يوم عرفة.. أفضل الأيام وأعظمها
يوم عرفة: أفضل الأيام عند الله
يوم إكمال الدين
وإتمام النعمة
يوم العتق من النار
والمباهاة بالملائكة
يوم المغفرة وصيامه
يكفر سنتين
يوم الدعاء المستجاب
وأفضل الكلام
الحمد لله الذي
خلق الزمان وفضّل بعضه على بعض، فاصطفى من الأيام ما شاء، وجعل يوم عرفة أفضل أيامه
وأعظمها بركة وفضلاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم النبيين وإمام المتقين،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وتسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد .. فيا
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن اليوم الذي
تحيون فيه من أعظم الأيام عند الله، إنه يوم عرفة.
قصة الصحابي عروة بن مضرس الطائي
رضي الله عنه
أيها المسلمون، أتأمل معكم قصة مؤثرة لصحابي
جليل، شمّر عن ساعد الجد رغبة في الخير والرحمة في هذا اليوم العظيم، إنه الصحابي عروة
بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي رضي الله عنه.
جاء عروة من جبل
طيِّء مسافة بعيدة، راكباً مطيته، يقطع الفيافي والقفار طمعًا في شرف الوقوف مع النبي
صلى الله عليه وسلم في عرفة.
ولكن راحلته أتعبتْه
وأعيته، فأدركه التعب والإعياء الشديد، لكنه لم يستسلم، مضى قدُماً، فلما وصل إلى الموقف
في جمعٍ (مزدلفة) قبل صلاة الفجر، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف،
فقال: "جئتُ يا رسول الله من جبل طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت
من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟".
فنظر إليه النبي
صلى الله عليه وسلم نظرة الرحمة والرضا، وقال له: "مَن أدرك معنا هذه الصلاة
-يعني صلاة الصبح بجمع- وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه".
الله أكبر! انظروا
إلى فضل الله ورحمته، لقد أدرك عروة رضي الله عنه الوقوف ولو في آخر لحظاته، فتم حجه.
إن هذا ليعلمنا أن باب الرحمة مفتوح، وأن يوم عرفة يوم عظيم لا يضيع عند الله فيه أجر
من اجتهد.
[أولاً: يوم عرفة أفضل الأيام عند الله
اتقوا الله عباد
الله، واعلموا أن يوم عرفة هو أفضل أيام الدنيا على الإطلاق.
فقد ورد عن جابر
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله
تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء) .
وقال أيضاً: (إن
الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً).
ثانيًا: يوم إكمال الدين وإتمام النعمة
إنه اليوم الذي
أنزل الله فيه أعظم آية، وأكمل به الدين، وأتم به النعمة.
روى البخاري عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلاً من اليهود قال له: "إنكم تقرؤون آية لو
نزلت فينا لاتخذناها عيداً". فقال عمر: "أي آية؟" قال قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
فقال عمر:
"إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع، يوم عرفة، ونحن معه بعرفات".
ثالثًا: يوم العتق من النار والمباهاة بالملائكة
أيها المؤمنون،
هذا اليوم هو يوم الجائزة الكبرى، يوم يكرم الله فيه عباده المؤمنين بالعتق من النار.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار
من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة).
ودعا علي بن أبي
طالب رضي الله عنه قائلاً: "ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار، وليس
يوم أكثر فيه عتقًا للرقاب من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم اعتق رقبتي من النار".
رابعًا: يوم المغفرة وصيامه يكفر سنتين
في يوم عرفة، تغفر
الذنوب وتُمحى الخطايا، حتى لمن لم يحج.
عن أبي قتادة رضي
الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: (يكفر السنة
الماضية والسنة القابلة). ويُشرع صيام هذا اليوم لغير الحاج، أما الحاج فالأفضل له
أن يفطر ليتقوى على الدعاء والعبادة.
خامسًا: يوم الدعاء المستجاب وأفضل الكلام
يا عباد الله،
يوم عرفة هو يوم إجابة الدعوات، يرفع فيه العبد يديه إلى ربه ضارعًا متذللاً. قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
وفي هذا اليوم،
ينبغي الإكثار من التكبير والتهليل والتسبيح.
بعض أحوال السلف
الصالح في يوم عرفة
كان سلفنا الصالح
يعظمون هذا اليوم حق تعظيمه. روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "جئت إلى سفيان
الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهملان". وكان الفضيل بن عياض ينظر
إلى الناس في بكائهم وتضرعهم فيقول: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه
دانقاً (سدس درهم)، أكان يردهم؟ والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل بدانق".
وما كان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف في عرفة إلا ومعه مائة بدنة مقلدة، ومائة رقبة
يعتقهم، فيضج الناس بالبكاء والدعاء قائلين: "ربنا، هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن
عبيدك فأعتقنا".
فاتقوا الله عباد
الله، واغتنموا هذه الأوقات الفاضلة، وأكثروا من الدعاء والاستغفار، والتزود من الطاعات
في هذا اليوم المبارك.
الخطبة الثانية
الحمد لله على
إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فاتقوا
الله عباد الله، واعلموا أن يوم عرفة نعمة عظيمة، ومنة كريمة، يستغلها المؤمنون الذاكرون.
ففي هذا اليوم، يتجلى الرب تبارك وتعالى لعباده، ويقول لملائكته مباهياً: (انظروا إلى
عبادي، أتوني شعثاً غبراً، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلو كانت
ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزبد البحر، لغفرتها لكم).
فيا من أسرف على
نفسه، يا من أثقلته الذنوب والخطايا، يوم عرفة يوم يقبل فيه التائبون، ويغفر فيه للمذنبون.
لا تيأسوا من رحمة الله، فباب التوبة مفتوح، والله غفور رحيم.
الدعاء
اللهم لك الحمد
كله، ولك الشكر كله، اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
اللهم أعتق رقابنا
ورقاب آبائنا وأمهاتنا وزوجاتنا وذرياتنا من النار في هذا اليوم المبارك.
اللهم إنا نسألك
موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم.
اللهم اجعلنا من
عتقائك في هذا اليوم العظيم.
اللهم اغفر للحجاج،
وتقبل مناسكهم، واجعل حجهم مبروراً وسعيهم مشكوراً.
اللهم أصلح أحوال
المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم آمن خائفهم، واجمع شملهم
على الحق والهدى.
اللهم إنا نسألك
الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
ربنا آتنا في الدنيا
حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
وصلى الله على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب
العالمين.