قل اصلاح لهم خير
من هو اليتيم ؟
مكانة اليتيم في القرآن
مكانة اليتيم في السنة
عاقبة أكل مال اليتيم
يتيم رغم وجود الأبوين
كيف تؤمن مستقبل ولدك
من هو اليتيم؟
قال ابن منظور في لسان العرب : اليتيم في
الناس من فقد أباه، واليتيم في الحيوانات والطيور من فقد أمه، قلت: وهذه لطيفة لغوية
دقيقة لها مغزى قل من ينتبه إليها، قال ابن منظور: وأصل اليتم في اللغة هو الغفلة،
وبه سمي اليتيم يتيماً، أي: لأنه يُتغافل عن بره بعد موت أبيه، وقال: وأصل اليتم في
اللغة أيضاً هو: الانفراد، يقال: درة يتيمة، أي فريدة، ويقال: بيت يتيم، أي: بيت منفرد
أو وحيد.
جاء الإسلام ليكرم اليتيم ويعوض وحدته
لقد جاء الإسلام واليتيم ليس له حظ في الحياة
فأمر بإكرامه والإحسان إليه ,حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة وأرادت قريش إرجاعهم
, وقف جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أمام النجاشي ملك الحبشة يشرح له محاسن الإسلام
وأخلاقياته السامية فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ
، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ
الأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا
عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ
وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ
، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَحْنُ نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ
وَالأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ
الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا
عَنِ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ
، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ ، لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا
بِالصَّلاَةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ . (أخرجه أحمد) .
مكانة اليتيم في القرآن الكريم
لقد أولى القرآن الكريم عناية فائقة بأمر
اليتيم وشأن اليتيم، اهتم القرآن بتربية اليتيم وبأمره من الناحية النفسية ومن الناحية
المادية على السواء مراعاة لظروف اليتيم النفسية بعد فقد أبيه، فقد يحس بشيء من الذل
أو القهر أو الانكسار، وراعى القرآن هذه الحالة النفسية مراعاة دقيقة؛ لأن الذي يشرع
هو الذي خلق أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].
مكانة اليتيم في القرآن
أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن
سألتم عن مكان اليتيم في القران فاسمعوا يا رعاكم الله لقد تعرض القرآن الكريم له في
اثنين وعشرين آية، ذُكِرت فيها كلمة (يتيم ) بالإفراد ثماني مرات، وبالتثنية مرة واحدة،وبالجمع
(يتامى) أربع عشرة مرة، و هذا من تعظيم مكانة و حرمة اليتيم الذي اصبح في كافلة الأمة
فها هو القران الكريم يحثهم حثا على رعايته و حسن مصاحبته فيها لنرى فضل الكريم على
كل يتيم.
وستعجبون -أيها الأحباب الكرام- إذا علمتم
أن اهتمام القرآن بأمر اليتيم كان منذ الفترة الأولى لتنزل الوحي على قلب الحبيب المصطفى
الذي نشأ يتيماً، فكان يتمه تشريفاً لكل يتيم.
منذ الفترة الأولى اهتم القرآن بأمر اليتيم،
بل امتن الله جل وعلا بذلك على حبيبه المصطفى الذي ولد يتيماً ونشأ يتيماً، فكان يتمه
كما ذكرت تشريفاً وتكريماً لكل مسلم يتيم، قال الله تعالى ممتناً على حبيبه: أَلَمْ
يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى
[الضحى:6-8] أي: لقد كنت يتيماً يا محمد -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- فآواك الله
وأيدك وأحاطك بعنايته ورعايته وحفظه وفضله، وكنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة والرضا،
ثم أفاض عليك بعد ذلك بالمال الوفير الحلال الطيب، وكنت شارداً تائهاً تبحث عن الحق
في شعاب مكة وربوعها، في بيئة جاحدة، وبين نفوس شاردة، وفي هاجرة قاتلة محرقة، فهداك
الله جل وعلا للحق، وطمأن قلبك، وشرح صدرك، ورفع ذكرك، ووضع وزرك، ومنَّ الله جل وعلا
عليك بكل هذه الأفضال والنعم، ومن ثمَّ جاء هذا التوجيه الرباني الكريم: فَأَمَّا الْيَتِيمَ
فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ [الضحى:9-11].
بل تعجبون إذا علمتم أن الله جل وعلا قد
أمر بالإحسان إلى اليتيم، ولم يكن هذا الأمر خاصاً بأمة الحبيب فحسب، بل لقد أمر الله
بذلك الأمم من قبل أمة النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد أخذ الله هذا الأمر ميثاقاً
جامعاً من بين المواثيق الجامعة التي أخذها على بني إسرائيل، فقال جل وتعالى: وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:83].
ومن هذا المنطلق الكريم بالاهتمام بأمر
اليتيم، أمر الله جل وعلا ولي اليتيم والوصي على ماله بالمحافظة على هذا المال محافظة
تامةً كاملة.
وأمر الله ولي اليتيم بعدم تبديد أمواله،
أو تبديلها بالخبيث من الأموال، أو المتاجرة بها فيما حرم الله جل وعلا، وأمر الله
جل وعلا ولي اليتيم أيضاً بألا يسرف بالإنفاق من أموال اليتامى، وبألا يسرع في تبديدها
قبل أن يكبر أصحابها اليتامى ليأخذوا حقهم.
وأمر الله ولي اليتيم أيضاً بأنه إذا ما
أحس النضج والرشد عند هؤلاء اليتامى، ورأى أنهم أصبحوا قادرين على تصريف شئونهم، وتدبير
أحوالهم، والمحافظة على أموالهم، أمره الله أن يسارع برد لهذه الأموال كاملة وافرة
غير منقوصة.
وإن كان هذا الولي غنياً فليستعفف عن الأكل
من أموال اليتامى، وإن كان فقيراً فله أن يأكل من هذه الأموال مع اليتامى بالمعروف
من غير سرفٍ ولا تبذير، وفي أضيق نطاق، وأقل الحدود.
ثم أمر الله وصي اليتيم بعد ذلك إذا ما
كبر اليتامى أن يدفع إليهم أموالهم، وأن يُشهد على ذلك تبرئة للذمة، ودرأً للشبهة.
وإليكم هذه الآيات الكريمة التي تؤكد هذه
المعاني التي ذكرتها آنفاً، يقول الله جل وعلا: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء:34].
وقال الله عز وجل في سورة النساء: وَآتُوا
الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2] أمر
للوجوب؛ إذ لم تأت قرينة تصرف هذه الأوامر من الوجوب إلى الندب وَآتُوا الْيَتَامَى
أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ
إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً [النساء:2] أي: إثماً وذنباً عظيماً، وقال عز وجل
في سورة النساء أيضاً: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ
آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا
إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ
كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [النساء:6] قالت الشافعية والمالكية: إن الأمر بالإشهاد
للوجوب أيضاً إلا أن الحنفية قالوا: إنه للندب وليس للوجوب، ولكن ظاهر الآيات يدل على
أن الأمر بالإشهاد عند دفع المال للوجوب كذلك فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [النساء:6].
ويا لها والله من خاتمة جليلة تفزع القلوب
الحية! ألا وهي قوله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً [النساء:6] فهو الحسيب والرقيب والشهيد على أحوالكم
وأقوالكم وأعمالكم، هو الذي يعلم منكم السر وأخفى، وهو الذي سيحاسبكم على ما قدمتم
وما أخرتم في يوم لا ينفع فيه لا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصدق الله
إذ يقول: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ
شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].
وتأتي هذه الآية الجليلة -أيها الأحباب-
التي تقرن أمر الإحسان إلى اليتيم بأمر عبادة الله وحده لا شريك له، ويا لها من مكانةٍ
عظيمة لليتامى! قال الله جل وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء:36] إنه تكريم وتشريف أن يقرن الأمر بالإحسان
إلى اليتامى بالأمر بعبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له.
ومع أن كل هذه الآيات تشمل أمر اليتيم واليتيمة
-أي: الذكر والأنثى- إلا أن ربنا جل وتعالى قد خص اليتيمة بآيتين للتأكيد على حقها،
ولزيادة التوضيح والبيان؛ فقال ربنا جل وعلا في سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى
وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] وقال عز وجل:
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا
كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء:127].
ورد في صحيح مسلم أن عروة بن الزبير سأل
خالته عائشة رضي الله عنها عن الآية الأولى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
الْيَتَامَى [النساء:3] قالت: [يا بن أخي:
هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب وليها في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا
عن نكاحهن إلا أن يقسطوا إليهن في صداقهن، وأُمروا بنكاح سواهن مثنى وثلاث ورباع] أي:
أن الله جل وعلا يأمر ولي اليتيمة إن رغب في الزواج منها فقد أوجب الله عليه أن يكمل
لها الصداق، وأن لا ينتقص حقاً من حقوقها، قال عروة : [قالت عائشة : إلا أن الناس قد
استفتوا رسول الله بعد ذلك فأنزل الله جل وعلا: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى
النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
[النساء:127]]
هذه هي مكانة اليتيم واليتيمة -أيها الأحبة-
في القرآن، والآيات كثيرة جداً لا أستطيع أن أقف معها كلها، وأكتفي بهذا القدر لأعرج
على مكانة اليتيم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مكانة اليتيم في السنة
لقد كرم النبي صلى الله عليه وسلم الذي
نشأ يتيماً اليتامى على الأرض من المسلمين تكريماً عجيباً، ووالله لو لم يأت في السنة
إلا هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة لكفى، وفيه أنه صلى الله
عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) أسمعت يا عبد الله؟ يقول حبيبك
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار النبي بالسبابة
والوسطى) الله أكبر! أي فضلٍ وأي شرف، ولفظ رواية مسلم : قال صلى الله عليه وسلم:
(كافل اليتيم له أو لغيره -أي إذا كان اليتيم من قرابته أو كان اليتيم أجنبياً عنه
لا يعرفه- معي في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى) أي فضل وأي شرف لمن يكفل اليتيم
أن يكون مرافقاً في الجنة للنبي صلى الله عليه وسلم.
نقل الحافظ ابن حجر في الفتح مقولة عن ابن
بطال إذ يقول: حق على كل من سمع بهذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله
عليه وسلم في الجنة فهي أفضل منزلة في الآخرة.
من منا لا يريد أن يرافق الحبيب في الجنة؟
بل لقد ورد في الحديث الذي رواه أبو يعلى
وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الأدب معلقاً على هذا الحديث الذي استشهد به: وإسناده
لا بأس به من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أول من يفتح باب
الجنة، فأرى امرأة تبادرني -أي تسرع خلفي لتدخل معي إلى الجنة- فأقول لها: مالكِ؟ من
أنتِ؟ فتقول المرأة: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) امرأة جلست تربي أيتامها بعد موت
زوجها تسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدخل معه الجنة، قال الحافظ ابن حجر : وقد
يشتمل هذا الحديث على الأمرين، أي: على أمر السرعة والمنـزلة معاً، تسرع لتكون مع رسول
الله ولتكون في منـزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، يقول لها الرسول صلى
الله عليه وسلم: (مالكِ؟ من أنتِ؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) جلست على أيتام
لها لتربيهم تربية طيبة بالحلال الطيب، بعيداً عن أجواء المعصية العفنة عياذاً بالله
جل وعلا.
بل وفي الحديث الذي رواه النسائي بسندٍ
جيد من حديث أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(اللهم إني أحرج -والحرج هو: الإثم الشديد والذنب العظيم- اللهم إني أحرج على حق الضعيفين
اليتيم والمرأة).
وجعل أيضاً مسح رأس اليتيم عطفا وحنوا عليه
سبباً لجلاء ومعالجة قسوة القلب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ أَرَدْتَ
أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ. (أخرجه
أحمد
)
وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلاَّ لِلَّهِ
كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى
يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِى الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَفَرَّقَ
بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.( أخرجه أحمد)
وكذا جعل صلى الله عليه وسلم خير البيوت
البيت الذي فيه يتيم يكرم وشرها البيت الذي فيه يتيم يهان , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ
بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ
فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعَيْهُ : أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ
فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا ، وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبُعَيْهِ. أخرجه البُخاري في الأدب
المفرد)
قال : كعب بن مالك قال : أول أمر عتب على
أبي لبابة أنه كان بينه و بين يتيم عذق ، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى
النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة ، فبكى اليتيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
: " دعه له " ، فأبى ، قال : " فأعطه إياه و لك مثله في الجنة
" ، فأبى فانطلق ابن الدحداحة فقال لأبي لبابة : بعني العذق بحديقتين . قال :
نعم . ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! أرأيت إن أعطيت
هذا اليتيم هذا العذق ، ألي مثله في الجنة ؟ قال : نعم ، فأعطاه إياه ، قال : فكان
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : كم من عذق دواح لأبي الدحداح في الجنة - مرارا
" .(أخرجه أحمد)
وكذا جعل صلى الله عليه وسلم خير البيوت
البيت الذي فيه يتيم يكرم وشرها البيت الذي فيه يتيم يهان , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ
بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ
فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعَيْهُ : أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ
فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا ، وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبُعَيْهِ. أخرجه البُخاري في الأدب
المفرد)
وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم
من حديث أبي هريرة ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين
-والأرملة هي التي مات زوجها وترك لها أولاده- كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم
النهار ويقوم الليل).
أسمعت يا عبد الله إلى هذا الفيض وإلى هذه
النعم؟! (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم
الليل) أي فضلٍ هذا؟! والله الذي لا إله غيره إن من تخلى عن هذا الفضل لمحروم في الدنيا
والآخرة.
الساعي على من مات عنها زوجها وترك لها
أفراخها الصغار أجره عند العزيز الغفار كأجر المجاهد في سبيل الله الذي حمل نفسه وروحه
على أسنة السيوف والرماح وطلب الشهادة من الله جل وعلا، أو كالذي يتعب نفسه ويصوم النهار
ويقوم الليل لله العزيز الغفار جل وعلا.
قصة المرأة العلوية وبناتها الأيتام
ولقد جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم
عن بعض العلويين وكان نازلا ببلخ من بلاد العجم وله زوجة علوية وله منها بنات وكانوا
في سعة ونعمة فمات الزوج وأصاب المرأة وبناتها بعده الفقر والقلة فخرجت ببناتها إلى
بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء واتفق خروجها في شدة البرد فلما دخلت ذلك البلد أدخلت
بناتها في بعض المساجد المهجورة ومضت تحتال لهم في القوت فمرت بجمعين جمع على رجل مسلم
وهو شيخ البلد وجمع على رجل مجوسي وهو ضامن البلد فبدأت بالمسلم وشرحت حالها له وقالت
أنا امرأة علوية ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة وأريد الليلة قوتهم
فقال لها أقيمي عندي البينة إنك علوية شريفة فقالت أنا امرأة غريبة ما في البلد من
يعرفني فأعرض عنها فمضت من عنده منكسرة القلب فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له
حالها وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ
المسلم فقام وأرسل بعض نسائه وأتوا بها وبناتها إلى داره فأطعمهن أطيب الطعام وألبسهن
أفخر اللباس وباتوا عنده في نعمة وكرامة قال فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم
في منامه كأن القيامة قد قامت وقد عقد اللواء على رأس النبي وإذا القصر من الزمرد الأخضر
شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قباب اللؤلؤ والمرجان فقال يا رسول الله لمن هذا القصر
قال لرجل مسلم موحد فقال يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد فقال رسول الله أقم عندي البينة
أنك مسلم موحد قال فبقي متحيرا فقال له لما قصدتك المرأة العلوية قلت أقيمي عندي البينة
إنك علوية فكذا أنت أقم عندي البينة إنك مسلم فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة
ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها حتى دل عليها أنها عند المجوسي فأرسل إليه فأتاه فقال
له أريد منك المرأة الشريفة العلوية وبناتها فقال ما إلى هذا من سبيل وقد لحقني من
بركاتهم ما لحقني قال خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي فقال لا أفعل فقال لا بد منهن فقال
الذي تريده أنت أنا أحق به والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي أتدل علي بالإسلام فوالله
ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية ورأيت مثل الذي رأيت
في منامك وقال لي رسول الله العلوية وبناتها عندك قلت نعم يا رسول الله قال القصر لك
ولأهل دارك وأنت وأهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمنا في الأزل قال فانصرف المسلم
وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة
والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا. الذهبي : الكبائر 42 .
عاقبة أكل مال اليتيم
إذا كان هذا هو قدر اليتيم عند الله وعند
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء القرآن يحذر وينذر بصورة تحذير رهيب وإنذار
شديد لمن يتطاول ويتجرأ على أكل مال اليتامى ظلماً بغير حق، فلقد قال الله جل وعلا:
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي
بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
[النساء:10] الله أكبر! أي رعبٍ هذا؟! أي إنذار شديد هذا؟! والله إنه إنذار
يخلع القلوب الحية، وينذر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً [النساء:10] فكم من أموالٍ لليتامى قد أكلت ظلماً، بل
ومن الذي سلم إلا من سلمه الله جل وعلا، ووالله إن شربة ماء من أموال اليتامى بغير
حق إنما هي نار تغلي في البطون، وإن لقمة خبز من أموال اليتامى بغير حق إنما هي نار
تتأجج في البطون إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء:10].
ولما نزلت هذه الآيات نزلت على قلوبٍ حية،
نزلت على قلوبٍ تستمع إلى القرآن لتنطلق على الفور لتحول القرآن إلى وقع وإلى منهج
حياة، كان حالهم عجيباً وعجباً، ليس كحالنا اليوم، فإننا نستمع إلى أوامر الله أمراً
أمراً، وإلى نواهي الله نهياً نهياً، وإلى حدود الله حداً حداً، ولا يستجيب إلا من
رحم ربك، وينطلق البعض أو الأكثرون وكأنهم لم يسمعوا شيئاً، كأن الله لم يأمر، وكأن
الله لم ينهَ، وكأن الله لم يحد حداً، واجب على الناس أن لا يتعدوا حدود الله جل وعلا،
لما نزلت هذه الآيات في مجتمع الصحابة الذي رباه من رباه الله ليربي به الدنيا صلى
الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآيات فزع الصحابة فزعاً شديداً، وتزلزلت قلوبهم زلزلة
عظيمة، وذهب كل صحابي في بيته يتيم ففصل ماله عن مال اليتيم كله، وشرابه عن شراب اليتيم
كله، حتى أن الأكل كان يوضع بين يدي اليتيم -كما قال ابن عباس - فيأكل اليتيم فإذا
ما تبقى شيء من الطعام لا تمتد إليه الأيدي مطلقاً حتى يفضل هذا الطعام، فإن أكله اليتيم
مرة ثانية وإلا خرب وفسد، وشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكوا
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جل وعلا الذي لا يغيب ولا يخفى عليه شيء
في الأرض ولا في السماء، الذي يربيهم بمنهجه وقرآنه أنزل قوله تعالى: وَيَسْأَلونَكَ
عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:220]
وقد ظن بعض المفسرين أن هذه الآية الأولى منسوخة بآية البقرة وهذا وهم وخطأ، فإن آية
البقرة آية محكمة لم تنسخ ولكن هذا من باب التخفيف عن هؤلاء الخيار الكرام الذين وقعوا
في مثل هذا الحرج الشديد.
وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ
لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ
مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220] يعلم من الذي
يفسد أموال اليتامى، ويعلم من الذي يريد أن يصلح أموالهم وأن ينميها ويربيها لهم وَاللَّهُ
يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:220]
وهكذا -أيها الأحبة- يأتي هذا الوعيد الشديد
من الله تبارك وتعالى لآكل مال اليتيم.
يتم رغم وجود الأبوين
قد يراه بعض الإخوة غريباً ألا وهو: يتمٌ
رغم وجود الوالدين! كيف يكون ذلك؟
ألم أقل في أول الخطبة بأن ابن منظور قال
في لسان العرب : بأن اليتم في اللغة أصله الانفراد، فإذا عاش الطفل منفرداً فريداً
وحيداً أحس باليتم وبالغربة؛ فهو بين والد قد انشغل بتجارته وأمواله ولم يعط لولده
قليلاً من الوقت، وبين أم قد انشغلت عن ولدها بالعمل تارة، أو بالضرب في الأسواق تارة
أخرى، أو بالجري وراء أحدث الموضات مرة ثالثة، وتركت ولدها ووليدها ونعمة ربها التي
يريدها كثير من النساء غيرها، تركت هذه النعمة في أحضان المربية، أو في أحضان الخادمة،
وتنشئة الولد في كنف أمه لا يعوضه أي أحد
ولا تعوضه أي امرأة أخرى وكذلك الأب لا يعوضه أي أحد .
فقد ينشأ الطفل بين والديه إلا أنه يحس
باليتم، وبالوحشة، وبالغربة، لا يجد أباً يجلس إليه، ولا يجد أماً تأخذه في أحضانها
لترضعه حنانها ورحمتها، كلا. ورحم الله من قال:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
كيف تؤمِّن مستقبل ولدك بعد موتك؟
والجواب: مباشرة من الله جل وعلا: وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا
اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]
جوابٌ محكمٌ من الذي خلق، ويعلم ما خلق ومن خلق وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا
مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]يقول سيد التابعين
لولده: [إني سأكثر من الطاعات براً بك] براً بولده وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ
مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80] وفي الآية الأخرى:
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] طاعة
الوالد، وتقوى الوالد لا تضيع أبداً لا في حياته ولا بعد مماته، كيف لا وقد دخل مسلمة
بن عبد الملك ابن عم عمر بن عبد العزيز عليه وهو على فراش الموت، فقال له: [يا أمير
المؤمنين! ألا توصي لأولادك بشيء؟ فهم كثير وقد أفقرتهم ولم تترك لهم شيئاً] فقال عمر
بن عبد العزيز : [أتريد مني أن أوصي لهم بما ليس لي، وهل أملك شيئاً لأوصي لهم به؟
أم تريد أن أوصي لهم بحقٍ لغيرهم، فوالله لا أفعل، فإنهم أحد رجلين: إما أن يكونوا
صالحين والله يتولى الصالحين، وإما أن يكونوا غير صالحين فوالله لا أترك لهم ما يستعينون
به على معصية الله عز وجل، أدخلوا أولادي عليَّ! فأدخلوا أولاده عليه كالفراخ الصغيرة،
وهو على فراش الموت، فودعهم عمر بهذه الكلمات التي تذيب الحجارة، وتفتت الصخور، نظر
عمر إلى أولاده وقال: يا بني! إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل النار،
وبين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وقد اختار أبوكم الجنة، انصرفوا فأنتم وديعة عند الله
الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين].
وأحب ألا يفهم كلامي فهماً خاطئاً فأنا
لا أريد أن ينقطع الآباء إلى العبادة وينشغلوا
عن الدخول في الأسباب لتوفير المال الحلال الطيب لورثتهم، كلا. فإن الأمر بالتقوى لا
يعارض الدخول في الأسباب، فإن الدخول في الأسباب
كما قال الشاطبي في الموافقات : أمر واجب شرعاً.
يجب علي وعليك أن ندخل في الأسباب، فلا
مانع أن تدبر المال الحلال الطيب لولدك، ولا مانع من أن تسعى ومن أن تكدح، شريطة أن
لا تضيع حق الله أو حق ولد من أولادك .
فإن وفرت له المال ويسرت له السعة والرخاء
مع كل ما تملك من فكر ورحمة، وعطاء وحنان وبذل ونصح وإرشاد، وتربية على كتاب الله وسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الخير بل هو قمة الخير، بل وجزاك الله عن ذلك كل
الخير، والأصل في ذلك حديث مسلم (أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على سعد بن أبي
وقاص وهو مريض فقال سعد : يا رسول الله! هل أتصدق بنصف مالي؟ قال الرسول: لا، ثم قال:
بالثلث والثلث كثير، وقال عليه الصلاة والسلام: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن
تذرهم عالة يتكففون الناس) أي: يسألون الناس.
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ
خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]
اللّهُمَّ إنّي أسألُك إيماناً يُباشِرُ
قَلبي ، ويَقيناً صادقاً حتّى أعلمَ أنّه لا يُصيبُني إلاّ مَا كتبتَ لي ، ورَضِّني
بما قَسمتَ لي ، يا أرحمَ الراحمين
.