التوسل مشروع ولكن الخلاف علي بذاته وجاهه أم بدعائه
تعد مسألة التوسل بالنبي ﷺ من مسائل الخلاف الفقهي الشهيرة، حيث انقسم العلماء إلى فريقين: فريق يرى جواز التوسل بذاته أو جاهه، وفريق يمنعه ويقصره على التوسل بدعائه في حياته أو بالأعمال الصالحة، مع اتفاق الجميع على مشروعية التوسل بالإيمان به ومحبته، وتوسل الصحابة بدعائه.
قال تعالي :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "(المائدة/35)
وابتغوا إليه الوسيلة" أمر الله المؤمنين بطلب القربة إلى الله والتقرب إليه بشتى أنواع الطاعات والعبادات (فرائض ونوافل).
الوسيلة هي كل ما يُتوسل به لتحصيل
المقصود، أي الأعمال الصالحة التي توجب حب الله ورضاه، ويشمل ذلك التقوى، الصلاة، الزكاة،
الجهاد، ومحبة الله ورسوله، وبر الوالدين والإحسان إلي الجيران وصلة الرحم . .
وكل ماكان من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات. ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته. والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم
تفسير ومعاني "وابتغوا إليه الوسيلة":
المعنى اللغوي والشرعي: "الوسيلة" هي القربة، و"الابتغاء" هو شدة الطلب والاجتهاد..
تفسير ابن كثير والتابعين: ذكر الطبري في تفسيره عن مجاهد، قتادة، والحسن أن "الوسيلة" تعني القربة، وقال علي بن أبي طالب في بعض الروايات "أنا وسيلته"
أقوال العلماء في التوسل بالنبي ﷺ (أبرز الاتجاهات):
القول بالجواز (الجمهور والمتأخرون):
أجاز كثير من الفقهاء، خاصة من المتأخرين في المذاهب الأربعة (الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنابلة)، التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، باعتبار أن ذلك وسيلة وشفاعة مقبولة عند الله تعالى،
نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل رواية بجواز
التوسل بذات النبي ﷺ، وإن كان هذا القول المرجوح عند محققي الحنابلة
كابن تيمية.
فقد نقل ابن تيمية عنه مشروعية التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وقد ذكر المروذي في منسكه عن الإمام أحمد بن حنبل أن الداعي المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم يتوسل به في دعائه، فهذا النقل يجعل معارضا لما نقل عن أبي حنيفة وغيره. اهـ.
القول بالمنع والبدعة
(ابن تيمية، ابن القيم، والوهابية):
يرى هذا الاتجاه، ممثلاً بابن
تيمية وأئمة الدعوة، أن التوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه بدعة لم ينقل عن الصحابة.
فرقوا بين التوسل بدعاء النبي ﷺ (في حياته) وبين التوسل بذاته (بعد مماته)،
فجوزوا الأول ومنعوا الثاني.
أكدوا أن التوسل المشروع هو: التوسل بأسماء
الله وصفاته، أو بالإيمان والعمل الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح الحي.
التفصيل عند المتقدمين:
نُقل عن أبي حنيفة وأصحابه كراهة أن يقول الداعي: "أسألك بحق فلان" أو "بمعاقد العز من عرشك"،
وكذلك ينبغي التفريق بين التوسل بذات النبي
صلى الله عليه وسلم، وبين طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم بعد موته فإن طلب الدعاء
من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته محرم، ولم يقل بجوازه أحد من أئمة المسلمين،
قال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي: أما دعاؤه هو صلى
الله عليه وسلم وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته: فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين
ـ لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ـ بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك.
المجيزون للتوسل
ولما كان التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاهه، أو بحقه، مختلف فيه بين العلماء، فذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى جوازه،
استدل المجيزون بأحاديث مثل حديث "الأعمى" الذي أمره النبي ﷺ أن يتوسل به في دعائه.
واستدلوا بعدة أدلة منها:"
حديث عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في"(الترمذي وابن ماجه وأحمد والحديث صححه الألباني، وغيره وجاء بروايات متقاربة)
وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وفي الحديث
دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن
الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. انتهى.
وقال فيها في شرح قول صاحب العمدة: ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين ـ ما لفظه: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف ـ رضي الله عنه ـ أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس ـ رضي الله عنه ـ عم رسول الله، وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى.
عن أنس بن مالك :" أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كان إذا قَحَطوا استَسقى بالعَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال: اللهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوسَّلُ إليكَ بنَبيِّنا فتَسقينا، وإنَّا نَتَوسَّلُ إليكَ بعَمِّ نَبيِّنا فاسقِنا، قال: فيُسقَونَ"(البخاري).
الخلاصة:
المسألة فيها سعة، والخلاف فيها سائغ، والقول بالجواز قال به عدد كبير من علماء المذاهب، بينما القول بالمنع هو اختيار المحققين من الحنابلة، وكلا الفريقين يعظم النبي ﷺ، والخلاف هو في الوسيلة لا في ذات النبي صلي الله عليه وسلم ..