recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ… حِينَ يَفْتَحُ اللهُ أَبْوَابَ السَّبْقِ إِلَى الجَنَّةِ ​ بِقَلَمِ الشَّيْخِ مُحَمَّد إِبْرَاهِيم سَالِم

 عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ



 حِينَ يَفْتَحُ اللهُ أَبْوَابَ السَّبْقِ إِلَى الجَنَّةِ 

 

 

​الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي تَعَاقُبِ الأَزْمَانِ مَوَاعِظَ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَفِي مَوَاسِمِ الخَيْرَاتِ مَغَانِمَ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَظَّمَ قَدْرَ هَذِهِ اللَّيَالِي وَأَقْسَمَ بِهَا فِي كِتَابِهِ المُبِينِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَذَكَرَ رَبَّهُ وَتَعَبَّدَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

​أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ

​  قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ قِفُوا مَعِي عِنْدَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: لِمَاذَا أَقْسَمَ اللهُ بِهَا؟

يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا:  {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.

قَالَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ: "هِيَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ".

ف​مَا سِرُّ هَذِهِ اللَّيَالِي؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ رَبَّ العِزَّةِ يَذْكُرُهَا فِي القُرْآنِ قَسَمًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؟

  لِأَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ تَمُرُّ فِي تَقْوِيمِ الزَّمَانِ… بَلْ هِيَ مَوْسِمُ فَتْحٍ إِلَهِيٍّ.

كَأَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ فَجْأَةً… وَتُنَادِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ بِصَوْتِ الرَّحْمَةِ: “هَلُمُّوا إِلَى المَغْفِرَةِ… هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمُ الَّذِي لَا يَرُدُّ مَنْ أَتَاهُ تَائِبًا”.

​  يَا اللهُ

انْظُرُوا إِلَى حَالِ الدُّنْيَا.. حِينَ تُفْتَحُ التَّخْفِيضَاتُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الفَانِي… تَرَى النَّاسَ يَتَزَاحَمُونَ وَيَسْهَرُونَ… وَيُنْفِقُونَ الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ لِيَظْفَرُوا بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ أَوْ عَرْضٍ زَائِلٍ!

فَكَيْفَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ نَفْسُهَا؟!

كَيْفَ إِذَا كَانَ المُنَادِي هُوَ اللهُ؟!

كَيْفَ إِذَا كَانَ المَعْرُوضُ لَيْسَ مَالًا وَلَا ذَهَبًا… بَلْ هُوَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ:

  مَغْفِرَةُ ذَنْبٍ يَمْحُو مَا قَبْلَهُ.

  وَرَفْعُ دَرَجَةٍ تُقَرِّبُكَ مِنْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ.

  وَتَبْدِيلُ سَيِّئَاتٍ كَانَتْ جِبَالًا فَصَارَتْ بِالِاسْتِغْفَارِ نُورًا.

  وَعِتْقُ رِقَابٍ مِنَ النَّارِ فَلَا تَمَسُّهَا أَبَدًا.

​  وَلِذَلِكَ جَاءَ الحَدِيثُ العَظِيمُ الَّذِي لَوْ فَهِمَتْهُ الأُمَّةُ لَتَغَيَّرَتْ حَيَاتُهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، وَلَأَصْبَحَتِ المَسَاجِدُ كَخَلَايَا النَّحْلِ ضَجِيجًا بِالذِّكْرِ..

قَالَ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» -يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ-.

​انْتَبِهُوا يَا عِبَادَ اللهِ

النَّبِيُّ لَمْ يَقُلْ: أَكْثَرَ ثَوَابًا فَقَطْ ، بَلْ قَالَ: أَحَبُّ إِلَى اللهِ.

يَعْنِي: اللهُ الخَالِقُ، العَظِيمُ، الجَبَّارُ، يُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الآنَ وَأَنْتَ تُسَبِّحُ… وَيُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ… وَيُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ أَنِينَ صَوْتِ اسْتِغْفَارِكَ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيَالِي… وَيُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ قَائِمًا بَيْنَمَا النَّاسُ فِي غَفْلَتِهِمْ نِيَامٌ.

​  تَخَيَّلْ أَنَّ رَبَّ العَالَمِينَ، الغَنِيَّ عَنْكَ وَعَنْ عِبَادَتِكَ، يُحِبُّ مِنْكَ العَمَلَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ شُهُورِ العَامِ!

  الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فُرْسَانُ المَيَادِينَ، انْدَهَشُوا مِنْ عَظَمَةِ الفَضْلِ.. قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لِأَنَّ الجِهَادَ هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلَامِ، وَفِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ وَالدَّمِ.

فَقَالَ : «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».

  أَيْ أَنَّ تَسْبِيحَةً وَاحِدَةً بِصِدْقٍ، أَوْ سَجْدَةً خَاشِعَةً فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، قَدْ تَزِنُ عِنْدَ اللهِ خُرُوجَ مُقَاتِلٍ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ!

لَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأَيَّامُ مِنَ العَظَمَةِ أَنْ نَافَسَتْ أَعْظَمَ عِبَادَةٍ فِي الإِسْلَامِ.

​  لَكِنْ هُنَا السُّؤَالُ:

لِمَاذَا عَظُمَتْ هَذِهِ الأَيَّامُ إِلَى هَذَا الحَدِّ؟

لِأَنَّ اللهَ جَمَعَ فِيهَا أُمَّهَاتِ العِبَادَاتِ كُلِّهَا… اجْتَمَعَ فِيهَا مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الشُّهُورِ ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}.

​  فَفِي رَمَضَانَ مَثَلًا عِنْدَكَ صِيَامٌ وَقِيَامٌ وَقُرْآنٌ… لَكِنْ أَيْنَ الحَجُّ؟ 👈 لَا يُوجَدُ.

  وَفِي الحَجِّ… عِنْدَكَ مَشَاعِرُ وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ… لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَحُجُّونَ، فَمِنْهُمُ المُقِيمُ وَمِنْهُمُ المَحْصُورُ.

​أَمَّا عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ فَكَأَنَّ اللهَ جَمَعَ فِيهَا أَبْوَابَ العُبُودِيَّةِ كُلَّهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَجَعَلَهَا مُتَاحَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.

​  فِيهَا الصَّلَاةُ… وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةَ العَادَةِ الَّتِي تُؤَدَّى بِالجَوَارِحِ فَقَطْ… بَلْ صَلَاةُ قَلْبٍ أَحَسَّ أَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ قَدْ فُتِحَتْ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، وَبَثَّ لِرَبِّهِ دُمُوعَ سِنِينَ.

​ وَفِيهَا القُرْآنُ… فَيَفْتَحُ العَبْدُ المُصْحَفَ بَعْدَ هَجْرٍ، فَإِذَا بِالآيَاتِ تُخَاطِبُ جُرْحَهُ، وَتُنَادِي قَلْبَهُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.

​  وَفِيهَا الصَّدَقَةُ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ… فَكَمْ مِنْ بَابٍ طُرِقَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فَدَخَلَتْ مَعَهُ الرَّحْمَةُ، وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ فَقِيرٍ أَحْيَتْهُ لُقْمَةٌ خَرَجَتْ صَادِقَةً لِلَّهِ وَرَبُّنَا يَقُولُ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.

​  وَفِيهَا التَّوْبَةُ… وَهِيَ أَعْظَمُ مَا فِي هَذِهِ العَشْرِ؛ فَكَمْ مِنْ قَلْبٍ أَظْلَمَتْهُ الذُّنُوبُ سِنِينَ، ثُمَّ أَشْرَقَ فِيهَا بِدَمْعَةِ نَدَمٍ صَادِقَةٍ.

​  وَفِيهَا الذِّكْرُ… شِعَارُ هَذِهِ الأَيَّامِ: اللهُ أَكْبَرُ… اللهُ أَكْبَرُ… لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

قال تعالى   {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }

وقَالَ : «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». فَيَرْتَفِعُ التَّكْبِيرُ، لَا مِنَ الأَلْسِنَةِ فَقَطْ… بَلْ مِنْ قُلُوبٍ عَرَفَتْ عَظَمَةَ رَبِّهَا.

​  وَفِيهَا الحَجُّ… حَيْثُ تَخْلَعُ الأَرْوَاحُ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَتَقِفُ عَلَى أَبْوَابِ الرَّحْمَنِ مُلَبِّيَةً خَاضِعَةً: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ”.

​انْظُرُوا إِلَى الحَجِيجِ بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ عُيُونِكُمْ..

  رَجُلٌ تَرَكَ تِجَارَتَهُ وَمَلَايِينَهُ لِيَقِفَ فِي غُبَارِ مَكَّةَ تَذَلُّلًا.

  وَآخَرُ تَرَكَ أَوْلَادَهُ وَفِلْذَاتِ كَبِدِهِ لِيَرْمِيَ جِمَارَ الشَّيَاطِينِ.

  وَثَالِثٌ بَاعَ مَا يَمْلِكُ -حَرْفِيًّا- لِيَقِفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً وَاحِدَةً يَرْجُو فِيهَا نَظْرَةَ رِضًا.

  لِمَاذَا؟

لِأَنَّ القَلْبَ حِينَ يَشْتَاقُ إِلَى اللهِ، وَتَفُوحُ عَلَيْهِ رِيَاحُ الجَنَّةِ… تَهُونُ الدُّنْيَا كُلُّهَا بِذَهَبِهَا وَفِضَّتِهَا وَجَاهِهَا.

  وَلِذَلِكَ كَانَتْ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ أَعْظَمَ أَيَّامِ الدُّنْيَا.. لِأَنَّهَا الأَيَّامُ الوَحِيدَةُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا أُمَّهَاتُ العِبَادَاتِ.  

​  ثُمَّ نَصِلُ إِلَى "التَّاجِ".. إِلَى "القِمَّةِ"..  يَوْمِ عَرَفَةَ.

​يَا اللهُ… مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟!

إِنَّهُ يَوْمُ التَّجَلِّي الأَعْظَمِ.

يَوْمٌ تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحْمَاتُ كَالْمَطَرِ الهَتَّانِ

يَوْمٌ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَلَا تَكَادُ تُغْلَقُ

يَوْمٌ يُبَاهِي اللهُ فِيهِ المَلَائِكَةَ بِعِبَادِهِ المُقَصِّرِينَ التَّائِبِينَ.

يَقُولُ : «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».

​  تَخَيَّلُوا المَشْهَدَ.. مَلَايِينُ البَشَرِ وَاقِفُونَ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ.. لَا فَرْقَ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ… وَلَا بَيْنَ مَلِكٍ وَخَادِمٍ… الكُلُّ تَحْتَ شَمْسِ المَغْفِرَةِ سَوَاءٌ.

الجَمِيعُ يَبْكِي ، الجَمِيعُ يَرْجُو ، الجَمِيعُ يَصْرُخُ بِمِلْءِ فِيهِ: “يَا رَبُّ…”

​وَاللهِ… لَوْ رَأَيْتَ أَهْلَ عَرَفَةَ وَقْتَ الغُرُوبِ، حِينَ يَسْكُنُ الضَّجِيجُ وَتَخْشَعُ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ، لَشَعَرْتَ أَنَّ أَبْوَابَ الجَنَّةِ قَدْ فُتِحَتْ أَمَامَهُمْ عَلَى مَصْرَاعَيْهَا، وَلَشَمَمْتَ رِيحَ المَغْفِرَةِ تَفُوحُ مِنْ ثِيَابِهِمُ المُغْبَرَّةِ.

​  ثُمَّ يَأْتِي يَوْمُ النَّحْرِ… وَهُوَ "الحَجُّ الأَكْبَرُ".. أَعْظَمُ أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا عِنْدَ مَلِكِ المُلُوكِ.

يَقُولُ : «أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ».

أَتَدْرُونَ لِمَاذَا؟ ....

سَنَعْرِفُ ذَلِكَ بَعْدَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ....

​  الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ  

​الحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، لَا سِيَّمَا النَّبِيَّ المُجْتَبَى، وَالرَّسُولَ المُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الوَفَا.. أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللهِ..

لِمَاذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ "الحَجَّ الأَكْبَرَ" وَأَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ مَلِكِ المُلُوكِ؟

لِأَنَّهُ يَوْمُ الطَّاعَةِ الكُبْرَى، وَيَوْمُ الِاسْتِسْلَامِ المُطْلَقِ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

إِنَّهُ يَوْمُ الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ.. يَوْمَ أَنْ وَصَلَ الحُبُّ الإِلَهِيُّ فِي قَلْبِهِ إِلَى ذِرْوَتِهِ، فَجَاءَ الِابْتِلَاءُ الَّذِي تَزَلْزَلَتْ لَهُ الجِبَالُ.

ابْنٌ وَحِيدٌ، جَاءَ بَعْدَ حِرْمَانٍ وَعُمْرٍ طَوِيلٍ، صَارَ لَهُ كَبِدًا وَنَبْضًا.. ثُمَّ يَأْتِي الأَمْرُ الإِلَهِيُّ الصَّادِمُ لِلْمَشَاعِرِ البَشَرِيَّةِ: {اذْبَحْهُ}!

كما قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}.

 هُنَا يَنْجَلِي الفَارِقُ العَظِيمُ:

بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، وَبَيْنَ مَنْ يَسْجُدُ قَلْبُهُ للهِ قَبْلَ جَبْهَتِهِ.

فَلَمَّا قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ حُبَّ اللهِ عَلَى حُبِّ وَلَدِهِ، وَوَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى الرَّقَبَةِ مُسْلِمًا أَمْرَهُ لِلْمَلِكِ.. نَادَاهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}، وَجَاءَ الفَرَجُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.

​وَكَأَنَّ اللهَ يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي هَذِهِ العَشْرِ:

"يَا عَبْدِي.. مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِأَجْلِي بِصِدْقٍ، وَعَفَّ عَنْ حَرَامٍ يَشْتَهِيهِ لِأَجْلِي، وَضَحَّى بِوَقْتِهِ وَمَالِهِ لِإِرْضَائِي.. عَوَّضْتُهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ".

 ​يَا عِبَادَ اللهِ..

هَذِهِ العَشْرُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ تُحْكَى، بَلْ هِيَ "بَرْقِيَّةٌ عَاجِلَةٌ" مِنْ اللهِ لِقَلْبِكَ.

رِسَالَةٌ تَقُولُ لَكَ: مَا دَامَ قَلْبُكَ يَنْبِضُ، وَفِي العُمْرِ بَقِيَّةٌ.. فَبَابُ السَّبْقِ إِلَى الفِرْدَوْسِ لَا يَزَالُ مُشْرَعًا.

​فَاللهَ اللهَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ:

​صَلُّوا صَلَاةَ مُوَدِّعٍ اسْتَشْعَرَ عَظَمَةَ مَنْ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

​وَابْكُوا بُكَاءَ التَّائِبِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ ذُنُوبِهِمْ وَعِظَمَ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ.

​وَكَبِّرُوا فِي الطُّرُقَاتِ وَالبُيُوتِ حَتَّى تَهْتَزَّ جُدْرَانُ الغَفْلَةِ فِي قُلُوبِكُمْ.

​وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ بِجُودٍ وَسَخَاءٍ، وَابْحَثُوا عَنِ الأَرَامِلِ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ.

​افْتَحُوا المَصَاحِفَ وَتَدَبَّرُوا الآيَاتِ.. فَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ "العَشْرُ" الأَخِيرَةُ فِي حَيَاتِنَا! وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا المَوْسِمُ هُوَ تَذْكِرَتَكَ الوَحِيدَةَ لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّار.

​ 

​اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ، وَأَعِنَّا فِيهَا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ السَّابِقِينَ المَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ المَحْرُومِينَ.

​عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.. فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ...

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent