من دروس الإسراء والمعراج جبر الخواطر
لك العتبى حتى ترضى
جبر بعد كسر
لنريه من آياتنا الكبرى
نحو سدرة المنتهى
جبر وتسرية وأسرار
جبر النبي صلى الله عليه وسلم للخواطر
لك العتبى حتى ترضى
تَجَلَّى جَبْرُ اللَّهِ لِخَاطِرِ
نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَحْلَكِ اللَّحَظَاتِ، حِينَ ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا،
وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْأَحْزَانُ، فَكَانَ الإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ
تَكْرِيمًا رَبَّانِيًّا يُوَاسِي قَلْبَهُ الشَّرِيفَ بَعْدَ مَا لَقِيَ مِنْ
أَلَمِ الْفَقْدِ وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ.
وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ الْعَصِيبَةِ،
شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَمْرَضَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، ذَلِكَ الَّذِي
طَالَمَا نَصَرَهُ وَحَمَاهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ
الْوَفَاةُ، وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَلْبُهُ يَفِيضُ رَحْمَةً
وَشَفَقَةً، وَلِسَانُهُ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِالنَّجَاةِ، يُرَدِّدُ فِي رَجَاءٍ
وَحُبٍّ:
«يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، كَلِمَةً تُنْجِيكَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ».
– «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، أَشْفَعْ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
لِكَيْلَا يَكُونَ الْحُزْنُ
حُزْنَيْنِ: حُزْنًا عَلَى فَقْدِ الْحِصْنِ الَّذِي كَانَتْ تَحْتَمِي بِهِ
دَعْوَةُ الإِسْلَامِ الْفَتِيَّةُ، وَحُزْنًا عَلَى إِصْرَارِ الْعَمِّ عَلَى
مُسَايَرَةِ قَوْمِهِ فِي عَقِيدَةِ الشِّرْكِ إِلَى آخِرِ نَفَسٍ.
فَيَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ
أَخِي، لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ عَيْنَيْكَ بِهَا،
فَنَزَلَتْ:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
[الْقَصَصِ: ٥٦] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَأُمُّنَا خَدِيجَةُ الَّتِي كَانَ
يَأْوِي إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَجِدُ عِنْدَهَا – أُمَّنَا خَدِيجَةَ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا خَدِيجَةُ – يَجِدُهَا قَدْ بَسَطَتْ لَهُ مِنْ أَجْنِحَةِ
الْمَحَبَّةِ وَالْوُدِّ وَالرِّفْقِ مَا يُسَكِّنُ أَلَمَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ.
وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، فَهِيَ مَنْ
هِيَ؛ آزَرَتْهُ فِي أَشَدِّ الأَزَمَاتِ، وَخَفَّفَتْ عَنْهُ مَغَارِمَ
الْجِهَادِ وَمُرَّهُ، وَهَا هِيَ الْيَوْمَ تُهَوِّنُ عَلَيْهِ مَا وَجَدَ مِنْ
عَنَتِ قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ الْعَمَّ.
إِلَّا أَنَّ سِهَامَ الْمَنَايَا سَوْفَ
تُصَوِّبُهَا الأَقْدَارُ هَذِهِ الْمَرَّةَ إِلَى بَيْتِ النُّبُوَّةِ،
فَيَخْتَارُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
طَيِّبَةَ الذِّكْرِ، أُمَّنَا خَدِيجَةَ، إِلَى جِوَارِهِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً.
فَمَنْ يُسَرِّي عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَلَمُ الْفَقْدِ،
وَزَادَ الْوَجَعُ عَلَى الْوَجَعِ، وَأَصْبَحَ قَوْمُهُ أَكْثَرَ جُرْأَةً عَلَى
جَنَابِهِ الشَّرِيفِ، وَلَمْ يَرْعَوِ سُفَهَاؤُهُمْ عَنْ أَذِيَّتِهِ
وَالنَّيْلِ مِنْهُ؟
فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ
وَالسَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَذَى
مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ
سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا
نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ التُّرَابَ،
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ
إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي،
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا:
«لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ
اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ».
قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا
نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ».
وَلَمْ يَمْضِ كَثِيرُ وَقْتٍ حَتَّى
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَعْوَتِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ، رَاجِيًا
أَنْ يَجِدَ فِيهَا تُرْبَةً خَصْبَةً تَنْمُو فِيهَا دَعْوَتُهُ، وَقُلُوبًا
لَيِّنَةً مُسْتَجِيبَةً لِنِدَاءِ الْحَقِّ، بَعْدَ أَنْ كَابَدَ هُوَ وَثُلَّةٌ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِسَالَتِهِ أَصْنَافًا مِنَ الْعَذَابِ وَالِاضْطِهَادِ
وَالصَّدِّ.
لَكِنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ لَمْ
يَكُونُوا أَقَلَّ جُرْأَةً وَسَفَهًا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِأَنْ
أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ وَصَمُّوا آذَانَهُمْ عَنْ دَعْوَةِ الْحَقِّ، بَلْ
أَخْرَجُوا الْحَبِيبَ ﷺ مَكْسُورًا مَقْهُورًا.
وَفِي أَثْنَاءِ رُجُوعِهِ ﷺ مِنَ
الطَّائِفِ، تَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ بِدُعَائِهِ الْمَشْهُورِ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ
ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ
تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ
أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ
عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ
الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَنْزِلَ
بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا
قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ).
جبر بعد كسر
========
وَلِأَنَّهُ الْكَرِيمُ الْحَلِيمُ،
وَجَابِرُ قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ سَيِّدَنَا
جِبْرِيلَ، وَمَلَكًا، لِيَكُونَا طَوْعَ أَمْرِهِ، وَرَبُّنَا يَعْلَمُ أَنَّ
نَبِيَّهُ وَرَسُولَهُ لَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا سِوَى الْخَيْرِ وَالْهِدَايَةِ
لِقَوْمِهِ.
فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ
لِلنَّبِيِّ ﷺ:
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى
عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟»
فَقَالَ ﷺ:
«لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا
لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ
نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى
مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ
إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا
بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ،
فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا
رَدُّوا عَلَيْكَ، وَلَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ
بِمَا شِئْتَ».
قَالَ: «فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ
وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ
قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ
لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ
الْأَخْشَبَيْنِ».
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ
مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
وَتَمْضِي الْأَيَّامُ ثَقِيلَةً،
وَالدَّعْوَةُ تَشُقُّ طَرِيقَهَا الْوَعْرَ بَيْنَ اضْطِهَادٍ لَا تَخْمُدُ
نَارُهُ، وَنَجَاحٍ يَظْهَرُ نُورُهُ فِي الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي رَجَبَ،
حَيْثُ كَانَتْ تَسْكُنُ مَكَّةُ، وَيَلُفُّهَا صَمْتٌ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا
أَنْفَاسُ اللَّيْلِ، يَخْلُدُ الْمُصْطَفَى ﷺ إِلَى النَّوْمِ فِي بَيْتِ أُمِّ
هَانِئٍ، سَيِّدَةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْإِيمَانِ.
وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ
مُخْتَلِفَةً، تَجَلَّى فِيهَا عِظَمُ الْجَبْرِ وَتَمَامُ الرِّضَا عَنِ
الْمَحْبُوبِ. كَانَ الْحَبِيبُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ رِحْلَةٍ هِيَ مُعْجِزَةٌ فِي
حَدِّ ذَاتِهَا، وَقَدْ شُرِّفَ بَيْتُ أُمِّ هَانِئٍ بِأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأَهَا
وَمُنْطَلَقَهَا.
إِنَّهَا رِحْلَةُ الْإِسْرَاءِ
وَالْمِعْرَاجِ.
لنريه من آياتنا الكبرى
==============
هُوَ نَهْجُ الْكَرِيمِ مَعَ
أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، يُرِيهِمْ مِنْ آلَائِهِ وَآيَاتِهِ الْكُبْرَى؛
لِيَثْبُتُوا وَيَصْمُدُوا أَمَامَ الْعِنَادِ وَالصَّدِّ وَالتَّنْكِيلِ،
وَلِيَعْرِفُوا مَنَازِلَهُمْ، وَيَتَحَقَّقُوا مِنْ قَدْرِهِمْ عِنْدَ مَنْ
اصْطَفَاهُمْ رُسُلًا وَهُدَاةً لِلنَّاسِ.
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا
وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾
[الْأَنْبِيَاءِ: ٦٩]
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ
فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا
هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا
الْأُولَىٰ﴾
[طٰهٰ: ١٧–٢١]
هُمَا مِثَالَانِ لِإِكْرَامِ اللَّهِ
لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، تَثْبِيتًا لَهُمْ، وَتَحَدِّيًا لِمَنْ أَشْرَكَ
وَشَكَّكَ.
أَمَّا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ
وَإِمَامُهُمْ، فَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، حِينَ طُوِيَتْ لَهُ
الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، فَتَمَّتِ الرِّحْلَةُ الْمُعْجِزَةُ فِي لَيْلَةٍ
وَاحِدَةٍ، تَحَدَّتْ كُلَّ حِسَابَاتِ الْعَقْلِ الْقَاصِرِ عَنْ إِدْرَاكِ
عَظَمَةِ الْخَالِقِ.
يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ
لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي
بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾
[الْإِسْرَاءِ: ١]
وَمِنْ آيَاتِهِ رُؤْيَةُ الْمُصْطَفَى
ﷺ لِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، وَهَا
هُوَ الْآنَ تَكْتَحِلُ عَيْنُهُ بِرُؤْيَتِهِمْ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِمْ،
وَإِمَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ؛ فَأَيُّ شُعُورٍ يُضَاهِي شُعُورَ الْأَحِبَّةِ
فِي اللَّهِ فِي مَوْقِفِ اللِّقَاءِ؟
يَقُولُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَسَنِ
النَّدْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«لَمْ يَكُنِ الْإِسْرَاءُ مُجَرَّدَ
حَادِثٍ فَرْدِيٍّ بَسِيطٍ رَأَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْآيَاتِ الْكُبْرَى…
بَلِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ النَّبَوِيَّةُ الْغَيْبِيَّةُ عَلَى مَعَانٍ
دَقِيقَةٍ وَإِشَارَاتٍ بَعِيدَةِ الْمَدَى… فَالرَّسُولُ هُوَ نَبِيُّ
الْقِبْلَتَيْنِ، وَإِمَامُ الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ، وَوَارِثُ
الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَإِمَامُ الْأَجْيَالِ بَعْدَهُ».
نحو سدرة المنتهى
===========
كَانَتْ لِقْيَا النَّبِيِّ ﷺ
بِأَحِبَّتِهِ وَإِخْوَتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ
وَسَلَامُهُ، فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا؛ مَهْدَ الدَّعْوَةِ وَمَوْطِنَ
اشْتِغَالِهِمْ وَمُكَابَدَتِهِمْ لِسُلْطَانِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ،
وَأَعْقَبَهُ لِقَاءٌ ثَانٍ فِي عَالَمِ السَّمَاوَاتِ، كَانَ يَعْرُجُ بِهِ،
فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَجِدُ مِنْ إِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَطَّلِعُ
عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ.
وَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ شَمَّ
رَائِحَةً طَيِّبَةً، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ يَا جِبْرِيلُ؟»
قَالَ: «هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ
بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا».
نَعَمْ، لَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ
شَيْئًا مِنْ نَعِيمِهَا، وَحَدَّثَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَقِصَّتُهَا مُلْهِمَةٌ
لِكُلِّ مَنْ سَلَكَ دُرُوبَ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ؛ لِأَنَّهَا خَلَّدَتْ
دَرْسًا فِي الثَّبَاتِ عِزٌّ نَظِيرُهُ فِي التَّارِيخِ. فَقَدْ تَسَلَّطَ
عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ الطَّاغِيَةُ، وَهَدَّدَهَا بِقَتْلِ الْأَبْنَاءِ إِنْ لَمْ
تُرَاجِعْ نَفْسَهَا وَتَرْجِعْ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ، فَلَكِنَّهَا أَبَتْ،
وَبَاعَتِ النَّفْسَ وَالْوَلَدَ رَخِيصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْتَشَرَ طِيبُ
صَنِيعِهَا فِي الْأَرْضِ، وَطِيبُ رِيحِهَا فِي السَّمَاءِ.
وَهُنَاكَ، حَيْثُ سِدْرَةُ
الْمُنْتَهَى، كَانَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى،
وَفِي مَقَامِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ يُكْرِمُ الْجَلِيلُ عَبْدَهُ بِأَعْظَمِ
فَرِيضَةٍ، بَلْ بِأَعْظَمِ نِعَمِهِ؛ إِنَّهَا الصَّلَاةُ.
وَهِيَ تُعَدُّ جَبْرًا عَظِيمًا
لِخَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَقَدْ فَرَضَهَا اللَّهُ ﷻ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ
مُبَاشَرَةً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ. فَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الصَّلَاةِ
الْعَظِيمَةِ أَنَّهَا فُرِضَتْ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ
سَمَاوَاتٍ؛ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ،
وَاخْتَرَقَ السَّبْعَ الطِّبَاقَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ، مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، يُحَيَّا فِي كُلِّ سَمَاءٍ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَنْبِيَائِهَا وَمُقَرَّبِيهَا، حَتَّى وَصَلَ
إِلَى مَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَحَتَّى كَلَّمَهُ رَبُّهُ ﷻ.
ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِ هَذِهِ
الصَّلَاةَ الَّتِي تُؤَدُّونَهَا وَتَعْرِفُونَهَا، فَرَضَهَا خَمْسِينَ
أَوَّلًا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَفَّفَ وَيَسَّرَ جَلَّ وَعَلَا، وَلَمْ يَزَلْ
نَبِيُّنَا ﷺ يُرَاجِعُ رَبَّهُ وَيَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ، حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا
فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا، فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ
مِنْ قِبَلِ اللَّهِ ﷻ يَقُولُ: «قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ
عِبَادِي».
فَالصَّلَاةُ جَبْرٌ لِخَاطِرِنَا،
كَمَا كَانَتْ جَبْرًا لِخَاطِرِ نَبِيِّنَا ﷺ؛ فَهِيَ فُرْصَةُ الْعَبْدِ
لِلتَّحَرُّرِ مِنْ ثِقْلِ جَذْبِ الْأَرْضِ، وَالْعُرُوجِ بِالرُّوحِ إِلَى
الْأَعَالِي، حَتَّى تَصِيرَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ، فَيَرْتَاحَ
الْبَالُ، وَيَطْرَبَ الْقَلْبُ، وَتَسْكُنَ الْجَوَارِحُ.
فَمَا حَمَلَتْ فَرِيضَةٌ مَا
حَمَلَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ مَعَانِي الطُّهْرِ، وَالنِّظَامِ، وَجَمَالِ
الِانْقِيَادِ، وَالْخُشُوعِ لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
وَرَغْمَ بُلُوغِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى
سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَقَدْ أُثِرَ عَنِ الصِّدِّيقَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا نَهْيُهَا عَنِ الْقَوْلِ بِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِلَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ عِنْدَ السِّدْرَةِ، وَكَانَتْ تُرَدِّدُ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ
يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
[الْأَنْعَامِ: ١٠٣]
وَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
مَوْضِعَ ثِقَةِ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ، وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا
مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ:
«مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ
مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ عَائِشَةَ، إِلَّا وَجَدْنَا
عِنْدَهَا عِلْمًا».
فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ مُعَلِّمَةِ
الرِّجَالِ وَالْأَجْيَالِ.
جبر وتسرية وأسرار
============
جَبْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِخَاطِرِ
نَبِيِّهِ ﷺ كَانَ عَظِيمًا؛ قَرَّتِ الْعَيْنُ، وَاطْمَأَنَّ الْقَلْبُ، وَرَجَعَ
الْمُصْطَفَى ﷺ يَدْعُو إِلَى رَبِّهِ بِحَمَاسٍ وَيَقِينٍ بِمَوْعُودِ اللَّهِ
فِي إِتْمَامِ هَذَا الْأَمْرِ.
وَفِي طَيَّاتِ هَذَا الْجَبْرِ، وَفِي
ثَنَايَا هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُعْجِزَةِ، أَسْرَارٌ وَلَطَائِفُ تَلُوحُ
لِلْقَارِئِ، وَهُوَ يَجُولُ وَيُحَلِّقُ فِي سَمَاءِ هَذَا الْكَمِّ مِنَ
الْإِعْجَازِ:
– كَانَتِ الرِّحْلَةُ تَهْيِئَةً مِنَ
اللَّهِ الْجَلِيلِ لِنَبِيِّهِ، وَلِثُلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَائِهِ،
لِعَهْدٍ جَدِيدٍ وَمَرْحَلَةٍ فَاصِلَةٍ فِي الدَّعْوَةِ، تَبْدَأُ بِالْهِجْرَةِ
إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَإِقَامَةِ أُسُسِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ
الْفَتِيَّةِ.
– رَبَطَتِ الرِّحْلَةُ أُمَّةَ
الْقِيَادَةِ بِأَسْلَافِهَا وَأُصُولِهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، حَيْثُ صَلَّى
بِهِمْ إِمَامًا، وَفِي ذَلِكَ إِيذَانٌ بِانْتِقَالِ الْقِيَادَةِ الرُّوحِيَّةِ
وَالْإِمَامَةِ إِلَى أُمَّةٍ تَتَدَفَّقُ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَتَبْنِي
حَضَارَتَهَا عَلَى مَبَادِئِ التَّعَاوُنِ وَالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، تَمْلَأُ
الْعَالَمَ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ مُلِئَ جَوْرًا وَقَهْرًا.
– الْتَقَتْ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ
مَكَّةُ بِالْقُدْسِ، وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ
رَبْطٌ يُشْعِرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَسْؤُولِيَّتِهِمْ نَحْوَ الْمَسْجِدِ
الْأَقْصَى الْمُبَارَكِ؛ وَكُلُّ نَيْلٍ مِنْهُ مَا هُوَ إِلَّا تَوْطِئَةٌ لِلنَّيْلِ
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَصَوْنُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَبْدَأُ
بِالذَّوْدِ عَنْ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَا بَارَكَ اللَّهُ
تَعَالَى مِنْ حَوْلِهِ.
– قِصَّةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ
تَأْكِيدٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْقُوَى الْمَادِّيَّةَ، مَهْمَا عَلَتْ
وَاسْتَعْلَتْ، تَبْقَى عَاجِزَةً عَنْ إِلْغَاءِ الْفِكْرَةِ وَإِخْمَادِ
جَذْوَةِ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ؛ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
كَذَلِكَ كَانَتْ نِسَاءُ الْإِسْلَامِ
وَلَا زِلْنَ؛ فَخَدِيجَةُ، وَعَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ،
وَأُمُّ سُلَيْمٍ، وَغَيْرُهُنَّ كَثِيرَاتٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. كُنَّ
حَلَقَاتٍ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ نُورٍ مُمتَدَّةٍ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؛
جَاهَدْنَ وَصَبَرْنَ، وَاحْتَضَنَّ دَعْوَةَ الْحَقِّ، وَأَبْدَعْنَ فِي ذَلِكَ،
وَكُنَّ بِحَقٍّ مَنَارَاتٍ لِنِسَاءٍ يَسْطُرْنَ الْيَوْمَ أَرْوَعَ الْمَلَاحِمِ
فِي تَارِيخٍ يُكْتَبُ بِمِدَادٍ مِنَ الْفَخْرِ وَالْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ.
جبر النبي صلى الله عليه وسلم للخواطر:
__________________________________
لَقَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ كَانَ
الجَبْرُ مِنَ اللَّهِ العَلِيِّ لِسَيِّدِنَا النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خِلَالِ رِحْلَةِ
الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ وَغَيْرِهَا، لِذَلِكَ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَقَرَّبُ
إِلَى اللَّهِ وَيَجْبُرُ خَوَاطِرَ مَنْ حَوْلَهُ.
= فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفَرِّجُ
هَمَّ المَهْمُومِينَ، وَيُوَاسِيهِمْ وَيُطَيِّبُ خَوَاطِرَهُمْ؛ فَقَدْ دَخَلَ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَاتَ يَوْمٍ المَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ
مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا أُمَامَةَ،
مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟»
قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي،
وَدُيُونٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا
إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ
دَيْنَكَ؟»
قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ،
وَإِذَا أَمْسَيْتَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ
مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ
الرِّجَالِ».
قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَفَعَلْتُ
ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي؛
[سُنَنِ أَبِي دَاوُد].
= وَانْظُرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
كَيْفَ كَانَ يَجْبُرُ خَوَاطِرَ فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ؛ عِنْدَمَا جَاؤُوا
مَكْسُورِي الخَاطِرِ، وَقَالُوا:
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ
الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ،
وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ».
قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ
اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ
تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ
صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةً، وَفِي
بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟
قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا
فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي
الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِم].
= حَتَّى الأَطْفَالُ كَانَ لَهُمْ مِنْ
جَبْرِ الخَاطِرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصِيبٌ؛ فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ
النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ – أَحْسَبُهُ
قَالَ: كَانَ فَطِيمًا – قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ،
قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ
بِهِ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِم]، وَالنُّغَيْرُ: طَائِرٌ صَغِيرٌ كَالعُصْفُورِ.
= بَلْ إِنَّهُ ﷺ جَبَرَ بِخَوَاطِرِنَا
نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبُّهُ وَنَشْتَاقُ إِلَيْهِ، وَنَتَمَنَّى لَوْ كُنَّا إِلَى
جَانِبِهِ نَذُودُ عَنْهُ وَنُنَافِحُ عَنْ دَعْوَتِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى المَقْبَرَةَ فَقَالَ:
«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَوَدِدْتُ أَنَّا
قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا».
قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي،
وَإِخْوَانُنَا لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ».
قَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ
يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ
رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظُهْرَانَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ،
أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟»
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا
مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ»؛ [رَوَاهُ
مُسْلِم].
هذا وصل على سيدنا محمد