الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة
المبالغة في تكاليف الزواج
بدءًا بقصة من قصص الصحابة
الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة
الحمد لله الذي أمرنا بالدعوة إليه، والصلاة
والسلام على سيد الدعاة وإمام الحكماء، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه
أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا
أن من أجلّ العبادات وأشرف المهمات، مهمة الدعوة إلى الله تعالى، لنشر دينه وهداية
خلقه.
ولنتأمل معًا في قصة الصحابي الجليل معاذ
بن جبل رضي الله عنه، حينما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن داعيًا، فقال
له: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في
اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ
من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (متفق عليه). انظروا كيف بدأ بالأهم فالمهم، بالحكمة
والتدرج.
أيها المؤمنون: إن الدعوة إلى الله تقوم
على ركيزتين عظيمتين، هما:
العنصر الأول: الدعوة بالحكمة.
والحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، بالعلم
والرفق والصبر والحلم.
· قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125].
· وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق
يحب الرفق في الأمر كله» (متفق عليه).
· ومن الحكمة: مراعاة حال المدعو، ومستوى
فهمه، والبدء بالأهم. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي جاء يسأله عن
أفضل الأعمال، فأجابه كلٌ حسب حاله.
العنصر الثاني: الدعوة بالموعظة الحسنة.
وهي الكلام الطيب الذي يرقق القلب، ويؤثر
في النفس، بلا غلظة ولا فحش.
· قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام في
دعوة فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}
[طه:44].
· وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا
يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم).
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعظ الأعرابي
الذي بال في المسجد بردِّة فعل حكيمة، وقال له بعد أن فرغ: «إن هذه المساجد لا تصلح
لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» (متفق عليه).
العنصر الثالث: القدوة الحسنة.
فالداعي إلى الله بفعله أبلغ من قوله.
كان الصحابة رضوان الله عليهم خير قدوة،
فما أمروا بخير إلا كانوا أول الفاعلين، وما نهوا عن شر إلا كانوا أول التاركين.
قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21].
فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا دعوتكم
إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ترفقوا واصبروا، وكونوا قدوة صالحة، تهدوا الخلق
إلى طريق الحق.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا
مضلين... أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية: المبالغة في تكاليف الزواج
الحمد لله الذي شرع لنا النكاح، وجعله مودة
ورحمة، والصلاة والسلام على من قال: "النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني"
(رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني).
أما بعد، فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا
أن الإسلام جاء بتيسير النكاح وتذليل أسبابه، لا بتعسيره وتعجيز أبنائه.
ولننظر إلى قصة الصحابي الجليل جابر بن
عبد الله رضي الله عنه، حين توفي أبوه وترك عليه دينًا، فجاءته خاطبًا، فأرشده النبي
صلى الله عليه وسلم إلى امرأة ثيبًا يتزوجها لعل الله أن يجمع بينهما بخير، ولم يسأله
عن المهر الباهظ أو المتطلبات المبالغ فيها، بل ساعده على التيسير والتخفيف (رواه البخاري).
عباد الله: لقد انتشر في زماننا داء المبالغة
في تكاليف الزواج، من مهر مرتفع، وطلبات متزايدة، وحفلات باذخة، مما أدى إلى عواقب
وخيمة.
العنصر الأول: مفهوم المبالغة وأضرارها.
· المبالغة: هي المغالاة وتجاوز الحد المعقول
والمقدرة.
· قال صلى الله عليه وسلم: «خير النكاح أيسره»
(رواه ابن حبان، وصححه الأرناؤوط).
وقال: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه
فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
من أضرارها:
تعطيل الزواج، وإراقة ماء وجه الشباب والفتيات.
الوقوع في الربا والديون المثقلة.
نشر الحقد والحسد بين الناس.
العنصر الثاني: تيسير النكاح في هدي النبي
صلى الله عليه وسلم وصحابته.
كان صلى الله عليه وسلم يحرص على التخفيف،
فعن سهل بن سعد أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت
لأهب لك نفسي. فقام رجل فقال: زوجنيها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل عندك
من شيء تصدقها؟» قال: ما لي إلا إزاري هذا. قال: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك،
فالتمس شيئًا»... ثم قال للرجل: «ما معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا وكذا. قال:
«قد زوجتكها بما معك من القرآن» (متفق عليه).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن
المغالاة في المهور.
العنصر الثالث: دور المجتمع في معالجة هذه
الظاهرة.
على أولياء الأمور: تقوى الله والتخفيف،
وطلب البركة لا الثمن.
على الشباب: الرغبة في التيسير وعدم الانجراف
وراء المظاهر.
على الدعاة والمصلحين: النصح والتوعية بخطورة
هذه الظاهرة.
فاتقوا الله عباد الله، ويسروا ولا تعسروا،
وبشروا ولا تنفروا. وليكن همكم إعفاف الشباب وتحصين المجتمع، فإن تكاليف الزواج مهما
عظمت لا تساوي لحظة سكن وطمأنينة بين زوجين.
اللهم يسر أمرنا، وارزقنا الذرية الصالحة،
وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، واجعلنا قرة عين للمتقين.
الدعاء: اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي
لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا،
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.