من أسباب خراب البيوت الحلف الكاذب "اليمين الغموس"
واليمينِ الفاجرةِ تدعُ الدِّيارَ بلاقع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: لقد تساهل كثير من الناس بأيمانهم وأصبح البعض يحلف بالله في كثير من أحاديثه وأقواله، وفي بيعه وشرائه، وفي كل أمر يَعِدُ به غيره، فتراه يحلف بالله على أتفه الأسباب بلا سبب يقتضيه، ومن الناس من لا يصدق غيره إلا إذا حلف له يمينا مغلظا.
لقد أمرنا الرب -جل وعلا- أن نحفظ أيماننا تعظيما لاسمه -جل وعلا- ولا نكثر من الحلف إلا عند الحاجة الملِّحة فقال تعالى { وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ}، بل أمرنا تبارك وتعالى أن لا نُطع من يُكثر الحلف فقال تعالى {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}.
إن شأن اليمين عند الله عظيم، والتساهل بها أمر جسيم؛ فليست اليمين مجرد كلمة تمر على اللسان، ولكنها عهد وميثاق سيُسأل عنه العبد يوم القيامة.
"واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" هو جزء من حديث شريف يذم الحلف بالكذب (اليمين الغموس أو الفاجرة) لظلم الآخرين، مؤكداً أن عقوبتها سريعة في الدنيا بخراب البيوت، وافتقار الحالف، وهلاك أهله.
واليَمينِ الفاجرةِ"، أي: الَّذي يَحلِفُ على شَيءٍ وهوَ يَعلمُ أنَّه كاذِبٌ،
"بلاقع" البلاقع:جمع بَلْقع وبلقعة،الأرض القفرالتي لاشيءبها، تعني أراضٍ قفراء خالية من السكان والخيريريدأن الحالف يفتقِرويذهب ماعنده من الرزق.
"تدَعُ الدِّيارَ بلاقِعَ" جمْعُ بَلْقَعٍ،
وهي الأرضُ القَفراءُ الَّتي لا شَيءَ فيها، يُرِيدُ أنَّ الحالفَ يَفتقِرُ ويَذهَبُ
ما في بيْتِه مِن الرِّزقِ. وقيل: هو أنْ يُفرِّقَ اللهُ شمْلَه ويُغيِّرَ عليه ما
أوْلاهُ مِن نِعَمِه.
وفي الحديثِ: التَّحْذيرُ مِن الظُّلْمِ
وقطْعِ الرَّحِمِ، ومن اليَمينِ الفاجِرةِ، والتَّخويفُ مِنَ الوُقوعِ فيها.
وقال ابن الأثير: "البلاقع: جمع بلقع، وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شيء بها، يريد: أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق. وقيل: هو أن يفرق الله شمله، ويغير عليه ما أولاه من نعمه" .
قال ابن القيم - وهو يذكر فوائد اليمين -: "ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق؛ فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه" .
سبب من أسباب خراب البيوت عبرة لمن يعتبر
واليمين الفاجرة هي سبب رئيسي في خراب البيوت فكم من بيوت خربت بسبب اليمين الفاجرة وشهادة الزور وإليك بعض الأمثلة علي ذلك :"
تحكي امرأة أنه قبل خمس سنوات اشترى زوجها شيئًا من أثاث البيت، فزارها أخوها فسرقه من بيتها، فعرَف زوج تلك المرأة- ببعض القرائن- أنه في بيت والد زوجته، فذهب إليهم يطلب أثاثه، فنفوا أن يكون عندهم، فطالبهم باليمين، فحلف جميع من في البيت أنه ليس عندهم ولا يعرفون عنه شيئًا، فرجع عند ذلك الزوج بعد حلفهم. تقول تلك المرأة: ومن ذلك العام إلى الآن قد مات من أسرتها خمسة، في كل عام واحد، بل في شهر رجب من كل سنة، فسقط ثلاثة من إخوتها من الجبل فماتوا، ومرضت أختها بالسرطان فلم يُمهلْها حتى قضى عليها، وماتت ابنة أخيها بسبب الفشل الكُلوي، وهكذا يأتي رجب من كل عام فيموت واحد من تلك الأسرة التي حلفت اليمين الفاجرة!
فتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم:".واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع"(البيهقي بسند صحيح). "أي: خالية من سكَّانها، إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة"
ومثل هذه القصة قصصٌ قد جرت عبر أيام الزمان ماضيه وحاضره في إهلاك اليمين الغموس لمن حلفها:
فمن ذلك:
ما جاء في "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لَفِينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجره رجل من قريش من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمرَّ رجلٌ به من بني هاشم، قد انقطعت عروة جُوَالقه، فقال: أغثني بعِقال أشُدُّ به عروة جُوَالقي، لا تنفِرُ الإبلُ، فأعطاه عقالًا فشدَّ به عروة جُوَالقه، فلما نزلوا عُقِلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يُعقَل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحَذَفَه بعصًا كان فيها أجَلُه، فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالةً مرةً من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب إذا أنت شهدت الموسم فَنادِ: يا آل قريش، فإذا أجابوك فَنادِ: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسَلْ عن أبي طالب فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالةً، أن فلانًا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائةً من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم، كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تُصْبِر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كُلَّ رجل بعيرانِ، هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تُصْبِرْ يميني حيث تُصْبَر الأيمانُ، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول، ومن الثمانية وأربعين عين تطرف" يعني: ما دارت السنة إلا وقد مات أولئك الحالفون الكاذبون جميعًا.
قال ابن هبيرة في فوائد هذا الحديث: "في هذا الحديث ما يدل على تغليظ الحنث في اليمين، وأن الله تعالى لم يمهل عنها من حنث في الجاهلية، ليستدل المؤمن على أنه من حنث بعد إقراره بالحق واعترافه بالرب سبحانه وتعالى، فإنه أغلظ ذنبًا وأفحش جرمًا، وأعظم استهدافًا لأليم العقوبة" .
وروى أبو نعيم في الحلية عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أروى بنت أويس، استعدت مروان على سعيد بن زيد، وقالت: سرق من أرضي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: ما كنت لأسرق منها بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سرق شبرًا من الأرض طوق إلى سبع أرضين"، فقال: لا أسألك بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأذهب بصرها، واقتلها في أرضها، فذهب بصرها ووقعت في حفرة في أرضها فماتت".
وقال ابن حجر في الفتح: "وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: "حلف ناس عند البيت قسامة على باطل، ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم"
وقال القلقشندي: "ويروى أن جعفر بن محمد عليه السلام، ادعى عليه مدع عند قاض، فأحلفه جعفر بالله،لم يزد على ذلك، فهلك ذلك الحالف لوقته"
ولقد حدثني أحد الأشخاص الموثوقين أنه صار له دعوى على شخص بدراهم، وليس له بها بينة وهي ثابتة، فتحاكموا إلى القاضي وحكم ببراءة المدعى عليه باليمين، وحلف أنه بريء منها، فدعا عليه المحكوم عليه، فخرج هو وعائلته من البلد التي جرى فيها التحاكم إلى بلد قريبة منها، فأصيب بحادث ومات هو وعائلته".
وصدق الطائي عند قوله:
وبلاقعًا حتى كأن قطينها
حلفوا يمينًا بالهلاك غموسا
يعني: كأن سكَّان الأطلال حلفوا يمينًا غموسًا، فعوقبوا، بكون ديارهم بلاقع
وقد دلَّ القرآن الكريم على أن اليمين الكاذبة مهلكة لأصحابها، قال الله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42].
قال أبو السعود: "في قوله: ﴿ يُهْلِكُونَ
أَنْفُسَهُمْ ﴾ لأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس".
وقال الرازي: "ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (اليمين الغموس تدع الديار بلاقع"
وقال عند قوله تعالى: ﴿ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [يس: 1 - 3]:
"وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الكفار أنكروا كون محمد
مرسلًا، والمطالب تثبت بالدليل لا بالقسم، فما الحكمة في الإقسام؟ نقول: فيه وجوه؛
الأول: هو أن العرب كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة، وكانوا يقولون: إن اليمين الفاجرة
توجب خراب العالم، وصحَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك"[12].
ألا فليتق كل مسلم اليمين الغموس؛ فإنها مهلكة للنفوس والأموال، وسائقة إلى البيوت كثيرًا من الأوجاع والأهوال، وقد قالت العرب في أمثالها: "السعيد من وعظ بغيره"
أمَرَ اللهُ عزَّ وَجلَّ المؤمنَ بإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه؛ فيُعطي للعِبادِة الواجبةِ عليه حقَّها ويؤَدِّيها كما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ، ويُعطي للوظيفةِ المُوكلةِ إليه حقَّها ويؤَدِّيها كما كُلِّف بها وكما يَنبغي، ويُعطي لعِبادِ اللهِ حُقوقَهم، ويأخُذُ هو حقَّه كاملًا غيرَ مَنقوصٍ؛ فلا يَظلِمُ ولا يُظلَمُ.وفي هذا الحديثِ يَحْكي جابِرُ بنُ سَمُرَةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ أهلُ الكوفةِ شَكَوْا سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه عِندَما كان أميرًا على الكوفةِ، إلى عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، فعَزَلَه عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه؛ لِتَهْدِئةِ النُّفوسِ، وإطْفاءِ نارِ الفِتنةِ، مع ثِقتِه فيه، وأقام مكانَه عَمَّارَ بنَ ياسرٍ رَضيَ اللهُ عنهما واليًا عليهم. وكان عُمرُ أمَّرَ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ على قتالِ الفُرسِ في سنةِ 14 هـ، ففتَح اللهُ العِراقَ على يدَيْه، وأنشَأ مدينةَ الكُوفة عامَ 17هـ، وأقامَه عُمر بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه واليًا عليها إلى أنْ عزَله عامَ 21هـ، وقيل: 20هـ.وقدْ شكَا بعضُ أهلِ الكوفةِ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، وذكَروا أشياءَ متعدِّدةً، وحقَّق فيها عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه فوجَدها كلَّها باطلةً، حتَّى ذَكَروا أنَّه لا يُحْسِنُ أداءَ الصَّلاةِ؛ وذلك لسُوءِ فَهْمِهم، وجَهْلِهم بِكيفيَّةِ الصَّلاةِ، لا لأنَّه رَضيَ اللهُ عنه لا يُحسِنُها، فأرسَلَ إليه عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه يَسألُه عن شِكايتِهم، فكنَّاه قائلًا: يا أبا إسْحاقَ -وهي كُنْيةُ سعدٍ- إنَّ هؤلاء يَزعُمون أنَّك لا تُجيدُ الصَّلاةَ على الوجهِ الأكمَلِ، فقال: أَمَّا أنا واللهِ، فإنِّي كنتُ أُصَلِّي بهم صَلاةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا أَنقُصُ منها شَيئًا؛ أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ فأُطيلُ القِراءةَ في الأُولَيَيْنِ؛ لأنَّه يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ سورةً أو ما تيسَّرَ مِن القُرآنِ، وأُخَفِّفُ القِراءةَ في الرَّكعتَينِ الأُخْرَيَيْنِ فلا يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ شَيئًا. وكأنَّ ما عابوه في صَلاتِه هو إطالتُه الأُولى وتخفيفُه الثَّانيةَ، وكان مَن سألوه جُهَّالًا. وقد خَصَّ سعدٌ رَضيَ اللهُ عنه صَلاةَ العِشاءِ بالذِّكرِ؛ لاحتِمالِ كَوْنِ شَكْواهم في هذه الصَّلاةِ، وقيل: المرادُ بقولِه: «صلاتي العِشاءِ» المغربُ والعِشاءُ، فقال له عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: لَقَد أَصَبتَ السُّنَّةَ فيما فَعَلْتَ، وصَلَّيْتَ مِثلَ صَلاةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذا ما نَظُنُّه فيك.وقد وقَع في بدايةِ الحديثِ أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه أرسَل إلى سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه يَسألُه، ثمَّ وَجَّهَ إليه الخِطابَ بأُسلوبِ الحاضرِ: «ذاك الظَّنُّ بكَ يا أبا إسْحاقَ»، وأُجيبَ على ذلك بأنَّه كان غائبًا ثمَّ حضَر. فأرسَلَ معه إلى العِراقِ رَجُلًا أو رِجالًا، على رأْسِهم محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ رَضيَ اللهُ عنه، فسَأل عنه أهلَ الكوفةِ، ولم يَترُكْ مَسجِدًا مِن مَساجِدِ الكوفةِ إلَّا سَأل عنه، وجميعُهم كانوا يُثْنونَ عليه خَيرًا ويُزَكُّونَه، حتَّى دخَلَ مَسجِدًا لِبَني عَبْسٍ، وهي قَبيلةٌ مِن قَيسٍ، فقام رجُلٌ اسمُه أُسامةُ بنُ قَتادةَ، فقال: أمَّا إذْ نَشَدْتَنا وسألْتَنا بالله تعالَى أنْ نُخبِرَك عن سَعدٍ، فَإنَّا نَقول: إنَّ سَعْدًا لا يَخرُجُ للغَزْوِ في سَبيلِ اللهِ، ولا يَعدِلُ في قِسْمتِه، ولا يَعدِلُ في الحُكمِ بيْنَ النَّاسِ! وقد قال ما قاله ظُلمًا وإجحافًا بحقِّ سعدٍ رَضيَ اللهُ عنه، وألصَقَ فيه ما ليس منه كَذِبًا وافتِراءً، وكان قيامُه للرِّياءِ والسُّمْعةِ. فدَعا عليه سعدٌ رَضيَ اللهُ عنه، قائلًا: أمَا واللهِ، لَأدْعُوَنَّ بثَلاثٍ: «اللَّهُمَّ إنْ كان عَبْدُك هذا كاذِبًا، قامَ رِياءً وَسُمعةً، فأَطِلْ عُمُرَه، وأَطِلْ فَقْرَهُ، وعَرِّضْهُ بالفِتَنِ»، فدَعا عليه بثلاثِ دَعَواتٍ؛ أوَّلُها بِطولِ العُمُرِ ومُرادُه أنْ يَطولَ عُمُرُه حتَّى يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، حيثُ يَهِنُ عَظْمُه، وتَنتكِسُ قُواهُ؛ فهي دَعوةٌ على الرجُلِ لا له. وجمَع له مع طُولِ العُمرِ الدَّعوةَ الثانيةَ بأنْ يُسلِّطَ اللهُ عليه الفَقرَ الطَّويلَ، وهذا أشَدُّ ما يَكونُ مِن سُوءِ العَيشِ في الحياةِ، وجمَع له الثَّالثةَ الَّتي هي أشَدُّ مِن الأُولَيَيْنِ، وهي: أن يَجعَلَه اللهُ عُرْضةً للفِتَنِ أو أن يُدخِلَه فيها، ففُتِن بالنِّساءِ؛ فكان هذا الرَّجُلُ المَدْعوُّ عليه إذا سُئِل عن سُوءِ حالِه الَّذي هو فيه، يَقولُ: أنا شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتونٌ، أصابَتْني دَعوةُ سَعدٍ التي أُجيبَتْ فيَّ. وذكَر بقولِه: «شيخٌ كبيرٌ» تحقُّقَ الدَّعوةِ الأُولى: «أَطِلْ عُمُرَه»، وذكَر بقولِه: «مَفتونٌ» تحقُّقَ الدَّعوةِ الثَّالثةِ، ولم يَذكُرِ الدَّعوةَ الثَّانيةَ: «وأَطِلْ فَقرَه»؛ لأنَّها داخِلةٌ ضِمنَ قَولِه: «أَصابَتْني دَعوةُ سَعْدٍ».قال عبدُ المَلِكِ- أحَدُ رُواةِ الحَديثِ، وهو ابنُ عُمَيْرِ بنِ سُوَيدٍ الكوفيُّ-: فأنا رَأَيْتُه بَعْدُ قدْ سَقَط حاجِباهُ على عَيْنَيْه مِن الكِبَرِ، وإنَّه لَيتَعَرَّضُ لِلجَواري في الطُّرُقِ، يَغمِزُهنَّ، بمعنى: يُغازِلُهنَّ أمامَ النَّاسِ، وهذا مِن الشَّهادةِ بتَحقُّقِ استجابةِ سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه، ودَعوةُ سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه على هذا الرَّجُلِ هي مِن الدُّعاءِ على الظالِمِ المعيَّنِ بما يَستلزِمُ النقصَ في دِينِه، وليس مِن طَلبِ وُقوعِ المَعصيةِ، ولكن مِن حيثُ إنَّه يُؤدِّي إلى نِكايةِ الظالمِ وعُقوبتِه.وفي الحَديثِ: فَضيلةُ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه، وأنَّه كان مُجابَ الدُّعاءِ.وفيه: مَشروعيَّةُ إطالةِ الرَّكعةِ الأُولى، وتخفيفِ الثَّانيةِ.وفيه: اهتِمامُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم بمُتابَعةِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فكانوا يُصَلُّون كما كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي.وفيه: أنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصالِحِ؛ فقدْ عزَلَ عمرُ سعدًا وهو أعدلُ مَن يأتي بعدَه؛ حسْمًا لمادَّةِ الفِتنةِ، ودرءًا للمَفْسَدةِ.وفيه: تَكنيةُ الرجُلِ الجَليلِ بكُنيتِه
واليمين ثلاثة أقسام،
يمين لغو، ويمين منعقدة، ويمين غموس،
تنقسم اليمين في الفقه الإسلامي إلى ثلاثة
أقسام رئيسية بناءً على القصد والحكم: اليمين اللغو (لا إثم ولا كفارة)، اليمين المنعقدة
(تجب فيها الكفارة عند الحنث)، واليمين الغموس (كاذبة ومحرمة). تفصيلها:
اليمين اللغو: ما يجري على اللسان بلا قصد،
كقول "لا والله" في العادة، أو الحلف على شيء يظنه صادقاً فتبين غير ذلك،
ولا مؤاخذة فيه.
اليمين المنعقدة: أن يحلف الشخص على أمر
مستقبلي، قاصداً الحلف، فإن خالفه وجبت عليه الكفارة.
اليمين الغموس: الحلف على أمر ماضٍ كذباً، وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار.
تفصيل الأحكام:
اليمين اللغو: لا يؤاخذ الله عليها ولا
كفارة فيها.
اليمين المنعقدة: فهي اليمين التي يقصدها الحالف ويؤكد ويصر عليها، فهي يمين متعمدة مقصودة وليست لغواً يجري على اللسان. وإذا حنث فيها (خالف قسَمه) وجبت الكفارة: (إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام).
اليمين الغموس: وأما اليمين الغموس فهي الحلف كذبا لأكل مال إنسان بالباطل، وسميت بالغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم العظيم أو في النار والعياذ بالله. فقد روى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال:َ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ)، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ"(البخاري).لا كفارة لها عند الجمهور لأنها أعظم من أن تكفّر، بل تجب فيها التوبة النصوح ..
مجموعة من أخطاء الناس في أيمانهم
يجهل كثير من الناس أحكام الأيمان ويقعون في أخطاء كثيرة في أيمانهم، والبعض قد يسأل العلماء عن ذلك والبعض الآخر يبقى على جهله سنين عديدة ثم يسأل عن أيمانه الماضية.
أذكر مجموعة من أخطاء الناس في أيمانهم لعلّنا أن نتفقه في أمر ديننا، ونحفظ أيماننا استجابة لأمر ربنا.
الخطأ الأول: الحلف بغير الله -عز وجل- وهو أمر محرم: كحلف بعضهم قائلا والأمانة وشرفي والذمة والنعمة وراس أبوي، وحق هذا الطعام ونحو ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"( الترمذي والحاكم)،
وقال صلى الله عليه وسلم :"من حلف بالأمانة فليس منا"(أبو داود).
وقال صلى الله عليه وسلم :"من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"(متفق عليه).
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا.
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-معلقا على كلام ابن مسعود: (لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك)، فلنحذر من الحلف بغير الله -عز وجل-.
الخطأ الثاني: الحلف بالله كاذبا
إنّ الحلف يكون بأعظم وأعز شيء لديك، ولا أحد أعز عندنا من الله -جل وعلا-، فمن حلف بالله كاذبا فكأنّه استهان بالله -عز وجل- ولم يقدره حق قدره، فقد روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله"(البيهقي).
فيجب على المسلم تحري الصدق في سائر كلامه عموما وفي يمينه خصوصا.
ويزداد الأمر إثما عندما يكون الحالف كاذباً،
فيحلف لأجل أكل أموال الناس بالباطل وهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار،
فقد روى أبو أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ
النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا
يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ"(مسلم).
ولنعلم أن اليمين الكاذبة ماحقة للمال وللعمر، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) أي أن اليمين الكاذبة تترك الديار مقفرة لا شيء فيها، والمعنى أن الحالف يفتقر ويمحق الله ماله، وقيل: هو أن يفرق اللّه شمله ويغير عليه ما أولاه من نعمه؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الحلف منفقة للسلع ممحقة للكسب"(متفق عليه). فلنحذر الحلف بالله كاذبين.
والخطأ الثالث في اليمين: الكذب في اليمين لترويج السلع، فقد روى سلمان الفارس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ بِضَاعَةً فَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ"(الطبراني)، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :"جعل الله بضاعته" أي جعل الحلف بالله وسيلة لترويج بضاعته وسلعته، فيُكثر من الأيمان الكاذبة ليخدع الناس فيشتروا منه اعتماداً على يمينه الكاذبة، فتراه يحلف بالله والله ربحي فيها ريال واحد.
وتأملوا في هذا الحديث كيف قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحالف بالله كذباً بالزاني والمتكبر مما يدل على عِظم جريمته والعياذ بالله.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثَلاَثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ على سِلْعَتِهِ لَقَدْ أُعْطِي بِها أكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كاذِبٌ ورَجُلٌ حَلَفَ على يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ ليقْتَطعَ بهَا مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ فَيَقُولُ الله اليَوْمَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ"(متفق عليه). فلنحذر الكذب في اليمين لترويج السلع.
الخطأ الرابع: التورية في الحلف عند القاضي
فبعض الخصوم يتساهلون في أمر اليمين في
المحاكم، فترى أحدهم يحلف كاذبا ليكسب قضية، دون مبالاة بحرمة تلك اليمين الكاذبة،
التي قد تبطل حقا أو تحق باطلا، فيأخذ بيمينه متاعاً من الدنيا قليلا بغير حق، وفي
النهاية سيموت ويتركه لورثته، وهو الوحيد الذي سيسأل عنه ويعذب به، فقد روى الأَشْعَثَ
بْنَ قَيْسٍ رضي الله عنه قال: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ
فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا
مَالاً وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" فَأَنْزَلَ
اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ "إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ
فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "(آل عمران: 77- متفق عليه).
ويجب العلم بأن اليمين التي يقولها الواحد
منّا أمام القضاء هي على نية الْمُسْتَحْلِفِ وليس على نية الحالف، ولا يجوز التورية
فيها، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الْيَمِينُ
عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ"( مسلم)، وفي رواية أخرى "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ
عَلَيْهِ صَاحِبُكَ"، فَإِذَا ادَّعَى رَجُل عَلَى رَجُل حَقًّا فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي
فَحَلَفَ وَوَرَّى فَنَوَى غَيْر مَا نَوَى الْقَاضِي، اِنْعَقَدَتْ يَمِينه عَلَى
مَا نَوَاهُ الْقَاضِي وَلا تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ( شرح صحيح مسلم للنووي).
والخطأ الخامس في اليمين: الحلف بالطلاق
وعلى أتفه الأسباب، فترى أحدهم إذا أراد أن يُضيّفُ رجلا ويُلزمه الحضور حلف بالطلاق
أن يتغدى أو يتعشى عنده، بهذه السهولة يُعرّض زوجته وأولاده للتشريد والضياع من أجل
وليمة؟ فليس من الرجولة بشيء أن يعرض أحدنا أسرته للشتات والانفصال من أجل أمر لا يستحق.
إن الذي يحلف بالطلاق إنسان لا يحب زوجته
ولا يحب أولاده، لأنّه بتصرفه هذا يبيع أسرته ويهدم علاقة متينة دامت سنين، يبيعها
بأبخس الأثمان.
إن شأن الطلاق عند الله عظيم، فلا ينبغي
التلاعب به ولوكه بالألسن لأتفه الأسباب، حتى تجرَّأ كثير من الشباب العزاب بالحلف
بالطلاق، استهتارا واستخفافا بحدود الله -عز وجل-، واعلموا أن من حلف بالطلاق فقد يقع
ذلك الطلاق؛ ولذلك لا يجوز لأي واحد منّا التسرع بالفتيا لمن حلف بالطلاق، وإنما عليه
المبادرة إلى سؤال العلماء ليتيقن هل وقع طلاقه أم لا؛ لأن المسألة فيها بقاء مع الزوجة
بالحلال أو بالحرام.
فليتق الله هؤلاء الأزواج في زوجاتهم وأولادهم ولا يحلفوا بالطلاق البتة.
والخطأ السادس في اليمين: حلف بعضهم بالبراءة
من الإسلام أو أنه يهودي إن فعل كذا وكذا، فقد روى لنا بريدة الأسلمي رضي الله عنه
حرمة ذلك اليمين حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنِّي
بَرِيءٌ مِنْ الإِسْلامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا
فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ سَالِمًا"(أبو داود والنسائي).
والخطأ السابع في اليمين: حلف كذباً لزوجته وظن أنه مباح
أن البعض قد يعد
زوجته أمرا ويحلف لها على تحقيقه ثم ينقض عهده دون سبب، ولا يُكفّر عن يمينه ظنّا أن
هذا من الكذب المباح على الزوجة، وإنما الكذب المباح على الزوجة ما كان فيه إصلاحا
بين الزوجين ودواما لعشرتهما، فليس من الكذب المباح أن تعد زوجتك شيئا لا تريد أن تفيَ
به لها أو تخبرها بأنك اشتريت لها الشيء الفلاني بسعر كذا فتغالي بالسعر ترضية لها؛
لأن ذلك قد ينكشف لها فيكون سببا لكي تسيء ظنها بك، فتسوء العلاقة بينكما وذلك من الفساد
لا الإصلاح المنشود.
فكيف إذا حلفت لها يمينا على أمر ما تعدها
به، وأنت في قرارة نفسك لا تريد الوفاء به، فلا شك أن هذا من الإثم، ويجب التكفير عن
ذلك اليمين.
الخطأ الثامن: حلف أن لايشرب الدخان مرة أخري
البعض إذا أراد أن يمنع نفسه
ويكفها عن شيء محرم اعتاده كمثل شرب الدخان لجأ إلى الحلف أن لا يشربه مرة أخرى، ثم
يتفاجئ أنه عاد إلى ذلك المحرم، فيتضجر من كثرة التكفير عن أيمانه، وكان أولى بهذا
إن كان صادقا في الابتعاد عن ذلك المحرم أن يلجأ إلى الله تعالى فيسأله الإعانة دون
استخدام اليمين.
الخطأ التاسع:حلف أن لايدخل بيت أحداً من أقاربه
البعض يحلف بأن يمتنع عن
فعل معروف ويستمر على هذا الأمر وإذا نصح في ذلك تعلل بأنه حلف أيمانا مغلظة ويخاف
عاقبة هذه الأيمان، فمن حلف أن لا يصل قريبه أو أخاه المسلم، أو لا يكلمه، أو لا يدخل
بيته، ونحو ذلك مما فيه معصية للخالق وتقصير في حق مسلم، فلا ينبغي له أن تمنعه يمينه
عن فعل البر وتحقيق الصلة، بل الذي ينبغي له أن يكفِّر عن يمينه ويفعل الذي هو خير
أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ
غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"( أبو داود والنسائي).
ولا تظن أن التراجع عن الرأي ليس من شيم
الرجال، كلا، فطالما أنك تفعل ما فيه خير وصلاح فلا حرج في هذا التراجع، بل هي الحكمة
والرجولة، فأنت لست أفضل من سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم الذي قال: "إِنِّي وَاللَّهِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ
كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"( البخاري).
وإذا أراد الرجل التكفير عن يمينه فعليه
إطعام عشرة مساكين فإن لم يستطع فعليه صيام ثلاثة أيام، فكثير من الناس إذا أراد التكفير
عن يمينه؛ قالوا له صم ثلاثة أيام وهذا خطأ؛ لأن الصيام يكون للفقير العاجز عن إطعام
عشرة مساكين، قال تعالى:"لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ
وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلاْيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ"(المائدة:89).
ومن حلف على شيء يظن صدقه فظهر خلافه فهو
من باب الخطأ ولا كفارة فيه لأنه من اللغو.
ومن حلف يمينا على أمر ماض وهو كاذب، فهو
آثم إثما عظيما، وليس فيه كفارة وإنما عليه التوبة والندم، فمن حلف أنه سافر إلى الصين
مثلا وهو لم يسافر فلا كفارة في ذلك اليمين وإنما عليه التوبة.
ومن حلف على يمين فأكل بها حق إنسان بالباطل
فلا تنحل تلك اليمين بالكفارة أبدا، وإنما تنحل بالتوبة وردّ المظلمة، لا كفارة لها
إلا ذلك.
حلف وقدم المشيئة قال إن شاء الله
وأما من حلف على يمين واستثنى في يمينه
كمن قال والله لأُسافِرنّ اليوم إلى مكة ثم قال إن شاء الله فلا شيء عليه ولا كفارة
ليمينه لو لم يسافر، وذلك لما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ،
إِنْ شَاءَ أَمْضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ"(أحمد والنسائي).
واحذروا أن تحول اليمين بينكم وبين الطاعة
وفعل الخير.
هذه بعض أخطاء الناس في بعض الأيمان، فاحفظوا
أيمانكم استجابة لأمر ربكم.
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول
فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.