إتقان العمل واجب ديني وحضاري
معنى إتقان العمل .
حكم الإسلام فى إتقان العمل
من حديث القرآن عن إتقان
العمل
من فوائد إتقان العمل
من طرق الوصول إلى إتقان الأعمال
الحمد لله على نعمة الإسلام ونشهد أن لاإله
إلا الله الملك العلام ونشهد أن محمد ﷺ سيد الأنام وبعد وبعد فحديثى معكم بحول
الله الواحد الديان تحت عنوان: إتقان العمل واجب ديني وحضاري .
العنصر الأول ً:معنى إتقان العمل :
(1)أتقنَ العملَ: أحكمه، أجاده، ضبطه
"أتقن عددًا من اللّغات- {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}
".معجم اللغة العربية المعاصرة (1/295)
(2)اتقان العمل :هوالقيام بالعمل المراد إنجازه
والانتهاء منه بأفضل صورة وعلى أتمّ وجه ،ودون خلل فيه وبإحكام وبمُنتهى الدقّة ويكون
ذلك ببذل الجهد، والبعد عن التراخي في العمل. وأداؤه في الوقت المحدد دون تأخير.
العنصر الثانى :حكم الإسلام فى إتقان العمل:
-إتقان العمل فريضة على كل مسلم ومسلمة ويشمل
كل عمل دينيا ًأودنيويًا والدليل مثلاً:-قال تعالى:وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ(195)البقرة.
-قَالَ تَعَالَى:(وَأَحْسِنُوا)الْأَمْرُ
بِالْإِحْسَانِ عَلَى عُمُومِهِ،أَيْ: أَحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِكُمْ وَأَتْقِنُوهَا
فَلَا تُهْمِلُوا إِتْقَانَ شَيْءٍ مِنْهَا.(تفسير المنار (2/172).
-عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ،قَالَ:رَسُولِ
اللهِ ﷺقَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ،فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا
الذَّبْحَ،وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ،فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».صحيح مسلم
(1888).- كَتَبَ الْإِحْسَانَ :كتب قدر وفرض وأوجب،فالله تعالى قدره وشرعه وأوجبه على
كل شيء،يعني في جميع الأمور،في معاملة الإنسان مع نفسه،في معاملته مع خالقه،في معاملته
مع المخلوقين.(شرح الأربعين النووية عبدالكريم خضر (12/6).
العنصر الثالث :من حديث القرآن عن إتقان
العمل مثلا:
(1)صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ
شَيْءٍ
:-
قال
تعالى :وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
(88) النمل.{صنع الله الذي أتقن كل شيء} سبحانه!يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا
الوجود.فلا فلتة ولا مُصادفة،ولا ثغرة ولا نقص ، ولا تفاوت ولانسيان.ويتدبر المتدبر
كل آثارالصنعة المعجزة فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب.في الصغير
والكبير،والجليل والحقير.فكل شيء بتدبير وتقدير.والأمثلة على إتقان صنع الله لاتعد
ولا تحصى نذكر فقط:قال تعالى:الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًامَا تَرَى فِي
خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ
(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ
حَسِيرٌ (4) الملك -(تَفَاوُتٍ) أي:خلل ونقص.(فُطُورٍ) أي: نقص واختلال.
(2)الإتقان في حياة نبي الله سليمان عليه السلام:
-تأملوا قمة التقدم والإتقان الذي شيد به
سليمان عليه السلام ذلك القصرالفخم الضخم
.قال تعالى :قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(44) النمل .أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا
قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ،أَيْ: مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ،
فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ،وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ.تفسير ابن كثير (6/194)
-جلس سليمان في بهو صرحه وكان البهو تحته
بركة ماء عظيمة فيها أسماك كثيرة وللماء موج، وسقف البركة مملس من زجاج.(أيسر التفاسير
(4/24).
(3)سد ذى القرنين :
-ضرب الله تعالى مثالافريداً في الإنشاء
والتعمير الا وهو إتقان فقد استخدم ذو القرنين أعلى مواصفات التقنية في البناء والإحكام
لذلك السد ،قال تعالى :قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ
فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ
سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى
بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا
لَهُ نَقْبًا (97) الكهف.
-هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون
في المعماربالحديد والخرسانة؛ لكنه استخدم الحديد ، وسَدَّ ما بينه من فجوات بالنحاس
المذاب ليكون أكثر صلابة ، فلا يتمكن الأعداء من خَرْقه ، وليكون أملسَ ناعماً فلايتسلقونه
، ويعلُون عليه .(تفسير الشعراوى (1/5478).
العنصر الرابع : من فوائد إتقان العمل مثلا :
(1) محبة الملك سبحانه :-
قال تعالى:وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ (195)البقرة.وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ
إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».المعجم الأوسط للطبرانى.(897)،وصحيح
الجامع (1880)
-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ" وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ
إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي
يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا،
وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي
لَأُعِيذَنَّهُ "صحيح البخارى
(6502).يعني أنه يكون مُسدداً له في هذه الأعضاء الأربعة؛ في السمع، يسدده في سمعه
فلا يسمع إلا ما يرضي الله. فلا ينظر إلا إلي ما يحب الله النظر إليه، ولا ينظر إلي
المحرم، ويده؛ فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله، لأن الله يسدده، وكذلك رجله؛ فلا يمشي
إلا إلى ما يرضي الله، فلا يسعى إلا إلى ما
فيه الخير، إذا سأل الله أعطاه، فكان مجاب الدعوة.(شرح رياض الصالحين (2/62).
(2)الله تعالى مع المتقن :
قال تعالى :وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
(69)العنكبوت.الله مع المتقن بالعون والنصر والهداية والسداد
(3)حل المشكلات وسعة الأرزاق :
-قال تعالى :وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ
لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) الطلاق.-فكل من اتقى
الله تعالى،ولازم مرضاة الله في جميع أحواله، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة.ومن
جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، وقوله { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ
لا يَحْتَسِبُ } أي: يسوق الله الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به.تفسير السعدى(1/869).
(4) تقدم المجتمع ونهضته :-
-هب أن المجتمع كل واحد فيه أى مهنة أى حرفة
أى عمل يُحسن ويتقن عمله لوجه لله تعالى وكأنه يعمله لنفسه كيف يكون حال هذا المجتمع
أمام العالم سيكون بفضل الله مجتمع من أنجح المجتمعات المتقدمة فى كل العلوم والمهن.الأمثلة
كثيرة جدا منها:- المجتمع المسلم فى القرون الأولى من الإسلام أتقنوا العبادة والعلم
والعمل فوصلوا إلى العالم أجمع وقادوا العالم فى كل العلوم والمجالات أكثر من ألف عام.
(5) التمتع والتنعم بالجنة -
-قال تعالى :لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ
رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) الزمر.(لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ
رَبِّهِمْ)من الثواب،مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فكل ما تعلقت
به إرادتهم ومشيئتهم،من أصناف اللذات والمشتهيات،فإنه حاصل لهم، معد مهيأ،{ ذَلِكَ
جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ
}
العنصرالخامس:من طرق الوصول إلى إتقان الأعمال
مثلا ً:
(1)إخلاص العمل لله تعالى وحده :
قال تعالى :قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام.
(2) مراقبة وخشية الله فى كل الأعمال:
-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ ﷺ: «سَلُونِي»، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ،
فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،مَا الْإِحْسَانُ؟
قَالَ:«أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ
يَرَاكَ»قَالَ:صَدَقْتَ.صحيح مسلم (10).يجب على المؤمن:في كل عمل من الأعمال؛لا في
العبادة وحدها أن يؤدي العمل كأنه يري الله،و أن يشعر أن الله يراه ،وشعار المؤمن دائماً
في أدائه لعمله :إني أرضي ربي.
(3) كما تحب لنفسك:
-عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى
يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»رواه البخارى (13)،ومسلم (45). الإحسان في
كل شيء هو إتقانه إتقاناً بحيث يصنع الإنسان لغيره ما يحب أن يصنعه غيره له ، ولو تعامل
الناس على هذا الأساس لامتازت كل الصناعات.(تفسير الشعراوى(1/511).
(4)البحث بكل جدية عن كل الجديد دائما ًوالتطوير
والتحديث فى كل أعمال الصناعة ، ليتقدم المجتمع .
(5)أعمالك كلها ستشاهدها يوم القيامة صوت وصورة:
-قال تعالى :وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) التوبة-عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ،قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ
أَضْحَكُ؟»قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مِنْ مُخَاطَبَةِ
الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟قَالَ: يَقُولُ:بَلَى،قَالَ:
فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي،قَالَ:فَيَقُولُ:
كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا،وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا،قَالَ:فَيُخْتَمُ
عَلَى فِيهِ،فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي،قَالَ:فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ:
ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ،قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا،
فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ" صحيح مسلم (2969).
فأتقن العمل حتى لاتفضح يوم القيامة بل
تسعد فى دنياك وأخراك