recent
أخبار عاجلة

قيمة الاحترامإعداد عادل عبدالكريم توني إبراهيم

 قيمة الاحترام


   من أعظم نماذج الإحترام والتوقير ، توقير النبي -ﷺ .

 إحترام كبار السن والعلماء وذوي الفضل  .

 أولي الناس بالإحترام والتوقير الوالدان .


  الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه  الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 أما بعد...

رَوَي الإمام أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أن النبي -ﷺ- قال: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ".

جاءت شريعة الإسلام تدعو إلي مكارم الأخلاق، وأرسل الله إلى هذه الأمة أكرم الناس خلقاً على الإطلاق سيدنا محمد -ﷺ- ومدحه الله بها، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، [القلم: 4]، وسُئلت السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن خلق رسول الله --ﷺ- فقالت: "كان خلقه القرآن"(صحيح الجامع  )، قال أنس بن مالك خادم رسول الله --ﷺ -: "ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا شممت رائحةً قط أطيب من رائحة رسول الله --ﷺ- ولقد خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما قال لي قط أف، ولا قال لشيءٍ فعلته لم فعلته؟ ولا شيء لم أفعله ألا فعلت كذا؟"(متفق عليه)

 وقال -ﷺ-: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وأن الله -تعالى- يبغض الفاحش البذيء"

(صحيح الترمذي)

وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -

-ﷺ- قال: "أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهمْ خُلُقًا، وخِيارُكُمْ خِيارُكُمْ لِنِسائِهِمْ"(السلسة الصحيحة )

 وقال -ﷺ-: "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ" قالوا: "يا رسولَ اللَّهِ قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ؟ قالَ: "المتَكَبِّرونَ"

(صحيح الترمذي).

- ومن مكارم ومحاسن الأخلاق .. " قيمة الإحترام

ومن أعظم النماذج في الاحترام والتوقير..

توقيرُ الصَّحابةِ للنَّبيِّ -ﷺ- وقد أمرنا الله تعالي بتوقيره وإجلاله -ﷺ .

قال اللَّه تعالى:  ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ ﴾  [النور: 62] .

وقال تعالى :﴿ لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ (الفتح : 9)

- وعن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ، ومَرْوانَ بنِ الحَكَمِ في حديثِ صُلحِ الحُدَيبيَةِ: (ثمَّ إنَّ عُروةَ جَعَل يرمُقُ أصحابَ النَّبيِّ -ﷺ - بعينيه، قال: فواللَّهِ ما تنَخَّم رسولُ اللَّهِ -ﷺ - نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَك بها وَجْهَه وجِلْدَه! وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خَفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيمًا له  ، فرَجَع عُروةُ إلى أصحابِه، فقال: أيْ قَومِ، واللَّهِ لقد وفَدتُ على الملوكِ، ووفَدتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشيِّ، واللَّهِ إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ -ﷺ - محمَّدًا، واللَّهِ إنْ تنخَّمَ نُخامةً إلَّا وقَعَت في كَفِّ رجُلٍ منهم، فدَلَك بها وَجْهَه وجِلدَه، وإذا أمَرهم ابتدَروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خَفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيمًا له  )  .

وعن عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنه: (وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ -ﷺ - ولا أجَلَّ في عَينِي منه، وما كُنتُ أُطيقُ أن أملأَ عَينَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلتُ أن أصِفَه ما أطَقتُ؛ لأنِّي لم أكُنْ أملأُ عَينَيَّ منه  )  .

- وعن أبي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ -ﷺ -  نَزَل عليه، فنَزَل النَّبيُّ -ﷺ - في السُّفْلِ، وأبو أيُّوبَ في العُلْوِ، فانتبه أبو أيُّوبَ ذاتَ ليلةٍ، فقال: نمشي فوقَ رأسِ رَسولِ اللهِ -ﷺ - فتنَحَّوا، فباتوا في ناحيةٍ، ثمَّ قال للنَّبيِّ -ﷺ -  فقال النَّبيُّ -ﷺ -: السُّفْلُ أرفَقُ، فقال: لا أعلو سَقيفةً أنت تحتَها، فتحوَّل النَّبيُّ -ﷺ - في العُلْوِ، وأبو أيُّوبَ في السُّفْلِ، وكان يصنَعُ للنَّبيِّ -ﷺ - طعامًا، فإذا رُدَّ إليه سألَ عن موضِعِ أصابعِ رَسولِ اللهِ -ﷺ - فيتتَبَّعُ موضِعَ أصابعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فصَنَع له طعامًا فيه ثُومٌ، فلمَّا رُدَّ إليه سأل عن موضِعِ أصابعِ رسولِ اللهِ -ﷺ - فقيل له: إنَّه لم يأكُلْ منه، فصَعِدَ إليه فقال: أهو حرامٌ؟ قال: لا، ولكنِّي أكرَهُه، قال: فإنِّي أكرَهُ ما تكرَهُ، أو ما كَرِهْتَ))   .

- وعن البراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: (إنْ كان ليأتي عَلَيَّ السَّنةُ أريدُ أن أسأَلَ رسولَ اللَّهِ

-ﷺ - عن شَيءٍ فأتهَيَّبُ منه  )  .

- ومن مظاهر الاحترام ، إحترام الإنسان لذاته ، ونعني باحترام الذات: حمل الإنسان ذاتَه على فِعْلِ كلِّ ما يُستحسن فعله عند الله تعالى أولًا، وعند الناس ثانيًا، وتطهير النفس من كل ما يُعاب من الصفات والأخلاق، والحرص على المروءة ألَّا تُخدش، وعلى كرامته ألَّا تُهان، وعلى السمعة والسيرة ألَّا يُلوِّثَها ملوِّثٌ.

ومنها احترام الإنسان للآخرين احتراما لآدميتهم ولأنهم اكرم مخلوقات الله تعالي ، ولقد تحدث القرآن الكريم والسنة النبوية على أن الإنسان محترم في أصل خِلقته وذاته؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4]،

وكرَّم الله الإنسان بما أعطاه من مداركَ عقليةٍ، وقدرات واسعة، جعلته أعزَّ المخلوقات وأكرمها؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70]،

وها هو النبي -ﷺ- يقوم لجنازة يهودي، يقوم لأن الموت فزع، يقوم للملك كما جاء في الروايات؛ ومنها ما جاء في البخاري من حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى قَالَ: ((كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ - أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ - فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ، فَقَامَ،فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ،فَقَالَ -ﷺ-:  "أَلَيْسَتْ نَفْسًا " .

                            ***

(٢)- ومن مظاهر الاحترام والتوقير .. " إحترام كبار السن وتوقيرهم إِكْرَامهمْ" ، فقد اعتني الإسلام بكبار السن ، فأَعْطَى الْإِسْلَامُ الْكَبِيرَ حَقَّهُ مِنَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّوْقِيرِ؛ لِمَا خُصَّ بِهِ مِنَ السَّبْقِ فِي الْوُجُودِ وَتَجْرِبَةِ الْأُمُورِ ، وَإِجْلَالُ الْكَبِيرِ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ؛ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ لِلهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ - ﷺ -: «فَلَيْسَ مِنَّا»؛ أَيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا.

وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله -ﷺ ـ قال : ( ليس من أمتي من لم يُجِّل كبيرنا ويرحم صغيرنا )(أخرجه أحمد) .

 وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:قال رسول الله  -ﷺ - : «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ -أَيْضًا- أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا.

فمن إجلال الله أن تكرمَ هؤلاء الثلاثة: ومنهم  ذو الشيبةِ من أهل الإسلام، تكرِمه، ترحَم كِبَره، تخاطبه بخطابٍ ليِّن، تقضي حاجتَه، تعينه على نوائِبِ الدنيا، تعرِف له كِبَره وضعفَ قوّته .

- ومن إجلال الكبير الابتداء به وتقديمه في الأمور كلها ؛ كالتحدُّث والتصدر في المجالس، والبدء بالطعام، والجلوس، وغير ذلك ، فالأولى في الصلاة أن يلي الإمام مباشرةً كبار القوم وذوو المكانة والمنزلة العلمية والعمرية أهل العقول والحكمة ؛ فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: " كان رسولُ اللهِ -ﷺ- يمسح مَنا كِبَنا في الصلاةِ ويقولُ: استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، ليلني منكم أولو الأحلامِ والنهى، ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم. قال أبو مسعودٍ: فأنتم اليوم أشدَّ اختلافاً ". رواه مسلم .

وقال -ﷺ - : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة ، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا )(مسلم) .

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي -

-ﷺ - قال : " إنَّ من الشجرةِ شجرةٌ لا يسقطُ ورقها وهي مَثَلُ المؤمنِ، حدِّثوني: ما هيَ؟ قال عبدُاللهِ: فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلةُ، فقال النبيُّ -ﷺ-: هي النخلةُ، فاستحييتُ - يعني أن أقولَ - قال عبدُاللهِ: فحدَّثتُ عمرَ بالذي وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا ".

ومن إجلال كبير السن في الحديث منادته بألطف خطاب، وأجمل كلام، وليس من الأدب  الاستخفاف بالكبير، أو إساءة الأدب في حضرته، أو رفع الصوت بحضرته أو في وجهه بكلام يسيء إلى قدره وعمره، روى الشيخان عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أنّه قال: " لقد كنتُ على عهدِ رسولِ اللهِ -ﷺ-غلامًا، فكنتُ أحفظُ عنه، فما يمنعني من القولِ إلا أنَّ ههنا رجالًا هم أَسَنُّ مِنِّي".

ومِنْ توفير الْكَبِيرِ:بدؤه بالسلام والتَّوْسِعَةُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ إِذَا أَمْكَنَ التَّوْسِيعُ لَهُ قال  -ﷺـ : ( يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والقليل على الكثير )(البخاري) ،

- ومن مظاهر الاحترام..

 إحترام المعلم وتوقيره. فمن حَقِّ العَالِمِ والمعَلِّمِ علينا ــ أيّها المؤمنون ــ أن نُوَقِّرَهُ ونحترِمَهُ ونُجِلَّهُ، حتّى ينجَحَ في مهمّتِهِ ويؤدِّيهَا على أكمَلِ وَجْهٍ، لأنّ نجاحَهُ نَجَاحُ الأمَّةِ بِرُمَّتِهَا، وهذا ما نلمسُهُ بجلَاءٍ ووضوحٍ في تعامُلِ سيدنا موسى -  عليه السّلامُ - مع «الخَضِرِ» - عليه السّلامُ -  فقد قال له موسى بأدَبِ طالِبِ العِلْمِ مع المُعَلِّمِ: (هَلْ اتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف: 66]، فقال المعلِّمُ كما حكى القرآنُ الكريمُ: ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:  67 - 70].

  اِصْبِرْ عَلَى مُرِّ الْجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ       

                       فَإِنَّ رُسُوبَ الْعِلْمِ فِي نَفَرَاتِهِ

  وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً    

                      تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ

  وَمَن فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ        

               فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِـــــــــــــــــــهِ

وَذَاتُ الْفَتَى وَاللَّهِ بِالْعِلْمِ وَالتُّقَى     

                          إِذَا لَمْ يَكُونَا لَا اِعْتِبَارَ لِذَاتِهِ

ولهذا كان سلفُنَا الصَّالِحُ - رضوان الله عليهم - مَضْرِبَ مَثَلٍ في توقيرِهِمْ للمعلِّمِ واحترامِهِمْ له، فعن الشّعبيِّ رحمه اللّهُ تعالى أنّه قال: " صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَةٌ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَهَا بِرِكَابِهَا، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خَلِّ عَنْهَا يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللّهِ -  صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ ".

وقال الشّافعيُّ رحمَهُ اللّهُ: «كنْتُ أَتَصَفَّحُ الوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَفْحًا رَفِيقًا هَيْبَةً لَهُ، لئلا يَسْمَعَ وَقْعَهَا».

وقال الرّبيعُ: «وَاللَّهِ مَا اجتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ المَاءَ والشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ».

 قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيــــــــــــــــــــــــلا                            

                           كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا

أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الَّذِي          

                      يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُــــولَا

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّـــــــــــــــــــمٍ               

                         عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى

أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ

               وَهَدَيْتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيــــــــــــلَا

أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولَكم ولسائِرِ المسلمينَ من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبُوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

            ***********************

الخطبة الثانية :

(٣)- الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مُباركًا فيهِ كَمَا يحِبّ ربّنا ويَرضَى، وأَشهَد أن لاَ إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

وبعد..

فإن أولي الناس بالإحترام والتوقير الوالدان ، فلقد أوصى القرآنُ الكريم بالوالدين ، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23، 24]،  قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا تسمعهما قولاً سيئاً، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح".

ففي هذا الآيات الكريمة يأمر سبحانه وتعالى بعد الأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به، ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، وطيب الكلام معهما، خصوصًا حالَ الكِبَر، حيث يَضعف الوالدان ويحتاجان إلى مزيد عناية وخدمة، وقد يصدر منهما ما لا يتوافق مع رغبة الابن، وينهى سبحانه عن نهرهما والإغلاظ عليهما، حتى إنه سبحانه وتعالى نهى عن مجرد التَأفُّف لهما الذي هو علامة على عدم الرضا، ثم يرسم جلَّ وعلا صورةً بليغة للرِّفق بهما واللين معهما، وهي خفض الجناح لهما، تشبيهًا بالطائر الذي يخفض جناحه لفراخه حُنُوًّا عليهما، ثم يأمر سبحانه وتعالى بالدعاء لهما جزاءَ ما قدَّما للولد حال صغره من عناية وتربية.

روت عائشةُ أمُّ المُؤمِنين رَضِيَ اللَّهُ عنها فقالت: ((ما رأيتُ أحَدًا أشبَهَ سَمتًا ودَلًّا وهَدْيًا برسولِ اللَّهِ في قيامِها وقُعودِها من فاطمةَ بنتِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: وكانت إذا دخَلَت على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام إليها فقَبَّلَها وأجلَسَها في مجلِسِه، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دخَل عليها قامت من مجلِسِها فقبَّلَتْه وأجلسَتْه في مجلِسِها))

وقد تجلَّى احترامُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ تجلِّيًا واضِحًا في تعامُلِه مع أبيه، فلم يَحُلْ كُفرُ أبيه دونَ أن يعامِلَه معاملةً تَدُلُّ على احترامِه له وتوقيرِه؛ قال الله تعالى : ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾

 ( مريم :47)

 ومن أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل بهما الجنة فهو ممن تشمله دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رغِم أنفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ مَنْ أدْرَكَ أبَويهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدهُما أَوْ كِليهمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ"(رواه مسلم).

أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ ومعه شيخٌ، فقال له: يا فلانُ، مَن هذا معك؟ قال: أبي، قال: فلا تمشِ أمامَه، ولا تجلِسْ قبلَه، ولا تدَعُه باسمِه، ولا تستَسِبَّ له " ؛ [مجمع الزوائد، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط].

وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أُمِّه فقال : السلام عليك يا أُمَّتاه ورحمة الله وبركاته .فتقول : وعليك السلام يا بُنَيَّ ورحمة الله وبركاته  فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيرًا .فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيرًا .وإذا أراد أن يدخل صنع مثله .

فالجزاء من جنس العمل ، قال الله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾  [ سورة الرحمن: 60]

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين  

google-playkhamsatmostaqltradent