recent
أخبار عاجلة

من صور الاحترام الشخ عبدالناصر بليح

من صور الاحترام 


أَوَّلًا احْتِرَامُ الذَّاتِ (عِزَّةُ النَّفْسِ بِغَيْرِ كِبْرٍ): أَوَّلُ دَرَجَاتِ الاحْتِرَامِ هِيَ أَنْ تَحْتَرِمَ نَفْسَكَ. 

لَيْسَ بِالغُرُورِ، بَلْ بِأَنْ تَتَرَفَّعَ بِهَا عَنِ الدَّنَايَا. أَنْ تُدْرِكَ أَنَّ اللهَ خَلَقَكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَلَا تَبْتَذِلْ نَفْسَكَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا تُهِنْ كَرَامَتَكَ بِطَلَبِ مَا عِنْدَ النَّاسِ. 

فَكُنْ عَزِيزَ نَفْسٍ دُونَ كِبْرٍ فَهَذَا عَالِمٌ زَاهِدٌ مِنَ الصَّالِحِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَأْكُلُ خُبْزاً يَابِساً بِمِلْحٍ، فَقَالَ لَهُ: “أَتَرْضَى بِهَذَا وَأَنْتَ عَالِمُ زَمَانِكَ؟” فَرَدَّ عَلَيْهِ بِيَقِينِ المُحْتَرِمِ لِنَفْسِهِ: “إِنَّمَا نُرْضِي أَنْفُسَنَا بِمَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، لِنَحْفَظَ وُجُوهَنَا عَنْ سُؤَالِ مَنْ لَا يَرْحَمُ”. فَاحْتِرَامُ الذَّاتِ يَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَاطِنُكَ كَظَاهِرِكَ، وَأَلَّا تَفْعَلَ فِي السِّرِّ مَا تَسْتَحِي مِنْهُ فِي العَلَنِ.

  احْتِرَامُ الكِبَارِ (تَوْقِيرُ الشَّيْبَةِ): 

ثُمَّ يَأْتِي احْتِرَامُ الكَبِيرِ سِنًّا، فَقَدْ عَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ تَوْقِيرَ الكَبِيرِ إِجْلَالٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا». الكَبِيرُ فِي مُجْتَمَعِنَا لَيْسَ عِبْئاً، بَلْ هُوَ بَرَكَةٌ تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ. هُوَ تَارِيخٌ يَتَحَرَّكُ، وَخِبْرَةٌ تَتَكَلَّمُ. احْتِرَامُهُ يَكُونُ بِالبَدْءِ بِالسَّلَامِ، وَبِإِفْسَاحِ المَجْلِسِ، وَبِالاسْتِمَاعِ لِنَصِيحَتِهِ بِصَدْرٍ رَحْبٍ. وَلَنَا فِي رَسُولِ اللهِ وَصَحَابَتِهِ القُدْوَةُ وَالإِسْوَةُ فَعِنْدَمَا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَكَّةَ فَاتِحاً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، حَمَلَ أَبَاهُ “أَبُو قُحَافَةَ” وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً أَعْمَى لِيُسْلِمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ إِكْرَاماً لِكِبَرِ سِنِّهِ: «هَلَا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيَهُ فِيهِ؟». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: “يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إِلَيْهِ”. هَذَا هُوَ التَّوْقِيرُ المُتَبَادَلُ.. النَّبِيُّ يَحْتَرِمُ كِبَرَ السِّنِّ، وَالصِّدِّيقُ يَحْتَرِمُ مَقَامَ النُّبُوَّةِ. بَلِ انْظُرُوا إِلَى جَمَالِ الأَدَبِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، فَهَذَا سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، كَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ، وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سُؤَالًا، فَعَرَفَ ابْنُ عُمَرَ الإِجَابَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ. لِمَاذَا؟ يَقُولُ: “فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ”. هَذَا هُوَ الاحْتِرَامُ الذِي يَبْنِي الرِّجَالَ؛ أَنْ تَعْرِفَ لِذِي الشَّيْبَةِ قَدْرَهُ وَتُوَقِّرَهُ وَتَحْتَرِمَهُ وَتَجْبُرَ خَاطِرَهُ وَتُرَاعِيَ شَيْبَتَهُ.

  احْتِرَامُ الصغير: 

وَمِنْ رَحْمَةِ هَذَا الدِّينِ أَنَّهُ جَعَلَ لِلصَّغِيرِ نَصِيباً مِنَ الاحْتِرَامِ. فَقَدْ كَانَ ﷺ يَمُرُّ بِالغِلْمَانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ قَامَ إِلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا مَكَانَهُ. هَذَا الاحْتِرَامُ هُوَ الذِي يَزْرَعُ الثِّقَةَ فِي نُفُوسِ الأَطْفَالِ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ جِيلاً سَوِيًّا.

فَالاِحْتِرَامُ لَا يَكُونُ مِنَ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ احْتِرَامَ الكَبِيرِ لِلطِّفْلِ هُوَ الَّذِي يَزْرَعُ فِيهِ الثِّقَةَ وَالكَرَامَةَ. 

احْتِرَامُ الطِّفْلِ يَعْنِي أَلَّا تَحْقِرَ سُؤَالَهُ، وَأَلَّا تَسْخَرَ مِنْ خَوْفِهِ، وَأَنْ تُعَامِلَهُ كَإِنْسَانٍ لَهُ مَشَاعِرُ وَأَنْ تُنَمِّيَ مَلَكَةَ العَقْلِ وَالحِكْمَةِ فِيهِ مِنَ الصِّغَرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِاحْتِرَامِهِ وَالعَطْفِ عَلَيْهِ.

 فَهَذَا مَوْقِفٌ يُظْهِرُ جَانِباً مِنْ جَوَانِبِ العَظَمَةِ فِي شَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ المِثَالِيَّةِ الرَّاقِيَةِ فَقَدْ أُتِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ “غُلَامٌ” (وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ صَغِيراً) وَعَنْ يَسَارِهِ “الأَشْيَاخُ” (كِبَارُ الصَّحَابَةِ). فَطِبْقاً لِقَوَاعِدِ الاحْتِرَامِ يُعْطَى مَنْ عَلَى اليَمِينِ أَوَّلاً، لَكِنَّ الَّذِينَ عَلَى اليَسَارِ كِبَارُ القَوْمِ. فَلَمْ يَتَجَاهَلِ النَّبِيُّ الطِّفْلَ، بَلِ اسْتَأْذَنَهُ قَائِلاً: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟». فَقَالَ الغُلَامُ الذَّكِيُّ: “لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُؤْثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً”.فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ إِيَّاهُ. احْتَرَمَ النَّبِيُّ حَقَّ الطِّفْلِ، فَتَعَلَّمَ الطِّفْلُ كَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِحَقِّهِ بِأَدَبٍ.

 وَلِأَنَّ الإِسْلَامَ يَهْتَمُّ بِكُلِّ شُرَكَاءِ المُجْتَمَعِ فَلَمْ يَنْسَ احْتِرَامَ المَرْأَةِ أُمّاً وَأُخْتاً وَزَوْجَةً وَبِنْتاً فَقَدْ أَوْصَى بِهَا الإِسْلَامُ خَيْراً. فَاحْتِرَامُ الزَّوْجَةِ، وَتَقْدِيرُ دَوْرِهَا، وَحِفْظُ كَرَامَتِهَا، هُوَ مِعْيَارُ الرُّجُولَةِ الحَقَّةِ. قَالَ ﷺ: “أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ”. وَكَذَلِكَ احْتِرَامُهَا بِنْتاً فَقَدْ ذَمَّ القُرْآنُ جَوْرَ الجَاهِلِيَّةِ بِوَأْدِهَا لِلْبَنَاتِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ثُمَّ تَأْتِي السُّنَّةُ المُشَرَّفَةُ لِتُظْهِرَ أَهَمِّيَّةَ احْتِرَامِ البَنَاتِ فَعَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ( مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً، حَتَّى يَبِنَّ، أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ – وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا "(ابْنُ مَاجَه.


  احْتِرَامُ الخُصُوصِيَّةِ وَالمَشَاعِرِ 

عِبَادَ اللهِ.. مِنْ صُوَرِ الاحْتِرَامِ الغَائِبَةِ عَنْ بَعْضِنَا: احْتِرَامُ الخُصُوصِيَّةِ. لَا تَتَدَخَّلْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، لَا تَتَجَسَّسْ، لَا تَقْرَأْ رَسَائِلَ غَيْرِكَ، لَا تُحْرِجْ بَشَراً بِسُؤَالٍ شَخْصِيٍّ. الاحْتِرَامُ يَعْنِي أَنْ تَتْرُكَ لِلنَّاسِ مَسَاحَتَهُمْ. قَالَ ﷺ: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”.


احْتِرَامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ :"

(الإِنْسَانِيَّةُ أَوَّلًا) (أَدَبُ التَّعَايُشِ وَجَلَالُ العَدْلِ) وَلَا يَتَوَقَّفُ الاحْتِرَامُ عِنْدَ المُسْلِمِ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ لِكُلِّ نَفْسٍ بَشَرِيَّةٍ. فَإِنَّ دِينَنَا العَظِيمَ لَمْ يَأْمُرْنَا بِالاحْتِرَامِ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَطْ، بَلْ جَعَلَ الاحْتِرَامَ قَاعِدَةً لِلتَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَا دَامَ مُسَالِماً. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:"لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. وَالبِرُّ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الإِحْسَانِ وَالتَّعَامُلِ الرَّاقِي. فَحِينَمَا مَرَّتْ جِنَازَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ لَهَا، قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ! فَقَالَ قَوْلَتَهُ الخَالِدَةَ: “أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!”. هَذَا هُوَ دِينُنَا، يَحْتَرِمُ الإِنْسَانَ لِأَنَّهُ إِنْسَانٌ لَقَدْ قَامَ احْتِرَاماً لِلرُّوحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مُعْتَقَدِهَا.

google-playkhamsatmostaqltradent