خُطْبَةُ عِيدِ الأَضْحَى المُبَارَكِ
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الأعيادَ في الإسلامِ
مَصْدَرًا للهَنَاءِ والسُّرورِ، الحمدُ للهِ الذي تفضَّلَ في هذه الأيَّامِ العَشْرِ
على كُلِّ عَبْدٍ شَكُورٍ، سُبْحَانَهُ جَعَلَ الأعيادَ في الإسلامِ مَظَاهِرَ شُكْرٍ
وَفَرَحٍ، وَمَوَاسِمَ طَاعَةٍ وَفَلَاحٍ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ
وَالبَاطِنَةِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، القائلُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ
بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ
فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا» (رواه البخاري) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
اللهُ أَكْبَرُ ما قَصَدَ المُسْلِمُونَ
حَجَّ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ. اللهُ أَكْبَرُ ما أَنْفَقُوا الأَمْوَالَ، وَأَتْعَبُوا
الأَبْدَانَ، وَتَرَكُوا الأَهْلَ وَالأَوْلَادَ مِنْ أَجْلِ الرِضْوَانِ اللهُ أَكْبَرُ
ما سَارُوا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَالجَوِّ تَحْفَظُهُمْ عِنَايَةُ المَلِكِ العَلَّامِ.
اللهُ أَكْبَرُ ما عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ اسْتِجَابَةً لِنِدَاءِ الخَلِيلِ
إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. اللهُ أَكْبَرُ ما اكْتَحَلَتْ أَعْيُنُهُمْ بِأَنْوَارِ
بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ. اللهُ أَكْبَرُ ما اسْتَرَاحَتْ أَجْسَادُهُمْ فِي الرَّوْضَةِ
المُحَفَّفَةِ بِالأَنْوَارِ. اللهُ أَكْبَرُ ما حَنَّتْ أَرْوَاحُهُمْ شَوْقًا إِلَى
زِيَارَةِ المُصْطَفَى ﷺ. اللهُ أَكْبَرُ ما سَلَّمُوا عَلَى رَسُولِ
الإِنْسَانِيَّةِ وَالنُّورِ وَالهُدَى. اللهُ أَكْبَرُ خَلَقَ الخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ
عَدَدًا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا. اللهُ أَكْبَرُ ما ذَكَرَهُ
الذَّاكِرُونَ وَهَلَّلَ المُهَلِّلُونَ وَكَبَّرَ المُكَبِّرُونَ. اللهُ أَكْبَرُ
ما ضَحَّى المُسْلِمُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى وَافِرِ الإِحْسَانِ.
اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَنْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْمَرَّاتِ،
وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ مَنْ حَلَقُوا الرُّؤُوسَ تَعْظِيمًا لِرَبِّ الْبَرِيَّاتِ.
اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا. سُبْحَانَ مَنْ قَدَّسَ البَيْتَ وَعَظَّمَهُ، سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ مَكَّةَ
البَلَدَ الحَرَامَ، سُبْحَانَ مَنْ خَصَّهَا دُونَ بِلَادِ الأَرْضِ بِالتَّقْدِيسِ
وَالإِعْظَامِ، سُبْحَانَ مَنْ هَدَى خَلِيلَهُ إِلَيْهَا بَعْدَ طُولِ الشَّوْقِ وَالهَيَامِ،
سُبْحَانَ مَنْ فَجَّرَ زَمْزَمَ إِكْرَامًا لِإِسْمَاعِيلَ، سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَهَا
مَشْرِقَ نُورٍ بَعْدَ ظُلْمَةٍ وَظَلَامٍ، سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَهَا مَهْبِطَ التَّوْحِيدِ
بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْطِنَ الأَصْنَامِ، سُبْحَانَ مَنْ اصْطَفَى رَسُولَهُ مِنْهَا
وَجَعَلَهُ خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
أَنَا لَسْتُ فِي الْحُجَّاجِ يَا رَبَّ
الْوَرَى******لَكِنَّ قَلْبِي بِالْمَحَبَّةِ كَبَّرَا
لَبَّيْكَ مَا نَبَضَ الْفُؤَادُ وَمَا
دَعَا دَاعٍ*****وَمَا دَمْعٌ بِعَيْنٍ قَدْ جَرَى
لَبَّيْكَ أُعْلِنُهَا بِكُلِّ تَذَلُّلٍ*****لَبَّيْكَ
مَا امْتَلَأَتْ بِهَا أُمُّ الْقُرَى
أَيُّهَا السَّادَةُ: عَظِّمُوا شَعَائِرَ
اَللَّهِ، فَإِنَّ تَعْظِيمَ شَعَائِرِ اَللَّهِ مِنْ وَسَائِلَ وَسُبُلِ تَقْوَاهُ،
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
(32)﴾ وَشَعَائِرُ اَللَّهِ هِيَ كُلُّ مَا
جَعَلَ اَللَّهُ تَعَالَى لَهُ حُرْمَةً وَمَنْزِلَةً وَمَكَانَةً زَمَانًا أَوْ مَكَانًا
أَوْ شَخْصًا أَوْ حَالاً فَعَظِّمُوا كُلَّ مَا عَظَّمَهُ اَللَّهِ فَذَلِكَ مِمَّا
يُثْمِرُ تَقْوَاهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ وَتَعْلُو بِهِ اَلْمَنَازِلُ، وَيُدْرِكُ بِهِ
اَلْإِنْسَانُ خَيْرًا عَاجِلاً وَآجِلاً، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)[الحج:30]، يَا مَنْ تُرِيدُونَ الفَلَاحَ فِي دُنْيَاكُمْ
وَآخِرَتِكُمْ، عَلَيْكُمْ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِ رَبِّكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ
وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَلَا تَهْجُرُوا القُرْآنَ حَتَّى يَكُونَ
لَكُمْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَعَلَيْكُمْ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ
وَالِاسْتِغْفَارِ، اجْعَلُوهَا دَائِمًا عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ، فَإِنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ وَاغْتَنِمُوا خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكُمْ قَبْلَ هَرَمِكُمْ،
وَصِحَّتَكُمْ قَبْلَ سَقَمِكُمْ، وَغِنَاكُمْ قَبْلَ فَقْرِكُمْ، وَفَرَاغَكُمْ قَبْلَ
شُغْلِكُمْ، وَحَيَاتَكُمْ قَبْلَ مَوْتِكُمْ. وَاشْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى
نِعَمِهِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ رَبِّكُمْ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
أَيُّهَا السَّادَةُ: اَلْيَوْمَ يَوْمُ
الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ، اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَالْعَفْوُ عَمَّنْ
أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَالْعَفْوُ عَنِ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، فَمَا رَفَعَ اللَّهُ
عَبْدًا بِشَيْءٍ مِثْلَ الْعَفْوِ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا.
اِعْفُوا تَجِدُوا اللَّهَ أَعْفَى، وَاصْفَحُوا تَجِدُوا الرَّحْمٰنَ أَرْحَمَ، وَتَجَاوَزُوا
عَنْ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِيَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْكُمْ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلْيَعْفُوا
وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فَيَا فَوْزَ مَنْ
أَطْلَقَ الْعَفْوَ مِنْ قَلْبِهِ، وَيَا سَعَادَةَ مَنْ بَاتَ وَلَيْسَ فِي صَدْرِهِ
غِلٌّ وَلَا حِقْدٌ وَلَا كَرَاهِيَةٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ، وَ العَفْوُ
خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، ومَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ،
وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ مِنَ النَّاسِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ،
وَهِيَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَسَهْلَةٌ وَمَيْسُورَةٌ، أَمَرَ بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ
بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ وَعَظَمَةِ
الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَوَعْيِ الرُّوحِ وَنُبْلِ
الإنسَانِيَّةِ وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ، وَ العَفْوُ عِبَادَةٌ يُحَرِصُ عَلَيْهَا
دَائِمًا الْأَصْفِيَاءُ الْأَنْقِيَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ
وَالْمَشَاعِرِ الْفَيَّاضَةِ، وَالْعَفْوُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا،
وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ بِأَنَّهُ عَفُوٌّ قَدِيرٌ، كَرِيمٌ حَلِيمٌ، فَلَقَدْ عَفَا
عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَمَا عَبَدُوا العِجْلَ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ ثُمَّ
عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البَقَرَةِ:
52]،وَالْعَفْوُ صِفَةٌ اتَّصَفَ بِهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ، فَهَذَا
هُوَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَفَا عَنْ إِخْوَتِهِ بَعْدَ ظُلْمِهِمْ لَهُ، فَقَالَ
جَلَّ وَعَلَا حِكَايَةً عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ قَالَ هَلْ
عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا
أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
* قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ
* قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 89 - 92] ، وَ هَذَا هُوَ الْمُصْطَفَى الأَمِينُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَاحِبُ العَفْوِ وَالتَّسَامُحِ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَفَا عَنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ الَّذِينَ حَارَبُوهُ وَطَرَدُوهُ
وَاتَّهَمُوهُ بِالْجُنُونِ وَالشِّعْرِ. وَلَمَّا رَجَعَ فَاتِحًا مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ،
زَادَهَا اللَّهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَوَقَفَ مُخَاطِبًا
قُرَيْشًا وَهُوَ الْقَائِدُ الْمُنْتَصِرُ، فَقَالَ: «مَاذَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ
بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ . أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وَعَفَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنِ الْمُشْرِكِ الَّذِي وَضَعَ السَّيْفَ فِي عُنُقِهِ، وَقَالَ: «مَنْ
يَنْقِذُكَ مِنِّي الآن يَا مُحَمَّد؟» فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «اللَّهُ» فَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «فَبَيْنَمَا نَحْنُ
نِيَامٌ، إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا، فَجِئْنَاهُ،
فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا
نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ
أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَقُلْتُ: اللَّهُ»؛ فَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبِيلَهُ
وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «قَدْ جِئْتُكُمْ
مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ».
وَعَفَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرْأَةِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي وَضَعَتْ لَهُ السَّمَّ فِي الشَّاةِ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا حَمَلَكِ عَلَى أَنْ تُفْسِدِيَهَا
بَعْدَ أَنْ أَصْلَحْتِهَا؟» فَقَالَتْ: «أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا،
فَإِنَّكَ سَتَعْلَمُ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ نَبِيٍّ أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ».
وَعَفَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هِبَارِ بْنِ الأَسْوَدِ،
أَتَدْرُونَ مَنْ هِبَارُ؟ كَانَ سَبَبًا فِي قَتْلِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَوْمَ الْفَتْحِ، هَارِبًا عَلَى فَرَسِهِ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ قَدْ أَهْدَرَ
دَمَهُ، فَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ يَا هِبَارُ كَمَا كُنْتَ، فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ».
وَكَيْفَ لا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199] لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ
الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: «مَا
هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ
يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُوَ عَمَّنْ
ظَلَمَكَ»
وَالْعَفْوُ صِفَةُ اتَّصَفَ بِهَا أَوْلِيَاءُ
اللَّهِ الصَّالِحُونَ، فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ
وَيَقْسِمُ أَلَّا يُنْفِقَ عَلَى ابْنِ خَالَتِهِ مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ
تَكَلَّمَ فِي عَرْضِ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، المُبَرَّأَةِ مِنْ
فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ؛ لَكِنَّهُ تَتَرَاجَعُ وَيَعْفُو عَنْهُ، عَنْ ابْنِ الْخَالَةِ
هَذَا، وَيُعِيدُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
«لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ
-قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ
لِعَائِشَةَ مَا قَالَ»»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النُّور: 22]، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «بَلَى وَاللَّهِ!
إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي»، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ
الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا».
يَا لَهَا مِنْ عَظَمَةٍ! الصِّدِّيقُ يَعْفُو عَنْ مَنْ؟! يَعْفُو عَنْ مَنْ خَاضَ
فِي عِرْضِهِ بَعْدَ أَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ، بَلْ وَيَرْجِعُ مِنْ جَدِيدٍ يَتَصَدَّقُ
عَلَيْهِ، يَا لَهُ مِنْ عَفْوٍ! إِنَّهُ عَفْوُ الْعُظَمَاءِ، فَمَاذَا نَقُولُ لِأَنْفُسِنَا
وَنَحْنُ لَا نُسَامِحُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنَ الأَذَى الَّذِي لَا يَكَادُ
يُذْكَرُ.
وَدِينُنَا أَيُّهَا الأَخْيارُ حَثَّنَا
عَلَى العَفْوِ وَالتَّسَامُحِ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشُّورَى: 40]، وَقَالَ
سُبْحَانَهُ: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ
﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 133-134]، وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:["مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ
عَبْدًا بِعَفْوٍ؛ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ؛ إِلَّا رَفَعَهُ
اللهُ"] فالْعَفْوُ وَالتَّسَامُح مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ قَالَ سبحانه
وتَعَالَى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
﴾ [فصلت: 34، 35]. فيا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ العَفْوَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ الأَتْقِيَاءِ
ذَوِي الحِلْمِ والأَنَاةِ والنَّفْسِ الرَّضِيَّةِ، لأَنَّ التَّنَازُلَ عن الحَقِّ
نَوْعٌ من أَنْوَاعِ إِيثَارِ الآجِلِ على العَاجِلِ، وبَسْطٌ لِخُلُقٍ نَقِيٍّ تَقِيٍّ
يَنْفُذُ إلى شِغَافِ قُلُوبِ الآخَرِينَ، فلا يَمْلِكُونَ أَمَامَهُ إلا إِبْدَاءَ
نَظْرَةِ إِجْلالٍ وإِكْبَارٍ لِمَنْ هذهِ صِفَتُهُ وهذا دَيْدَنُهُ، وصَدَقَ اللهُ
تعالى القَائِلُ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ﴾.
وَالْعَفْوُ وَكَظْمُ الْغَيْظِ سَبَبٌ
لِعَفْوِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا
وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التَّغَابُنِ: 14]، قَالَ السَّعْدِيُّ
رَحِمَهُ اللَّهُ: (لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَمَنْ عَفَا عَفَا
اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ صَفَحَ صَفَحَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ غَفَرَ غَفَرَ اللَّهُ
لَهُ، وَمَنْ عَامَلَ اللَّهَ فِيمَا يُحِبُّ، وَعَامَلَ عِبَادَهُ كَمَا يُحِبُّونَ
وَيَنْفَعُهُمْ؛ نَالَ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَمَحَبَّةَ عِبَادِهِ، وَاسْتَوْثَقَ لَهُ
أَمْرُهُ).
وَالْعَفْوُ وَكَظْمُ الْغَيْظِ سَبَبٌ
لِمَلْءِ اللَّهِ تَعَالَى قَلْبَ الْعَبْدِ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، وَرَوَاهُ الطِّبْرَانِيُّ: وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ
يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَلْيَتَذَكَّرِ
الْمُسْلِمُ أَنَّ الصَّبْرُ وَكَظْمَ الْغَيْظِ عِنْدَ الْمُسِيءِ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ
الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ، وَمِنْ سَبِيلِ رِضَا اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ. وَكَظْمُ
الغَيْظِ أَجْرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَعْظَمِ الأُجُورِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَرَوَاهُ
ابْنُ مَاجَه: «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ
كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ». وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَفَّ
غضبَهُ كَفَّ اللهُ عنهُ عذابَهُ، ومَنْ خزنَ لسانَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنِ
اعْتَذَرَ إلى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ). رَوَاهُ ابنُ أَبِيْ عَاصِمٍ، وَغَيْرهُ،
بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَيُزَوِّجُ اللَّهُ تَعَالَى كَاظِمَ غَيْظِهِ مِنَ الحُورِ العِينِ
مَا شَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ
أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ:
«مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ».
فَالْيَوْمُ يَوْمُ التَّغَافُرِ، يَوْمُ
التَّرَاحُمِ، يَوْمُ التَّسَامُحِ، يَوْمُ الْعَفْوِ، يَوْمُ التَّنَازُلِ، يَوْمُ
الْحِلْمِ. فَلْيَحْلُمْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، وَلْيُسَامِحْ بَعْضُنَا بَعْضًا،
وَلْيَغْفِرْ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، وَلْنَنْزِعْ مِنْ قُلُوبِنَا الْغِلَّ وَالْأَحْقَادَ،
وَلْنَفْتَحْ صَفْحَةً جَدِيدَةً تَمْلَؤُهَا الْمَوَدَّةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالصَّفَاءُ.
فَمَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى قُلُوبٍ نَقِيَّةٍ،
وَنُفُوسٍ رَضِيَّةٍ، وَأَلْسِنَةٍ طَيِّبَةٍ، وَصُدُورٍ سَلِيمَةٍ. أَلَا فَاعْفُوا
يَعْفُ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَاصْفَحُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ، وَارْحَمُوا تُرْحَمُوا.
وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ
مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ
وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى
لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». فَلْيَكُنْ لِسَانُ حَالِنَا مَعَ
مَنْ ظَلَمَنَا وَأَسَاءَ إِلَيْنَا: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يُوسُف: 92]. نَقُولُهَا لِلْأَصْحَابِ…
نَقُولُهَا لِلْجِيرَانِ… نَقُولُهَا لِلْأَرْحَامِ… نَقُولُهَا لِلْأَقَارِبِ… نَقُولُهَا
لِلْأَحْبَابِ فِي كُلِّ مَكَانٍ: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سُورَةُ يُوسُفَ: 92]. فَلَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ
لَبِسَ الْجَدِيدَ، وَإِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ طَاعَتُهُ تَزِيدُ. لَيْسَ الْعِيدُ
لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ خَافَ يَوْمَ الْوَعِيدِ. لَيْسَ
الْعِيدُ لِمَنْ تَجَمَّلَ بِاللِّبَاسِ وَالرُّكُوبِ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ غُفِرَتْ
لَهُ الذُّنُوبُ. رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنَهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَعَلَيْهِ
ثَوْبٌ خَلِقٌ ـ أَيْ قَدِيمٌ بَالٍ ـ مُرَقَّعٌ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَرَآهُ وَلَدُهُ
فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَخْشَى
أَنْ يَنْكَسِرَ قَلْبُكَ إِذَا رَآكَ الصِّبْيَانُ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُرَقَّعِ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا يَنْكَسِرُ قَلْبُ مَنْ
أَعْدَمَهُ اللَّهُ رِضَاهُ، أَوْ عَقَّ أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ
يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى رَاضِيًا عَنِّي بِرِضَاكَ.
لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى
أَحَدٍ****أَرَحْتُ قَلْبِي مِنْ غَمِّ الْعَدَاوَاتِ
إِنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ****لِأَدْفَعَ
الشَّرَّ عَنِّي بِالْتَّحِيَّاتِ
وَأُظْهِرَ الْبَشَرَ لِلْإِنْسَانِ أَبْغَضَهُ***كَأَنَّمَا
قَدْ حَشَا قَلْبِي مُحَبَّاتٍ
أَيُّهَا السَّادَةُ: اَلْيَوْمُ يَوْمُ
الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، يَوْمُ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَعِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ النِّيرَانِ،
يَوْمُ الْفَرَحِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَيَوْمُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالذِّبْحِ
وَالنُّسُكِ وَالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ. فِيهِ يَبْتَهِجُ الْحُجَّاجُ بِإِتْمَامِ
نُسُكِهِمْ، وَيَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِفَضْلِ رَبِّهِمْ وَرَحْمَتِهِ، وَفِيهِ يَتَنَزَّلُ
الْعَفْوُ وَالْغُفْرَانُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَتُكَفَّرُ السَّيِّئَاتُ ،فَأَكْثِرُوا
فِيهِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، وَأَحْيُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ
ﷺ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِصَالِحِ
الْأَعْمَالِ، فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، وَالسَّعِيدُ مَنْ اغْتَنَمَهَا.
وَفِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ يَتَجَلَّى فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ
عَلَى عِبَادِهِ، فَيُبَاهِي اللَّهُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ أَهْلَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ:
«انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا».
فَفِي يَوْمِ النَّحْرِ تَعْظُمُ الشَّعَائِرُ،
وَتَرْتَفِعُ التَّكْبِيرَاتُ، وَتَفِيضُ الْقُلُوبُ بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَيَتَذَكَّرُ
الْمُؤْمِنُونَ طَاعَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَيْفَ
كَانَ الِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ.فَاتَّقُوا
اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَأَظْهِرُوا الْفَرَحَ بِالْعِيدِ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ،
وَأَدْخِلُوا السُّرُورَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ، وَتَفَقَّدُوا
أَرْحَامَكُمْ وَجِيرَانَكُمْ، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مُغَالِيقَ لِلشَّرِّ.
وَاذْكُرُوا أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَيْسَتْ لَحْمًا وَدَمًا فَقَطْ، بَلْ هِيَ طَاعَةٌ
وَتَقْوَى وَإِخْلَاصٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا
دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي تَقْوَى
اللَّهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ،
اللَّهَ اللَّهَ فِي التَّرَاحُمِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّآلُفِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ
مَا يَنْبَغِي أَنْ نَخْرُجَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الْإِيمَانِيَّةِ: أَنْ
تَتَغَيَّرَ قُلُوبُنَا إِلَى الْأَفْضَلِ، وَأَنْ تَسْتَقِيمَ جَوَارِحُنَا عَلَى
طَاعَةِ اللَّهِ، فَلَا يَكُونُ الْعِيدُ يَوْمًا لِلْمَلَاهِي وَالْمَعَاصِي، بَلْ
يَوْمًا لِلشُّكْرِ وَالذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِحْسَانِ. فَكَمْ مِنْ قُلُوبٍ
اجْتَمَعَتْ بَعْدَ فُرْقَةٍ، وَكَمْ مِنْ نُفُوسٍ تَصَافَتْ بَعْدَ خُصُومَةٍ، وَكَمْ
مِنْ دُمُوعٍ مَسَحَهَا الْعِيدُ عَنْ وُجُوهِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَحْرُومِينَ. فَاحْمَدُوا
اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، فَمَا نَحْنُ فِيهِ
مِنْ أَمْنٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ وَإِيمَانٍ هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَلَا
تَنْسَوْا إِخْوَانَكُمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، ادْعُوا لَهُمْ بِالنَّصْرِ
وَالتَّمْكِينِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ الْغُمَّةَ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ،
وَأَنْ يَرْحَمَ الضُّعَفَاءَ وَالْمَظْلُومِينَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْعِيدُ أَنْ تَعُودَ
إِلَى أَهْلِكَ بِالْبِشْرِ وَالصَّفَاءِ، الْعِيدُ أَنْ تَكُونَ بَارًّا بِأَبِيكَ
وَأُمِّكَ، الْعِيدُ أَنْ لَا يَخَافَكَ مُسْلِمٌ، الْعِيدُ أَنْ تُصْلِحَ مَا بَيْنَكَ
وَبَيْنَ اللَّهِ، الْعِيدُ أَنْ تُصْلِحَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، الْعِيدُ
أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، الْعِيدُ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، الْعِيدُ أَنْ
تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ. فَلَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ
لِمَنْ طَاعَتُهُ تَزِيدُ. لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ تَجَمَّلَ بِاللِّبَاسِ، إِنَّمَا
الْعِيدُ لِمَنْ عَمِلَ لِيَوْمِ الْوَعِيدِ. الْعِيدُ أَنْ لَا تُؤْذِيَ مُسْلِمًا،
الْعِيدُ أَنْ تَحْمِلَ الْحُبَّ فِي قَلْبِكَ لِجَمِيعِ النَّاسِ،
الْعِيدُ أَنْ تَنْزِعَ مِنْ قَلْبِكَ الْحِقْدَ
وَالْغِلَّ وَالْبَغْضَاءَ. حَفِظَ اللَّهُ مصر قِيَادَةً وَشَعْبًا مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ.
وَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، بَلْ
أَنْتُمُ الْخَيْرُ لِكُلِّ عَامٍ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ
الْأَعْمَالِ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَاتِ.
·