بر الوالدين زينة الأعياد
وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا .
ثَمَرَاتِ بِرِّ الوَالِدَينِ .
صور من السلف الصالح من الصحابة
والتابعين في بر الوالدين .
عقوق الوالدين من أكبر الكبائر .
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ
إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ
أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا
عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. القائل " رَغِمَ أَنْفُ رجلٍ ذُكِرْتُ
عندَه ؛ فلم يُصَلِّ عَلَيَّ، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ، ثم انسلخ قبل أن
يُغْفَرَ له، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ أدرك عنده أبواه الكِبَرَ، أو أحدُهما، فلم يُدْخِلاه
الجنةَ " ثم أما بعدُ:
عباد الله :
أولاً : وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا :
حديثا اليوم المبارك يوم عيد الفطر المبارك عن بر الوالدين، فلا تكتمل فرحة العيد إلا برضاء الله عنا ثم رضاء
الوالدين فقد أمرنا الله -سبحانه وتعالى- ببر الوالدين،
فالوالدين نعمة عظيمة على الإنسان؛ فهما
موطن السّعادة والأُنس، ومنبع الحنان والدفْء، وما يُقدّمانه من إحسانٍ وجميلٍ لا يُكافئه
أيّ إحسانٍ وبرٍّ، وعلى الأبناء شكر الله على
هذه النعمة، والإحسان وردّ الجميل لوالديهم،
قال تعالى:
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي
ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الأحقاف ١٥
ولقد تكرَّرت الوصيةُ في كتاب الله تعالى
في حقِّ الوالدَيْن في مواضِع عديدة، وآياتٍ مجيدةٍ، قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) [الأحقاف: 15]، وقال - سبحانه -: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [العنكبوت: 8].
قال الإمام الطبريُّ - رحمه الله -:
"أي: وصَّاه فيهما بجميع معانِي الحُسن، وأمرَ في سائرِ الناسِ ببعض الذي أمرَه
به في والدَيْه، فقال: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83] يعني بذلك: بعضَ
معانِي الحُسن.
وقال تعالى:
(وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ
وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما
فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا).
وبِرُّ الوالدَين منهجٌ ربَّانيٌّ تمثَّله
وتخلق به الأنبياءُ والمُرسَلون، ودأب الصالِحين، يقول تعالى عن عيسى - عليه السلام
-: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 32]، ويقول
عن يحيى بن زكريا - عليهما السلام -: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا
عَصِيًّا) [مريم: 14].
وهذا ابراهيم عليه السلام يتأدب في حواره
مع أبيه
قال الله تعالي :
﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ
كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا
يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي
مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا
أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا
. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ
وَلِيًّا ﴾,(سوره مريم :٤١- ٤٥ )
والجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان
كان جزاء ابراهيم عليه السلام بر ولده اسماعيل له لما اخبره انه راى في المنام
انه يذبحه و رؤيا الانبياء حق وصدق
قال اسماعيل عليه السلام : ﴿ قَالَ يَا
أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
﴾ (سوره الصافات :٢٢)
والدعاءُ للوالدين أحياءً وأمواتًا دأبُ
المؤمنين المتقين، يقول تعالى عن نوحٍ - عليه السلام -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [نوح:
28]، وقال عن إبراهيم - عليه السلام -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 41].
فلهما تلك المزيةُ والفضلُ؛ لِمَا تحملاهُ
مِن مشقةٍ في سبيلِ تربيةِ الأبناءِ وتأدبيهِم خاصةً الأمُّ كما قالَ ربُّنَا: ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -:
"نزلت ثلاثُ آياتٍ مقروناتٌ بثلاث .."، وذكرَ منها: "(وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..) إلى قوله - سبحانه -: (.. أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: 14]".
فمن لم يشكُر لوالدَيه لم يشكُر الله -
عز وجل -.
وفي مِشكاةِ النبُوَّة المُحمديَّة يأتي
برُّ الوالدَين من أحبّ الأعمال إلى الله -تعالى وقرينًا للصلاة عمودِ الإسلام، ومُتقدِّمًا
على الجِهاد ذِروة سَنام الإسلام؛
ففي "الصحيحين" عن عبد الله ابن
مسعود - رضي الله عنه - قال: سألتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ
إلى الله؟ قال: «الصلاةُ على وقتِها». قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «برُّ الوالدَين». قلتُ:
ثم أيٌّ؟ قال: «الجهادُ في سبيلِ الله».
ففاقَ برُّ الوالدَين الجهادَ والدخولَ
في معامِع القتالِ والجِلاد.
ويشهَدُ لذلك: ما في "الصحيحين"
أيضًا أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذِنُه في الجِهاد، فقال:
«أحيٌّ والدِاك؟»، قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهِد».
والأم لها مكانة عظيمة في الإسلام لما بذلته
في سبيل أبنائها ولما تحمّلته من الألم والتعب،
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (جَاءَ
رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ-، فَقالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ
بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ
مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ)،
وأخرجَ البخاريُ في الأدبِ المفردِ أنَ
ابنَ عمرَ رضي اللهُ عنهُما شهدَ رجلاً يمانياً يطوفُ بالبيتِ، حَمَلَ أُمَهُ وراءَ
ظَهرِهِ يَقُولُ: إني لها بعيِرُها المذَلَّلُ ، إن أُذْعِرَتْ رِكَابُها لمْ أُذْعَرْ
، اللهُ ربي ذُو الجلالِ الأكبرِ، حمْلتُها أكثرَ مما حَمَلتْنِي، فهل أتُرانى جازيتُها
يابنَ عمر؟ قالَ ابنُ عمرَ: لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ.
إخوتي في الله،
إنّ بر الوالدين يكون ببذل المعروف والإحسان
إليهما بالقول، والفعل، والمال، فالإحسان لهما بالقول يتجلّى من خلال مخاطبتها بلينٍ
وبطيبٍ، وتخيّر الألفاظ الطيّبة الحسنة في الحديث إليهما، وعدم رفع الصوت عليهما،
وقد دعا -سبحانه- عباده لترك أي كلمة أو
قول يدلّ على الضجر من الوالدين، وأمر ببرّهما في أشدّ أوقات ضعفهما وملاطفتهما والإحسان
إليهما في وقت مرضهما.
فقال -عزّ وجلّ-: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا
وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}،
فأراد الله -تعالى- من الأبناء أن يكونوا لآبائهم كالطيور التي تجعل أبناءها تحت جناحها فتحميهم
من المخاطر وتحنو عليهم وترأف بهم، فهم في ضعف وبحاجة إلى الحنان كما الوالدين عند
المرض، والكبر، والعجز،
فقال سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}،
ويكون الإحسان بالفعل من خلال السعي في
حاجتهما وتلبية مطالبهما ومساعدتهما في جميع شؤونهما، أمّا الإحسان للوالدين في المال
فيكون ببذله لهما بنفسٍ طيّبة ومنشرحة ومن دون شعور بالفضل والمنّة عليهما، فالفضل
لهما بأن قبلا أخذه والانتفاع به
فالابن ليس متفضّل على الوالد عندما يرعاه
في مرضه وكبر سنّه، بل هذا واجبٌ عليه وحقٌّ من حقوق والديه، وهو مطالب أيضًا بعدم
إظهار الضجر والملل من الاهتمام بوالديه.
ثانياً : ثَمَرَاتِ بِرِّ الوَالِدَينِ :
يَا عِبَادَ اللهِ: قُولُوا لِكُلِّ من
ضَاقَ صَدْرُهُ, وضَاقَت عَلَيهِ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت: هل تُرِيدُ أن تَكُونَ مُجَابَ
الدَّعوَةِ؟ هل تُرِيدُ أن يُفَرِّجَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- عَنكَ هُمُومَكَ وأَحزَانَكَ,
ويُخرِجَكَ من الهَمِّ والكَربِ العَظِيمِ؟ هل تُرِيدُ سَعَادَةَ الدُّنيَا والآخِرَةِ
والحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ؟ هل تُرِيدُ أن تَكُونَ مُسَدَّدَاً ومُوَفَّقَاً ومَحفُوظَاً
من كُلِّ مَكرُوهٍ؟ إذا أَرَدتَ كُلَّ هذا فَكُنْ بَارَّاً بِوَالِدَيكَ, مَعَ الإخلاصِ
للهِ -تعالى- في بِرِّكَ لَهُمَا.
1 - بِرِّ الوَالِدَينِ سبب في رضا الله :
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (رِضاءُ اللهِ في رِضاءِ الوالدِ وسخَطُ اللهِ
في سخَطِ الوالدِ).
2 - بِرِّ الوَالِدَينِ سَبَبٌ لاستِجَابَةِ
الدُّعَاءِ؟
روى الإمام مسلم عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ
-رَضِيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- إِذَا
أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟
حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مِنْ مُرَادٍ, ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ
فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ
وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ
أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ, مِنْ مُرَادٍ, ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ
مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ, لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ, لَوْ أَقْسَمَ
عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ, فَإِن اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ".
فَاسْتَغْفِرْ لِي؛ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
3 - بِرِّ الوَالِدَينِ سَبَبٌ لِتَفرِيجِ الهُمُومِ
والغُمُومِ والكُرُوبِ؟
روى الإمام البخاري عن عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ, حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ, فَانْحَدَرَتْ
صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ. فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ
مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ
رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لَا
أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلَا مَالاًـ أي: لا أُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا أَحَداً
فِي شُرْبِ نَصِيبِهِمَا عِشَاءً مِن اللَّبَنِ ـ فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْماً,
فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا, فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا
نَائِمَيْنِ, وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً, فَلَبِثْتُ
وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا, حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ,
فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا؛ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ, فَانْفَرَجَتْ
شَيْئاً".
4 - بِرِّ الوَالِدَينِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ؟
روى الحاكم والإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ
-رَضِيَ اللهُ عنها-, عَن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَسَلَّمَ- قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً, قُلْتُ:
مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "كَذَلكُمُ الْبِرُّ, كَذَلكُمُ
الْبِرُّ" يَعنِي: مِثلَ تِلكَ المَنزِلَةِ والدَّرَجَةِ تُنَالُ بالبِرِّ؛ وكَانَ
حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ من أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّهِ.
و عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ
-رَضِيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ
وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ
مَعَكَ, أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ: "وَيْحَكَ,
أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "ارْجِعْ فَبِرَّهَا".
ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِن الْجَانِبِ الْآخَرِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي كُنْتُ
أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ, أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
قَالَ: "وَيْحَكَ, أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟". قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبِرَّهَا". ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ,
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ, أَبْتَغِي
بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ: "وَيْحَكَ, أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟".
قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "وَيْحَكَ, اِلْزَمْ رِجْلَهَا, فَثَمَّ
الْجَنَّةُ".رواه بن ماجة
5 -بِرِّ الوَالِدَينِ يُزيد في رزق العبد ويُمد له في عمره :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي
عُمْرِهِ، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ
رَحِمَهُ» رواه أحمد وقال شعيب الأرنؤوط: حديث
صحيح،
6 - استجابة دعاء الوالد لابنه البار:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ
لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ
الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» ".حسن: رواه ابن ماجة وحسنه الألباني وشعيب الأرنؤوط.
إنَّ دينَنَا دينُ الإنسانيةِ يأمرُنَا
بالإحسانِ إلى الوالدينِ واحترامِهِمَا حتى ولو كانا غيرَ مسلمينِ وفاءً بحقهِمَا،
وحفظًا لجميلِ صنيعِهِمَا قالَ ربُّنَا: ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾،
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ
فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ:
«نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (متفق عليه)،
أمَّا الإساءةُ إليهما فلا يجلبُ للإنسانِ
إلّا الشقاءَ في الحياةِ فضلًا عمَّا ينتظرهُ في الآخرةِ مِن العقابِ، وهو ديْنٌ مؤجلٌ
سيقتصُّ منه قال ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذُنُوبٍ يُؤَخِّرُ اللَّهُ
مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا الْبَغْيَ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ،
أَوْ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ، يُعَجِّلُ لِصَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ»
(الأدب المفرد بسندٍ صحيح) .
وعلى هذا تربَّى جيلُ الصحابةِ فخرجُوا
وعلَّمُوا العالمَ بأسرِهِ
ثالثاً: صور من السلف الصالح من الصحابة
والتابعين في بر الوالدين :
ولنا -يا أحبتي- في سلفنا الصالح خير مثالٍ
وصورة للإحسان إلى الأهل والبر بهما،
كان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا ابتدَرَ
الخروجَ من بيتِه وقفَ على بابِ أمِّه، فقال: السلامُ عليكِ يا أمَّاه ورحمةُ الله
وبركاتُه. فتقول: وعليك السلامُ يا ولدِي ورحمةُ الله وبركاته، فيقول: رحمَكِ الله
كما ربَّيتِني صغيرًا، فتقول: رحمَكَ الله كما برَرتَني كبيرًا. وإذا أراد أن يدخُل
صنعَ مثلَ ذلك.
الله أكبر، الله أكبر! ما أروع هذا البرَّ
وهذا الأدب.
ورأى أبو هريرة - رضي الله عنه - رجُلَين، فقال لأحدِهما: من هذا منك؟ فقال: إنه
فلانٌ - أبي -، فقال: "لا تُسمِّه باسمِه، ولا تُنادِي أباكَ باسمِه". فلا
تقُل: يا فلان؛ "بل تُسمِّه بصفتِه، فتقول: يا أبِي أو يا أبتَاه".
وعن الزهريِّ - رحمه الله - قال:
"كان الحسنُ بن عليٍّ لا يأكُلُ مع أمِّه، وكان أبرَّ الناس بأمِّه. فقيلَ له
في ذلك، فقال: أخافُ أن آكُلَ معها، فتسبِقَ عينُها إلى شيءٍ من الطعامِ وأنا لا أدرِي
فآكُلُه، فأكونُ قد عققتُها".
الله الله ما أعظم هذا الإحسان وما أنبل
تلك الأخلاق!
وهذا محمد بن سيرين -رحمه الله- يراه رجل
عند أمّه فيظنّه مريضًا لشدّة تأدّبه وخضوعه بين يديها، فيسأل عن ذلك ليُجاب بأنّ هذا
هو حال ابن سيرين عندما يكون عند أمّه.
وها هو ابْنُ عُمَرَ:
«خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، وكَانَ لَهُ حِمَارٌ
يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا
رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ،
فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ،
وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَة اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقيل لَهُ: غَفَرَ
اللهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ،
وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ
أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ» (مسلم) .
والمراد "بأن يولي": أي: يموت،
وقال رجل لعمر بن الخطّاب: "إنّ لي
أُمًّا بلغ منها الكِبَرُ أنها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مَطِيَّة، فهل أديتُ
حقَّها؟ قال: لا؛ لأنّها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءَك، وأنت تصنعه وأنت تتمنى
فراقها، ولكنّك مُحسن، والله يثيب الكثير على القليل".
وهذا إياس بن معاوية يبكي عند وفاة أمّه
ويقول: "كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، وأغلق أحدهما".
فلنحذر إخوتي في كلامنا مع الوالدين ولنُراعِ
في ذلك غاية الأدب واللطف.
كيف_يكون_بر الوالدين بعد وفاتهما؟
الحمد لله أن بر الوالدين والإحسان إليهما
لا ينقطع بموتهما، وإنما يستمر مباركًا موصولًا،
كالصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ
عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما".
روى الإمام أحمد في "مسنده" عن
أبي أُسيدٍ الساعديِّ - رضي الله عنه - قال: قال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! هل
بقِيَ من برِّ أبوَيَّ شيءٌ أبرُّهما بهِ بعد موتِهما؟ قال: «نعم، الصلاةُ عليهما،
والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهما من بعدِهما، وصِلةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلا
بهما، وإكرامُ صديقِهما».
وعن عبد الله بن دينارٍ، عن عبد الله بن
عُمر - رضي الله عنهما - أن رجُلاً من الأعرابِ لقِيَه بطريقِ مكَّة، فسلَّم عليه عبدُ
الله بنُ عُمر، وحملَه على حِمارٍ كان يركبُه، وأعطاهُ عِمامةً كانت على رأسِه. فقال
ابنُ دينارٍ: فقلنا له: أصلَحَك الله، إنهم الأعرابُ وإنهم يرضَون باليسير. فقال عبدُ
الله: إن أبا هذا كان وُدًّا لعُمر بن الخطاب، وإني سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - يقول: «إن أبرَّ البرِّ: صِلةُ الولد أهلَ وُدِّ أبِيه»؛ رواه مسلم.
كقضاء الدين عن الوالدين، والكفارات وغير
ذلك
فعلى سبيل المثال كفارة اليمين عنهما وإنفاذ
عهدهما من بعدهما الوصية التي يوصيان بها، فالواجب على الولد ذكرًا كان أو أنثى إنفاذها
إذا كانت موافقة للشرع المطهر.
وصلة الرحم الذي لا توصل إلا بهما وذلك
بالإحسان إلى أعمامك وأقارب أبيك وإلى أخوالك وخالاتك من أقارب أمك، هذا من الإحسان
إلى الوالدين، وبر الوالدين أن تحسن إلى أقارب والديك؛ الأعمام والعمات وأولادهم..
والأخوال والخالات وأولادهم، الإحسان إليهم وصلتهم كل ذلك من صلة الأبوين ومن إكرام
الأبوين.
وأهم شىءٌ يجب أن تفعله لأبويك هو سداد
ديونهما ، وأن يتدارك الابن ما فات والديه من تقصيرِ في حق الله واسترضاء من ظلمهم
الأب في حياته، كان يكون قد ظلم أخوته في الميراث أو أخذ شيئًا بدون إذن صاحبه وهي
حقوق العباد،
أما حقوق الله تعالى كالصلاة فهي عبادة
بدنية محضة فلا يجوز قضائها عن الميت ولا تصح حتى لا يكون ذلك مدعاة للتهاون في عمود
الدين، أما الصيام فقد جاء فيه قول النبي ﷺ: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"
متفق عليه،
ولما سئل عن صيام الابن عن أمه الني ماتت
قال: "دين الله أولى بالقضاء، والقول بجواز قضاء الزكاة عن الميت لا ينبغي أن
يكون فيه خلاف،
وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- قال:
(أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهو غَائِبٌ
عَنْهَا، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا،
أَيَنْفَعُهَا شيءٌ إنْ تَصَدَّقْتُ به عَنْهَا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فإنِّي أُشْهِدُكَ
أنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا).
فالحديث الشريف أيها الأحبة، يدل على وجوب
الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما .
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من
لا نبى بعده
فاتقوا الله - عباد الله -، وأدُّوا حقَّه
كما أمرَكم، وإياكم وعقوقَ الوالدَين، فقد نهاكم المولَى عن ذلك وحذَّرَكم؛
فعن أبي بَكرَة - رضي الله عنه - قال: قال
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُنبِّئُكم بأكبَر الكبائِر؟». قلنا: بلى
يا رسول الله، قال: «الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدَين»؛ متفق عليه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى
الله عليه وسلم - قال: «رغِمَ أنفُ ثم رغِمَ أنفُ من أدركَ أبوَيه عند الكِبَر أحدَهما
أو كليهما فلم يدخُل الجنة»؛ رواه مسلم.
ألا فاتقوا الله - عباد الله - في برِّ
الوالدَين.
فاللهَ اللهَ في البرِّ والصِّلَة والإحسان
قبل فوات الأوان، والتوبةَ التوبةَ أيها المُقصِّرون في أداء الحقوق، الواقِعون في
شيءٍ من العُقوق، قبل أن تقول نفسٌ: يا حسرتَى على ما فرَّطتُ في جنبِ الله، وعلى ما
قصَّرتُ في حقِّ والدَتي وأبَتاه.
اللهم ارزُقنا برَّ آبائِنا وأمَّهاتِنا
أمواتًا وأحياءً، اللهم ارحمهما كما ربَّونا صِغارًا،
الدعاء......واقم الصلاة....