recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سعة رحمة الله

  سعة رحمة الله


الحمدُ لله الَّذي لا مانعَ لما وَهَب، ولا مُعْطيَ لما سَلَب، طاعةُ العامِلِينَ لَهُ أفْضلُ مُكْتَسب، وتَقْوى المتقين من أعْلَى ما وهب، هَيَّأ قلوبَ أوْلِيائِهِ للإِيْمانِ وكَتب، وسهَّلَ لهم في جانبِ طاعته كُلَّ نَصَب، أحمدهُ على ما مَنَحَنَا من فضْله وَوَهَب، وأشهَدُ أنْ لا إِله إلَّا الله وَحْدهُ لا شريكَ لَهُ هزَمَ الأحْزَابَ وحده وَغَلَب، وأشْهَدُ أن محمدًا عبدهُ وَرَسُولهُ

أما بعد: عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ“(الحشر:18). “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ“(البقرة:235)فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

  إخوة الإيمانِ والإسلام: يقولُ اللهُ تعالى في القرءان الكريم: “وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ“(الأعراف:180) فكل أسماء الله تعالى حسنةٌ لائقةٌ به عزّ وجل، فالله تعالى لا يدعى ولا يوصف باسمٍ أو بصفة لا تليق به عزّ وجلّ، ومن الأسماءِ اللائقةِ به عزَّ وجلَّ الرحمن والرحيم، ومعنى اسم الله الرحمن أنّ اللهَ تعالى كثيرُ الرحمةِ بالمؤمنين والكافرين في الدنيا وبالمؤمنين في الآخرةِ فقط، وأما الرحيم فهو كثيرُ الرحمةِ بالمؤمنين، ولا شكَّ أن هناك رحمةٌ خاصةٌ من اللهِ تعالى لبعض عبادِهِ المؤمنين، ومن ذلك قولُ اللهِ تعالى: “إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ“(الأعراف:56) فرحمةُ اللهِ تعالى قريبةٌ وشاملةٌ للمحسِن، والمحسنُ هو الذي أدّى ما أوجب اللهُ تعالى عليه وداومَ على نافلةٍ حتى وصلَ لهذهِ الدرجةِ العظيمة، فرحمةُ الله تعالى الخاصةُ قريبةٌ وشاملة لهذا، وهو منصورٌ محفوظٌ مؤيّدٌ من اللهِ تعالى، كما قال عزّ وجلّ: “إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ

هذه الرحمة التي قال عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إنّ لله مئةَ رحمة، أنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة، وادّخر عنده تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة، فبهذه الرحمة يتراحم الخلق، حتّى تعطفَ البهيمة على ولدها، وترفعَ الفرسُ رجلها عن وليدها بهذه الرحمة)). ممّا نرى بين المسلمين من قلّة تراحم وغياب رأفة، في الوقت الذي هم أحوج ما يكونون إليها، حيث يجب على المسلمين أن يعطف بعضهم على بعض وأن يرحم بعضهم بعضاً وأن يكونوا كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تدّاعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى))

وتأملوا في صفة الرحمة عند نبيّ الهدى صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عنه: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) وقال سبحانه: ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)) هذه صفة نبيّنا صلى الله عليه وسلم. القائل عن نفسه: ((إنّما أنا رحمة مُهداة)) فنبيّنا صلى الله عليه وسلم لم يتّصف فقط بالرحمة بل كان هو الرحمة، هو الرحمة نفسها وعينها وذاتها.

وتأملوا هذا الموقف من نبيّنا صلى الله عليه سلم وهو معذب ومضطهد ومعتدى عليه وقد أوذي ببدنه ونفسه من المشركين ويأتيه ملك من ملائكة الله، ملك الجبال، يقول له: يا محمّد، إن الله أرسلني إليك فماذا تريد؟ إن شئت أطبقتُ عليهم الأخشبين أي على أهل مكّة، والأخشبان جبلا مكّة، فيقول له نبيُّ الرحمة نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم: ((لا، لعلّ الله يخرج من أصلابهم من يوحّد الله)). الله أكبر، يقول هذا في حقّ كفرة مشركين وقد آذوه وعذبوه فكيف بالله عليكم لو يأتي مثل هذا الملَك إلى بعض المسلمين في بعض خلافاته مع إخوانه المؤمنين ويقول له إن شئتَ عذبتُهم لك وفعلتُ وفعلتُ بهم، بل ربما سيدفع الأموال الطائلة من أجل حصول ذلك، أين نحن من نبيّنا صلى الله عليه وسلم الذي كان يرحم الطير عندما أخذ الصحابة أفراخ الحمّرة، فقال: من فجع هذه بأولادها ردّوا عليها أولادها. النبيّ صلى الله عليه وسلم يرحم بيت النمل وقد أحرقه بعض الصحابة، النبيّ صلى الله عليه وسلم يرحم الجمل الذي يجيعه صاحبه ويحمل عليه المتاع الثقيل ويأمر برحمته. النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يقول: ((ارحموا تُرحموا واغفروا يَغفر الله لكم))، ويقول النبيّ صلى الله عليه وسلم، اسمع يا من تهرب من النار، يقول: (( إنّ الله حرّم النار على كلّ هين لين سهل قريب من الناس)).

  إخوةَ الإسلام: من أسبابِ نزولِ الرحَماتِ من اللهِ تعالى أن نكثرَ من ذكرِ الصالحين، فذكرُهم سببٌ لنزولِ الرحمةِ، وقد روي عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل رضي الله عنه أنه قال عن صفوانِ بنِ سليم وهو شيخ الإمام مالكٍ رحمهما الله: “ثقةٌ من خيارِ عبادِ الله الصالحين، ينزلُ القطرُ – أي المطرُ – من السماءِ بذكرهِ”(1) أي بإذنِ اللهِ تعالى تنزلُ الرحَماتُ من السماءِ بذكرِ هذا الرجلِ الصالح، ومن هؤلاءِ الصالحينَ الإمامُ سهلٌ التستريّ والذي روي عنه أنه قال: قال لي خالي(2) يومًا – وكان صغيرا في العمر-: يا سهل! ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقَكَ؟. قلتُ: فكيف أذكرُه؟ قال: عند تقلبِكَ في فراشِكَ ثلاثَ مرات من غيرِ أن تُحركَ بهِ لسانَك: اللهُ معي -أي حافظي-، اللهُ ناظرٌ إلي، اللهٌ شاهدي، قال سهلٌ: فقلت ذلك، ثم أعلمتُ خالي فقال: قلْها كلَّ ليلةٍ إحدى عشرة مرة، قال سهلٌ فقلت ذلك، فوقعَ في قلبي حَلاوة. فلما كان بعدَ سنةٍ قال لي خالي: احفظْ ما علمتُك، ودُمْ عليه، إلى أن تدخلَ القبر، فإنه ينفعُك في الدنيا والآخرة. قال سهلٌ: فلم أَزَلْ على ذلك سنينَ عديدة، فوجدتُ له حَلاوةً في سرِّي. ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان اللهُ معه -أي حافظه-، وهو ناظرٌ إليه، وشاهدُه، هل يعصيهِ؟ إيّاكَ والمعصية. فصارَ بعد ذلكَ من كبارِ الأولياءِ رضي الله عنه وعن خالِهِ. فانظرْ أخي المسلمَ ماذا يحصلُ بذكرِ الصالحين، وفكِّرْ بماذا تشعرُ بذكرِهم؟! نسألُ اللهَ تعالى أن يجمعَنا بهم في جنّاتِ النعيم مع سيِّدنا رسولِ اللهِ .

  إخوةَ الإسلام: من أسبابِ تنزّلِ الرحماتِ من اللهِ تعالى، أن يرحَمَ بعضُنا بعضًا، فقد روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: “مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ“وروى الترمذيُّ في سنَنِهِ أنَّ رسولَ اللهِ قال: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ“ وانتبِهْ جيّدًا أخي المسلم إلى أن قول النبيِّ : “يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ“يبينُ معناهُ ويفسِّرُها لنا رسولُ اللهِ في الروايةِ الثانيةِ التي وردت عنه والتي رواها الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل في مسنده حيث قال فيها : “يَرْحَمْكُمْ أهلُ السَّمَاءِ“ولا شكَ أن أهلَ السماءِ همُ الملائكةُ، فهم يرحمونَ أهلَ الأرضِ أي يدعون لهم بالرحمةِ والمغفرةِ من الذنوبِ إن كانوا مسلمين، كما قال اللهُ تعالى في القرءانِ العظيم:“الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ“(غافر:7)نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من الراحمينَ المرحومينَ في الدُّنيا والآخرة؛إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير.

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فإننا في أيامٍ بأمسِّ الحاجةِ فيها لأن تنزِلَ الرحماتُ علينا، ولكن لا بدّ من أن نعملَ بأسبابِ نزولِ الرحماتِ كما بيّنا، فالأمةُ اليوم تنتظِرُ نزولَ الرحمات، ولكن علينا أن نحسِنَ في بقي من عمُرِنا، وها نحنُ مُقبلونَ على فصلِ الشتاءِ الذي كان سيدُنا رسولُ اللهِ يسمّي الصيامَ فيهِ بالغنيمةِ الباردة(3) وقد جاء عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال :“مَرْحَبَا بِالشِّتَاءِ، تَنْزِلُ فيهِ البَرَكَةُ –أي المطر– وَيَطُولُ فِيهِ اللَّيلُ لِلْقِيَامِ، ويَقْصُرُ فِيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَام” فلنستغلّهُ في طاعةِ اللهِ تعالى حتى يُنزِلَ اللهُ علينا الرحماتِ والبركات، وما أحوجَنا إليها اليوم، سيّما وأهلُنا في غزّة وفلسطين ولبنان يعانونَ ما يعانون؛ نسأل اللهَ تعالى أن يرحمَهم رحمةً واسعة خاصّة، وأن يُريَنا عجائبَ قدرتِهِ باليهودِ الغاصبين الظالمين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

 إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

google-playkhamsatmostaqltradent