recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ عِيدِ الأضْحَى د/ عبد العزيز بن محمد مبارك

خُطْبَةُ عِيدِ الأضْحَى 

 


اللَّهُ أَكْبَرُ ( سَبْعُ مَرَّاتٍ ) ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، وسُبْحانَ اَللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ بَكْرَةً وَأَصِيلاً. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهْ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا عَظَّمَ الْمُسْلِمُونَ شَعَائِرَ دِينِهِمْ، فَعَظَّمُوا بَيْتَ رَبِّهِمْ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (*) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"[البقرة:127-128].

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ ما لَبَّوا نِدَاءَ رَبِّهِمْ،" وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"[الحج:27]، " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"[آل عمران:97]، وَلَبَّوا نِدَاءَ نَبِيِّهِمْ :" أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا"(رواه مسلم). إِلَّا فَلْيَتَذَكَّرِ الْقَادِرُ عَلَى الْحَجِّ وَالْمُسْتَطِيعُ، فَلْيُعَجِّلْ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ؛ مَوْتٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ شُغْلٌ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْآفَاتِ. اللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا اِقْتَفَوْا سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ، عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ:" لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (رواه مسلم).

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا لَبِسُوا لِبَاسَ الْإِحْرَامِ، الَّذِي يُذَكِّرُنَا بِالْكَفَنِ عِنْدَ مَوْتِنَا، فَمَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيَلْبَسُهُ، فَنَقْدُمُ عَلَى رَبِّنَا بِمَا عَمِلْنَاهُ مِنْ أَعْمَالٍ حَسَنِهَا وَسَيِّئِهَا، وَيُذَكِّرُنَا بِإِزَالَةِ دَوَاعِي التَّعَالِي وَالِافْتِخَارِ، فَلَا يَفْخَرُ الْغَنِيُّ بِلِبَاسِهِ أَمَامَ الْفَقِيرِ، كَمَا يَبْعَثُ فِي نَفْسِ الْغَنِيِّ وَشِيجَةَ التَّضَامُنِ مَعَ الْعُرَاةِ وَالْجِيَاعِ.

وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا جَهَرُوا بالتَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ لَكَ. وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ. وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَسَعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَوَقَفُوا بِصَعِيدِ عَرَفَاتٍ يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بِالدُّعَاءِ. وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا وَقَفُوا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حَامِدِينَ لِرَبِّهِمْ شَاكِرِينَ، وَرَمَوْا الْجَمَرَاتِ فَكَبَّرُوا تَعْظِيمًا لِرَبِّهِمْ وَتَمْجِيدًا، وَأَكْثَرُوا مِنْ ذِكْرِهِ:" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ" [الحج:34]. وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا نَحَرُوا هَدْيَهُمْ، وَحَلَّقُوا رُؤُوسَهُمْ أَوْ قَصَّرُوا. فَأَتَمُّوا نُسُكَهُمْ وَحَمِدُوا رَبَّهُمْ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى شُهُودِ مَنَافِعَ لَهُمْ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْحَصْرَ " لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (*) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ"[الحج:28-29].

وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا ابْتَهَجَ الْمُسْلِمُونَ بِيَوْمِ الْعِيدِ فَخَرَجُوا إِلَى الْمُصَلَّى يَقْتَفُونَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَخَرَجَتِ النِّسَاءُ يَشْهَدْنَ الصَّلَاةَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَغَرَسُوا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِمْ تَعْظِيمَ شَعَائِرَ اللَّهِ بِاصْطِحَابِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ. وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَا تَقَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بِنَحْرِ أَضَاحِيهِمْ بَعْد صَلَاةِ الْعِيدِ، اِقْتِدَاءً بِرَسُولِهِمْ وَهُوَ الْقَائِلُ:" إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا"(رواه البخاري).

فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهَا عِنْدَ الذَّبْحِ؛ فَاشَحَدُوا السِّكِّينَ إِرَاحَةً لَهَا، قَالَ :" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"(رواه مسلم)، وَلَا تُحِدُّوْا السِّكِّينَ أَمَامَهَا وَهِيَ تَنْظُرُ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلاً أَضْجَعْ شَاةً وَهُوَ يَحِدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ :" أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هلَّا أَحْدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا"(رواه الحاكم)، وَأَلاَّ تَذْبَحَ بَهِيمَةً أَمَامَ أُخْرَى. وَوَجِّههَا عِنْدَ الذَّبْحِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَأَضْجِعْهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّه، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ، هَذَا عَنِّي". وَإِذَا وَكَّلَكَ شَخْصٌ؛ فَقُلْ:" هَذَا عَنْ فُلَانٍ"، وَإِذَا لَمْ تَقُلْ فَإِنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي. وَلَا تَمُسَّ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهَا.

 اللَّهُ أَكْبَرُ (ثَلاَثاً)؛ اعْلَمُوا أَنَّ أَضَاحِيَّكُمْ عِبَادَةٌ تَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهَا عِبَادَةُ لَنْ يَقْبَلَهَا اللَّهُ مِنْكُمْ إِذَا لَمْ يُبْتَغَ بِهَا وَجْهُهُ، قَالَ تَعَالَى:" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (*) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:162-163]، وَاعْلَمُوا أَنَّ الافْتِخَارَ بِغَلَاءِ ثَمَنِ الأُضْحِيَّةِ أَمَامَ الْغَيْرِ، أَوِ الِافْتِخَارَ بِسِمَنِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا وَكِبَرِ قُرُونِهَا يَقْدَحُ فِي الإِخْلاَصِ، وَأَنَّ كَثْرَةَ الشَّكْوَى مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا قَادِحٌ فِي الإِخْلاَصِ، فَلَا تَتَعَالَوا بِهَا عَلَى غَيْرِكُمْ. وَاجْعَلُوهَا خَالِصَةً لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالَى:" فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ" [الكوثر:2].

اللَّهُ أَكْبَرُ (ثَلاَثاً)؛ لَا تُعْطُوا الجَزَّارَ شَيْئًا مِنْ أُضْحِيَّتِكُمْ عَلَى أَسَاسِ الْخِدْمَةِ، وَلَا تَبِيعُوا جِلْدَ أُضْحِيَّتِكُمْ. عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" أَمَرَنِي رَسولُ اللهِ أَنْ أَقُومَ علَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهِا، قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِندِنَا"(رواه مسلم).

عِبَادَ اَللَّهِ: إنَّه عِيدُ الْأَضْحَى وَمِنْ مَعَانِيهِ التَّضْحِيَةُ، فَالْمُؤْمِنُ يُضَحِّي بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ وَمُرَادِهَا وَأَهْوَائِهَا مِنْ أَجْلِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَالتَّضْحِيَةُ فِي أَنْ تَجْتَهِدَ لِلْقِيَامِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ رَغْمَ حَلَاوَةِ النَّوْمِ. فَكُنْ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:" تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ"[السجدة:16]. وَالْمُؤْمِنُ يَدْفَعُ شُحَّ نَفْسِهِ فَيُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِهِ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ. وَمِنْ مَظَاهِرِ ذَلِكَ فِي عِيدِكُمْ، أَنْ تَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ أُضْحِيَّتِكَ، أَوْ تَهْدِي مِنْهَا. وَأُخِذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ" [الحج:36]، فَقَولُهُ: (فَكُلُوا مِنْهَا)، أَيْ: يَأْكُلَ جُزْءًا مِنْهَا، وَقَوْلُهُ: (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ) وَهُوَ الْمِسْكِينُ السَّائِلُ، وَهَذَا جُزْءٌ ثَانٍ، وَقَولُهُ:(وَالْمُعْتَرَّ)، أَيْ: الَّذِي لَمْ يَسْأَلْ فَتُهْدِي إِلَيْهِ، فَجَعَلَهَا أَثْلَاثًا. وَالْعِبَادَةُ كُلُّهَا تَضْحِيَاتٌ قَالَ :"مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ" (رواه الترمذي). وَمَنْ عَرَفَ مَا قْصَدَ هَانَ عَلَيْهِ مَا وَجَدَ.

عِبَادَ اللَّهِ: وَسِّعُوْا عَلَى أَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهَا عِيدٌ؛ وَالْعِيدِ فَرَحٌ وَسُرُورٌ، وَرَفِّهُوا عَلَيْهِمْ بِالْمُبَاحِ مِنَ اللَّهْوِ، وَإِيَّاكُمْ وَارْتِكَابَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِدَعْوَى التَّرْفِيهِ وَالتَّوْسِعَةِ، فَتُقَابِلُوا نَعَمَ اللهِ بِالْجُحُودِ وَالنُّكْرَانِ، وَاسْتَمْطِرُوا نِعَمُهُ بِكَثْرَةِ الْحَمْدِ والشُكرٍ" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ"[إبراهيم:7].

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُخْلِصِينَ لَكَ اَلْمُعَظَّمِينَ لِشَعَائِرِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِكَ آمِين، وَآخِرُ دَعْوَانَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.

عِبَادَ اللَّهِ: التَّكْبِيرُ يَتَأَكَّدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيَتَأَكَّدُ أَكْثَرَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى اِبْتِدَاءً مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ إِلَى نِهَايَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهُنَاكَ تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ"[البقرة:203]، وَقَولِهِ :" أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ"(رواه مسلم)، وَأَمَّا الصِّيَغُ الْوَارِدَةُ؛ فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ، فَقَدْ تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

عِبَادَ اللَّهِ: اِسْتَغِلُّوا فُرْصَةَ الْعِيدِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"[الحجرات:10]. فَأَزِيلُوا الْأَحْقَادَ، وَالضَّغَائِنَ، وَالْكَرَاهِيَةَ، وَالْحَسَدَ، وَسُوءَ الظَّنِّ، مِنْ قُلُوبِكُمْ. " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"[الحجرات:11]، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقُوَّةَ فِي اِتِّحَادِكُمْ، وَالضَّعْفَ فِي تُشَتُّتِكُمْ وَتُفَرُّقِكُمْ.

عِبَادَ اللَّهِ: اِسْتَغِلُّوا فُرْصَةَ الْعِيدِ لِصِلَةِ أَرْحَامِكُمْ، وَزِيَارَتِهِمْ، وَالِاتِّصَالِ بِهِمْ مُبَاشَرَةً أَوْ عَلَى الْهَاتِفِ وَغَيْرِهِ، وَاعْلَمُوا كَمَا أَخْبَرَنَا حَبِيبُنَا بأنَّه:" لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ مَنْ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا"(رواه البخاري)، وَقَالَ : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ" (رواه البخاري).

عِبَادَ اللَّهِ: وَأَنْتُمْ فِي غَمْرَةِ الْفَرَحِ بِعِيدِكُمْ؛ اعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ إِخْوَةً فِي الدِّينِ جِيَاعٌ، ذَهَبَتِ الْفَرْحَةُ مِنْ شِفَاهِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ؛ فَاقَةٍ وَفَقْرٍ أَنْسَاهُمْ فَرْحَةَ الْعِيدِ، أَوْ دَينٍ أُغَمَّهُمْ، أَوْ مَرَضٍ آلَامَهُمْ أَوْ أَقْعَدَهُمْ، أَوْ عَدُوٍّ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ، أَوْ حَرْبٍ فَرَّقَتْ شَمْلَهُمْ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ. فَاللَّهُمَّ آنِسْ وَحْشَتَهُمْ، وَفُكَّ كُرْبَتَهُمْ، وَحَرِّرْ أَوْطَانَهُمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوّكَ وَعَدُوّهِمْ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنْهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُمْ. اللَّهُمَّ أَعِزّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، اللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِنَ الْوَاصِلِينَ لِأَرْحَامِهِمْ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَكَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مَلِكَنَا الْهُمَامَ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ الذِّكْرَ الْحَكِيمَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الشِّفَاءَ وَالْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ وَفِّقَهُ لِمَا فِيهِ خَيْرُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، واحْفَظْهُ بِرِعَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَهُ الْبِطَانَةَ الْخَيِّرَةِ الَّتِي تَدُلُّهُ عَلَى الْخَيْرِ وَتُعِينُهُ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِيرِ الْمَوْلَى الْحَسَنِ، اللَّهُمّ أَنْبِتْهُ نَبَاتًا حَسَنًا، اللَّهُمَّ تَغَمَّدْ بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ الْمَلِكَيْنِ الرَّاحِلَيْنِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ، وَالْحَسَنِ الثَّانِي؛ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنّاً رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، آمِين، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent