حكم صلاة الإمام وهو علي جنابة
الحمد لله, والصلاة والسلام على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد:
من صلى جنبًا فإن صلاته لا تصح عند جمهور أهل العلم, ولو كان جاهلًا بوجوب الغسل, وأن عليه أن يقضي تلك الصلوات.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تلزمه الإعادة,
وأما صلاة من اقتدى به: فإنها صحيحة؛ لأن
حدثه مما يخفى على المأمومين, ولا يمكنهم الاطلاع عليه, وقد نص كثير من الفقهاء على
أن كل مبطل لصلاة الإمام إذا كان يخفى على المأموم, ولا يمكنه الاطلاع عليه, فإنه لا
تبطل به صلاة المأموم, قال ابن حجر الهيتمي الشافعي في الفتاوى الفقهية الكبرى: كُل
مُبْطِلٍ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ إذَا طَرَأَ - كَنِيَّةِ الْقَطْعِ - لَا
يُؤَثِّرُ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُوم، بِخِلَافِ مَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ,
وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا. اهـ.
صلاة الإمام وهو جنب باطلة ويجب عليه إعادتها فوراً، أما صلاة المأمومين خلفه فهي صحيحة ولا إعادة عليهم إذا كانوا جاهلين بحال الإمام، وذلك باتفاق جمهور العلماء. يجب على الإمام الغسل، وإعادة الصلوات التي صلاها وهو جنب، سواء كان ناسياً أو جاهلاً، لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة.
تفصيل الحكم:
حكم صلاة الإمام: باطلة (للجنابة) ويجب
عليه الغسل وإعادة الصلاة.
حكم صلاة المأمومين: صحيحة ولا إعادة عليهم
(لجهلهم بالحال).
في حال علم الإمام أثناء الصلاة: يجب عليه
أن يقطع الصلاة ويستخلف غيره، وإذا استمر وصلى بالناس، فالأصح أن صلاة المأمومين صحيحة.
إذا تذكر الإمام بعد الصلاة: يغتسل ويعيد، ولا يؤثر ذلك على صحة صلاة من خلفه.
أدلة الحكم:
استدل العلماء بما روي عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أنه صلى بالناس الصبح ثم وجد في ثوبه احتلاماً فأعاد صلاته ولم يأمر المأمومين
بالإعادة. وكذلك حديث: "يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم"
. فعليك أن تقضي صلاة تلك السنين التي صليتها
قبل أن تغتسل بنية رفع الحدث، فإن غسلك بغير تلك النية لا أثر له في رفع الحدث عند
الجمهور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات.. متفق عليه. وقد بينا
قضاء الصلوات الفائتة، وأن ذلك يكون حسب الطاقة والاستطاعة بما لا يضر ببدنك أو معاشك
يُفرِّق الإمام مالك –كما في رواية ابن
القاسم في المدونة– بين حالتي النسيان والعمد، ويترتب على ذلك اختلاف الحكم في حق الإمام
والمأمومين، وذلك على التفصيل الآتي:
أولًا: حالة نسيان الإمام للجنابة
إذا صلّى الإمام بالناس وهو جنب غير عالم
بجنابته، فله حالتان:
أن يتذكّر أثناء الصلاة:
يجب عليه الانصراف فورًا.
يستخلف من يتمّ بالناس الصلاة.
حكم صلاة المأمومين: صحيحة، ولا إعادة عليهم.
أن لا يتذكّر إلا بعد الفراغ من الصلاة:
حكم صلاة المأمومين: صحيحة كذلك.
حكم الإمام: يجب عليه وحده إعادة الصلاة.
ثانيًا: حالة تعمّد الإمام (العلم بالجنابة)
إذا صلّى الإمام بالناس وهو عالم بجنابته:
تبطل صلاته.
تبطل صلاة جميع المأمومين تبعًا له.
يجب على الجميع إعادة الصلاة.
ثالثًا: حكم المأموم إذا علم
إذا كان بعض المأمومين يعلم بجنابة الإمام،
والإمام نفسه ناسيًا:
حكم من علم: تبطل صلاته؛ لتعمّده الاقتداء
بمن لا تصح صلاته.
حكم من لم يعلم: صلاته صحيحة.
رابعًا: قاعدة عامة في الباب
قرّر ابن القاسم قاعدة كلية، وهي:
أن كل إمام طرأ عليه ما يُبطل صلاته أثناءها
(كحدث أو جنابة)،
ثم استمر ولم يقطع الصلاة:
فإن صلاة المأمومين تبطل إذا علموا بذلك،
ويجب عليهم الإعادة عند العلم.
الخلاصة الفقهية
يتبيّن من ذلك أن المذهب المالكي يُقيم
الحكم على أساس العلم والقصد:
الجهل أو النسيان من الإمام: لا يؤثر في
صحة صلاة المأمومين.
العمد أو التمادي مع العلم: موجب لفساد
صلاة الإمام والمأمومين.
كما يُحمِّل المأموم مسؤولية العلم؛ فمن
علم بفساد صلاة إمامه لا تصح متابعته.
الهامش
المدونة، رواية ابن القاسم، (دار الكتب
العلمية، بيروت)، ط1، 1415هـ تقريبًا، جـ1، صـ138.