمَعُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَهْلِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قَائِمَةً عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، فَبِذَلِكَ تَدُومُ الْمَحَبَّةُ، وَتَسْعَدُ الْأُسَرُ، وَيَقْوَى بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ.
يَا شَاكِيًا هَمَّ الْحَيَاةِ وَضِيقَهَا****
أَبْشِرْ بِخَيْرٍ فَرَبُّكَ قَدْ أَبَانَ الْمَنْهَجَ
مَنْ يَتَّقِ الرَّحْمَنَ جَلَّ جَلَالُهُ*****
يَجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِين
عِبَادَ اللهِ: عِنْدَمَا يُرْسَلُ رُوَّادُ الْفَضَاءِ إِلَى الْفَضَاءِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى سَطْحِ كَوْكَبٍ مَا؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَرْتَدِي "بَذْلَةً فَضَائِيَّةً" قَوِيَّةً مُقَاوِمَةً لِلْعَوَامِلِ الْخَارِجِيَّةِ الْقَاسِيَةِ؛ مِنْ بُرُودَةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ حَرَارَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، أَوْ ضَغْطٍ جَوِّيٍّ، كُلَّمَا كَانَتْ صُلْبَةً قَوِيَّةً شَدِيدَةَ الْمُقَاوَمَةِ كُلَّمَا كَانَ رَائِدُ الْفَضَاءِ دَاخِلَهَا فِي أَمَانٍ، وَبِدُونِ هَذِهِ "الْبَذْلَةِ" يَمُوتُ رَائِدُ الْفَضَاءِ فِي جُزْءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأُسْرَةُ هِيَ حِصْنٌ حَصِينٌ لِأَفْرَادِهَا، وَكُلَّمَا كَانَتْ مُتَمَاسِكَةً مُتَرَابِطَةً قَوِيَّةً؛ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ حِمَايَةً لِأَبْنَائِهَا ضِدَّ التَّيَّارَاتِ الْعَفِنَةِ وَالْمَسَالِكِ الْمُنْحَرِفَةِ وَالْمُغْرِيَاتِ الْمُتَعَدِّدَةٍ، وَبِدُونِهَا يَضِيعُ أَفْرَادُهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِذَا أَرَدْتُمْ -وَأَظُنُّكُمْ تُرِيدُونَ- أَنْ تَجْعَلُوا مِنْ أُسَرِكُمْ أُسَرًا مُتَوَاصِلَةً مُتَمَاسِكَةً؛ فَأُبَشِّرُكُمْ أَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهَا؛ كَانَ مَا تَتَمَنَّوْنَ، وَمِنْهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا: الَاجْتِمَاعُ عَلَى دِينِ اللهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الِاجْتِمَاعُ الْأُسَرِيُّ، وَالتَّرَابُطُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَالتَّوَاصُلُ فِيمَا بَيْنَهَا قَائِمًا عَلَى الْوَازِعِ الدِّينِيِّ الَّذِي أَفْلَحَ الْأَبَوَانِ فِي زَرْعِهِ دَاخِلَ أَفْرَادِهَا؛ فَالِابْنُ لَا يَعْصِي أَبَوَيْهِ، بَلْ يَتَفَانَى فِي طَاعَتِهِمَا؛ لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ وَيَجْزِي بِهَا الْجَنَّةَ، وَلِأَنَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ كَبِيرَةٌ تُدْخِلُ صَاحِبَهَا النَّارَ. وَالْوَالِدَانِ بِدَوْرِهِمَا لَا يُقَصِّرَانِ فِي حُقُوقِ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُمَا رَاعِيَانِ فِي بَيْتِهِمَا، وَسَيَسْأَلُهُمَا اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ رَعِيَّتِهِمَا، وَالْأَخُ لَا يَظْلِمُ أُخْتَهُ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ مُحَرَّمٌ، وَلِأَنَّ الظَّالِمَ تُجَابُ فِيهِ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ
وَهَكَذَا يَعْمَلُ "الْوَازِعُ الدِّينِيُّ" عَلَى حُسْنِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، إِنَّهُ تَوَاصُلٌ تَحْتَ رَايَةِ الدِّينِ وَتَحْتَ عِنَايَةِ اللهِ، فَتَخَيَّلْ كَيْفَ يَكُونُ!
وَهَذَا التَّوَاصُلُ الَّذِي يَحُوطُهُ الدِّينُ يَحْمِي أَصْحَابَهُ مِنْ كُلِّ أَسْبَابِ الِانْهِيَارِ الْأُسَرِيِّ؛ كَالتَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمُصَاحَبَةِ أَصْدِقَاءِ السُّوءِ، وَضِيَافَةِ الْمُنْحَرِفِينَ الْفَاسِقِينَ؛ فَأَمَامَ أَعْيُنِهِمْ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ بَلَاءٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ"، بَلْ هُمْ يُؤْمِنُونَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
ثَانِيًا: الِالْتِزَامُ بِالْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ: بِمَعْنَى أَنْ تُقُسَّمَ الْمَسْئُولِيَّاتُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ فَرْدٍ حُقُوقَهُ وَوَاجِبَاتِهِ تَبَعًا لِمَوْقِعِهِ فِي الْأُسْرَةِ، وَيَلْتَزِمَ بِأَدَائِهَا عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ؛ فَالْأَبُ عَلَيْهِ الْحِيَاطَةُ وَالْحِمَايَةُ وَالنَّفَقَةُ وَالْإِشْرَافُ وَالتَّقْوِيمُ وَالْقِيَادَةُ، وَالْأُمُّ عَلَيْهَا الرِّعَايَةُ وَالْخِدْمَةُ وَصِيَانَةُ صِحَّةِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَكَذَا كُلُّ ابْنٍ وَكُلُّ بِنْتٍ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ مِنَ الْمَسْئُولِيَّاتِ مَا يُنَاسِبُ عُمُرَهُ وَمَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَأَوَّلُهَا مُتَابَعَةً مُقَرَّرَاتُهُمُ الدِّرَاسِيَّةُ، وَهَذَا يَضْمَنُ التَّرَابُطَ الْقَوِيَّ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ؛ إِذْ كُلٌّ مِنْهُمْ يَشْعُرُ أَنَّهُ فِي احْتِيَاجٍ إِلَى مَا يُقَدِّمُهُ الْآخَرُ، وَأَنَّهُ سَيَقَعُ فِي الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مِنْ دُونِهِ، وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا تُرُوسٌ فِي آلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِنْ تَعَطَّل مِنْهَا وَاحِدٌ فَسَدَتِ جَمِيعهَا.
ثَالِثًا: الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ: تِلْكَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- حِينَ قَالَ: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[النساء: 19]؛ فَيَكُونُ أَسَاسُ التَّعَامُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ هُوَ الِاحْتِرَامُ وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّغَاضِي عَنِ الزَّلَّاتِ وَعَدَمُ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ وَالثَّنَاءُ عِنْدَ الْإِحْسَانِ؛ فَيَحْذَرُ الْوَالِدَانِ مِنْ كَثْرَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّأْنِيبِ لِأَوْلَادِهِمَا، وَيَحَذَرُ الْأَوْلَادُ مِنْ مُرَاجَعَةِ أَوَامِرِ الْوَالِدَيْنِ وَالتَّبَاطُؤِ فِي تَنْفِيذِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يُنْتِجُ فِي الْبَيْتِ بَرَكَةً وَتَآلُفًا وَتَفَاهُمًا، وَهُوَ خَيْرُ سَبِيلٍ لِحُسْنِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَكَمَا يُقَالُ: "جَمَعَ حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
رَابِعًا: الْوُقُوفُ يَدًا وَاحِدَةً فِي وَجْهِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تَعْتَرِضُ طَرِيقَ الْأُسْرَةِ: فَالدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَلَا تَخْلُو مِنْ كَدَرٍ؛ وَلَنْ تَخْلُوَ الْأُسْرَةُ مِنْ مَرَضٍ يُصِيبُ أَحَدَ أَفْرَادِهَا، وَالْوَاجِبُ عِنْدَهَا أَنْ يَحُوطَهُ بَاقِي أَفْرَادِ أُسْرَتِهِ بِالْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ وَالرِّعَايَةِ، وَقَدْ تُصِيبُ رَبَّ الْأُسْرَةِ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ وَعِوَزٌ، وَعِنْدَهَا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ الْجَمِيعُ صَفًّا وَاحِدًا لِتَجَاوُزِ الْأَزْمَةِ مُتَكَاتِفِينَ مُتَآزِرِينَ، وَتِلْكَ غَايَةٌ سَامِيَةٌ مِنْ غَايَاتِ التَّوَاصُلِ وَالتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ.
خَامِسًا: مُشَارَكَةُ الْأَحْزَانِ وَالْأَفْرَاحِ؛
فَيَأْلَمُ الْجَمِيعُ لِأَلَمِ الْوَاحِدِ، وَيَفْرَحُ الْجَمِيعُ لِفَرَحِهِ، وَمَا
أَبْلَغَهَا مِنْ وَصِيَّةِ أُمٍّ حَكِيمَةٍ، حِينَ قَالَتْ أُمَامَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ
لِابْنَتِهَا يَوْمَ زِفَافِهَا مُوصِيَةً إِيَّاهَا بِزَوْجِهَا: "ثُمَّ إِياَّكِ
وَالْفَرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا كَانَ مُهتَمًّا، وَالْكَآبَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ
إِذَا كَانَ فَرِحًا!"(ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْدَلُسِيُّ). وَهَذَا الْأَمْرُ
لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَقَطْ، بَلْ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ
الْأُسْرَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّنَا إِنْ نَجَحْنَا فِي صُنْعِ التَّوَاصُلِ الْجَيِّدِ وَالتَّرَابُطِ وَالتَّمَاسُكِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، أَثْمَرَ ذَلِكَ نَجَاحَاتٍ، مِنْهَا:
تَعْزِيزُ ثِقَةِ الْفَرْدِ بِنَفْسِهِ
وَبِمَنْ حَوْلَهُ؛ فَإِنَّ الْفَرْدَ فِي الْأُسْرَةِ الْمُتَوَاصِلَةِ الْمُتَمَاسِكَةِ
يَشْعُرُ بِأَنَّ لَهُ -بَعْدَ اللهِ- "ظَهِيرًا" يُسَانِدُهُ وَيُؤَيِّدُه
وَيُعَزِّزُ مَوْقِفَهُ... وَهَذِهِ هِيَ الثِّقَةُ فِيمَنْ حَوْلَهُ، وَمِنْهَا -بَعْدَ
اللهِ- يَسْتَمِدُّ الْمَرْءُ ثِقَتَهُ فِي نَفْسِهِ؛ فَتَجِدُهُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ
ثَابِتَ الْجَنَانِ مُتَّزِنَ الْخُطُوَاتِ، بِعَكْسِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أُسْرَةٍ مُتَفَكِّكَةٍ
مُتَقَاطِعَةٍ؛ فَإِنَّهُ وَاجِمٌ مُضْطَرِبٌ مُتَرَدِّدٌ خَائِرُ الْعَزْمِ ضَعِيفُ
الْإِرَادَةِ.
وَكَذَلِكَ: تَكْوِينُ شَخْصِيَّةٍ سَوِيَّةٍ، خَالِيَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ النَّفْسِيَّةِ؛ فَحَاجَاتُهُ النَّفْسِيَّةُ مُتَكَامِلَةٌ قَدْ أَشْبَعَتْهَا الْأُسْرَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا، وَالتَّنَاصُحُ دَاخِلَ أُسْرَتِهِ قَدْ أَصْلَحَ مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنْ عُيُوبٍ؛ فَلَا شُعُورَ بِالنَّقْصِ يَعْتَرِيهِ وَيَدْفَعُهُ إِلَى تَصَرُّفَاتٍ سَيِّئَةٍ، وَلَا عُقَدَ تُلْجِئُهُ إِلَى فِعْلٍ مَشِينٍ أَوْ غَرِيبٍ.
وَمِنْهَا: الِاعْتِزَازُ بِالْأُسْرَةِ، وَالِارْتِمَاءُ فِي أَحْضَانِهَا، وَلِمَ يَلْجَأُ إِلَى غَيْرِهَا وَهُوَ يَجِدُ الدِّفْءَ وَالْعِنَايَةَ وَالْحَنَانَ وَالْفَهْمَ؟! إِنَّ أُسْرَتَهُ الْمُتَوَاصِلَةَ الْمُتَرَاحِمَةَ الْمُتَعَاطِفَةَ قَدْ كَفَتْهُ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ تَقْدِيرٍ أَوْ فَهْمٍ أَوْ تَأْيِيدٍ عِنْدَ صَدِيقِ سُوءٍ أَوْ عَلَى مَقْهًى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: التَّفَوُّقُ الدِّرَاسِيُّ، وَالنَّجَاحُ فِي الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ؛ فَكُلُّ طَالِبٍ مُتَفَوِّقٍ فِي دِرَاسَتِهِ، وَكُلُّ شَابٍّ نَاجِحٍ فِي عَمَلٍ نَكْتَشِفُ -فِي الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ- أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أُسْرَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ مُتَرَابِطَةٍ، تَدْعَمُهُ وَتَدْفَعُهُ إِلَى النَّجَاحِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ؛ فَكُلُّ رَاسِبٍ وَفَاشِلٍ وَمُتَعَثِّرٍ تَكْتَشِفُ -فِي الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ أَيْضًا- أَنَّ السَّبَبَ الْأَوَّلَ فِي رُسُوبِهِمْ وَفَشَلِهِمْ وَتَعَثُّرِهِمْ هُوَ أُسْرَتُهُمْ، وَهَذَا وَاقِعٌ مُشَاهَدٌ قَدْ بَلَغَ حَدَّ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: تَكْوِينُ مُجْتَمَعٍ مُسْتَقِرٍّ مُنَاسِبٍ لِقِيَامِ حَضَارَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ؛ فَإِنَّهُ إِنْ صَلَحَ حَالُ الْفَرْدِ صَلَحَتِ الْأُسْرَةُ، وَإِذَا صَلَحَتِ الْأُسْرَةُ صَلَحَ حَالُ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؛ فَإِنَّ الْأُسْرَةَ نَوَاةُ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَصَلَاحُ الْمُجْتَمَعِ هُوَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَاتِ وَرِفْعَةِ الْأُمَمِ.
عِبَادَ اللهِ: ثَمَرَاتُ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ كَثِيرَةٌ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَمْ نَذْكُرْ، وَكُلُّ لَبِيبٍ بِالْإِشَارَةِ يَفْهَمُ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَمْ يَعُدِ التَّوَاصُلُ الْأُسَرِيُّ فِي عَصْرِنَا هَذَا سَهْلًا مَيْسُورًا كَمَا كَانَ فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ؛ فَفِيمَا مَضَى كَانَتْ تَقِلُّ الْمُلْهِيَاتُ وَالشَّوَاغِلُ، وَالَّتِي كَثُرَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَعْتَزُّ بِأُسْرَتِهِ وَعَائِلَتِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الِاعْتِزَازَ تَحَوَّلَ فِي عَصْرِنَا -فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ- إِلَى لَا مُبَالَاةٍ وَعَدَمِ اكْتِرَاثٍ! وَفِيمَا يَلِي نُفَصِّلُ بَعْضًا مِنَ الْعَوَائِقِ الَّتِي تَحُولُ دُونَ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ الْجَيِّدِ، وَنُحَاوِلُ تَقْدِيمَ الْعِلَاجِ لَهَا، وَمِنْهَا:
الْعَائِقُ الْأَوَّلُ: قِلَّةُ الْوَعْيِ بِأَهَمِّيَّةِ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ: مِمَّا يَنْتِجُ عَنْهُ عَدَمُ الِاكْتِرَاثِ بِالتَّوَاصُلِ الْوِجْدَانِيِّ مَعَ الْأَوْلَادِ، وَالِاهْتِمَامُ فَقَطْ بِمَطْعَمِهِمْ وَمَلْبَسِهِمْ وَاحْتِيَاجَاتِهِمُ الْمَادِّيَّةِ دُونَ النَّفْسِيَّةِ، وَهَذَا قُصُورٌ فِي وَاجِبِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقِيَامِ بِمَسْئُولِيَّتِهِمَا تِجَاهَ أَوْلَادِهِمَا؛ فَكَمَا يَحْتَاجُ الْأَطْفَالُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ الِاحْتِيَاجَاتِ الْمَادِّيَّةِ؛ فَإِنَّ لَهُمُ احْتِيَاجَاتٍ أُخْرَى وِجْدَانِيَّةً وَعَاطِفِيَّةً وَرُوحِيَّةً لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الْأُولَى، وَلَا سَبِيلَ لِإِشْبَاعِ تِلْكَ الْاحْتِيَاجَاتِ الْمُهْمَلَةِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ.
الْعَائِقُ الثَّانِي: الِانْشِغَالُ الدَّائِمُ فِي الْعَمَلِ، وَالْكَدُّ لِطَلَبِ الْمَعَاشِ؛ فَالْأُمُّ تَعْمَلُ مِثْلَمَا يَعْمَلُ الْأَبُ، وَالْأَبُ يَعُودُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّبَاحِيِّ لِيَسْتَرِيحَ سَاعَةً وَيَتَنَاوَلَ طَعَامَهُ عَلَى عَجَلٍ، ثُمَّ يُهَرْوِلُ مُسْرِعًا إِلَى عَمَلِهِ الْمَسَائِيِّ، وَالْأُمُّ تَرْجِعُ مِنْ عَمَلِهَا مُتْعَبَةً فَلَا تَجِدُ وَقْتًا لِلرَّاحَةِ حَتَّى تَسْتَعِدَّ لِأَعْمَالِ الْبَيْتِ الْخَاصَّةِ.
وَهَكَذَا تَأَخْذُهُمْ أَشْغَالُ الْحَيَاةِ؛ حَتَّى يُصْبِحَ أَفْرَادُ الْأُسْرَةِ شِبْهَ مُنْفَصِلِينَ، لَا يَكَادُ يُخَاطِبُ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ أَوْ يَلْتَقِي بِهِ! وَهَذَا أَيْضًا خَطَأٌ شَنِيعٌ؛ فَإِنَّ التَّوَاصُلَ الْأُسَرِيَّ عَمَلٌ هُوَ -فِي نَظَرِي- أَهَمُّ مِنْ عَمَلِ الْأُمِّ خَارِجَ الْبَيْتِ، وَأَوْلَى مِنْ عَمَلِ الْأَبِ الْإِضَافِيِّ؛ فَالْوَاجِبُ تَفْرِيغُ بَعْضِ الْوَقْتِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَالتَّوَاصُلُ مَعَهُمْ، وَالِالْتِزَامُ بِيَوْمِ الْإِجَازَةِ، وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِيهِ لِأَيِّ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَإِلَّا صَارَ الْأَطْفَالُ أَيْتَامًا وَأَبَوَاهُمَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ! وَصَدَقَ الْقَائِلُ:
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ *** هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ *** أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا
الْعَائِقُ الثَّالِثُ: التِّلْفَازُ وَوَسَائِلُ
التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَتَجِدُ الْأُسْرَةَ تَسْكُنُ بَيْتًا وَاحِدًا، وَتَجْلِسُ
عَلَى مَائِدَةِ طَعَامٍ وَاحِدَةٍ، وَتَجْمَعُهَا غُرْفَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنْ نَظَرُ
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْصَبٌّ عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ أَوْ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ،
أَوْ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْأُخْرَى؛ فَهُمْ حُضُورٌ بِأَجْسَادِهِمْ
غَائِبُونَ بِانْتِبَاهِهِمْ وَتَرْكِيزِهِمْ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ شَكْلًا وَرَسْمًا
مُتَفَرِّقُونَ حَقِيقَةً وَوَاقِعًا، اجْتَمَعَتْ جُسُومُهُمْ وَتَفَرَّقَتْ قُلُوبُهُمْ!
فَاللهَ اللهَ فِي الْحَذَرِ مِنْ هَذَا الْبَلَاءِ وَالنِّقْمَةِ الَّتِي انْتَشَرَتْ وَاسْتَشْرَتْ، وَكَمْ قَوَّضَتْ مِنْ بُيُوتٍ وَيَتَّمَتْ مِنْ أَطْفَالٍ آبَاؤُهُمْ أَحْيَاءٌ! وَقَدْ نَلْتَمِسُ بَعْضَ الْعُذْرِ لِمَنِ انْشَغَلَ عَنْ أَوْلَادِهِ فِي طَلَبِ الْعَيْشِ، لَكِنْ لَا عُذْرَ أَبَدًا لِمَنِ انْشَغَلَ بِتِلْكَ الْمُلْهِيَاتِ، وَالْمُنْشَغِلُ بِهَا عَنْ أَطْفَالِهِمْ مُقَصِّرٌ مُفَرِّطٌ مُذْنِبٌ، وَمُحَاسَبٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَيَا رَبَّ الْعَالَمِينَ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَاهْدِ قُلُوبَنَا، وَبَصِّرْنَا بِمَا يَنْفَعُنَا، وَارْزُقْنَا الْحِرْصَ عَلَيْهِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَزْوَاجِنَا وَأَوْلَادِنَا، وَلَا تَجْعَلْنَا فِي حُقُوقِهْم مُقَصِّرِينَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنْتَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ