استقبال شهر رمضان
المقدمة .. .
أما بعد....
قال سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
أيها الأحبة الكرام...
لستُ هنا اليوم لأحدثكم عن هلالٍ نرقبه،
بل جئتُ لأحدثكم عن عمرٍ نفقده!
جئتُ لأسألكم السؤال الذي يهرب منه الجميع:
ماذا لو كان هذا هو رمضانك الأخير؟!"
"انظروا حولكم..
أين بعض الوجوه التي كانت تعمر هذا المسجد
في العام الماضي؟
أين كثير من الشباب الذين تسابقوا على الصفوف؟
لقد غيّبهم التراب! رمضانهم انتهى، وصحفهم
طُويت، وهم الآن في بطون القبور يتمنون تسبيحة واحدة من التي نضيعها نحن !
وهنا… وهنا فقط…
نفهم لماذا أبقاك الله حيًّا إلى رمضان
جديد.
ليس لأنك الأقوى، ولا لأنك الأتقى،
ولكن لأن الله أراد لك فرصة أخيرة
لتغسل قلبك ، لتعيد ترتيب روحك، لتنجو!
يقول النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر
له ما تقدم من ذنبه»
فهل ستدخل رمضان زائراً..."أم تائباً؟
هل ستدخله كعادة سنوية، أم كخطة نجاة من
نارٍ تلظى؟"
"أيها المسلمون..
إياكم أن تظنوا أن الشيطان ساذج!
الشيطان ليس غبياً! لقد علم أن قلوبكم تشتاق
لرمضان، فصنع لكم شياطين من إنس. نصبوا لكم المشانق على الشاشات!
كيف يعقل يا أمة القرآن، أن يُصفّد إبليس
بالأغلال، وتظل أنت أسيراً لهاتفك؟!
تغلق المصحف لتفتح الإشعارات..
تقطع صلاة التراويح لتتابع صحبة السوء ..
تضيع وقت السحر في القيل والقال !
قال الله تعالى محذرًا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾
أقولها لكم صريحة من على هذا المنبر:
مَن كان يحرص على "متابعيه" في
الأرض،
فقد ضيّع "متابعة" الملائكة له
في السماء!
رمضان ليس موسم المسلسلات، بل هو موسم
(المعجزات). فاجعل هاتفك صامتاً، لتسمع صوت روحك وهي تنادي: (يا رب.. إن ضاقت بي السبل
فإليك المفر .
أيها المسلمون…
إذا كان الهاتف قد سرق قلبك في الليل، فجاء
الجوع في النهار ليسترده،
فالصيام ليس حرمان الجسد من الطعام، بل
تحرير القلب من كل ما استعبده.
وهنا نتساءل يا عباد الله.. لماذا نجوع؟
هل الله بحاجة لتركك الطعام والشراب؟
....كلا!
الله يريد أن يكسر فيك (نمرود النفس) لأن
الإنسان إذا شبع طغى..
رمضان جاء ليقول لك: أنت ضعيف!
أنت بدون جرعة ماء تنهار!
المصيبة أننا حوّلنا رمضان إلى شهر الولائم.
نجوع بالنهار لننتقم من الطعام بالليل!
هذا ليس صياماً، هذا تأجيل وجبات.
الصيام الحقيقي هو أن يجوع قلبك عن الدنيا،
لتشبع روحك من القرب من الله.
فمَن جعل بطنه أكبر همه، لم يذق حلاوة السجود!"
"اسمعوا هذه الصاعقة: (رُبَّ صائمٍ ليس له
من صيامه إلا الجوع والعطش)!
لماذا يا رسول الله؟
لأنه دخل رمضان بقلبٍ أسود!
فيا مَن خاصمت أخاك لأجل حفنة دنيا..
يا مَن قطعت رحمك لسنوات..
يا مَن أكلت مال اليتيم أو حق الميراث..
والله لا يقبل الله منك صرفاً ولا عدلاً وأنت في خصام!
كيف تطلب العتق من النار وأنت لم تعتق أخاك
من غضبك؟
كيف تسأل الله العفو وأنت لا تعفو؟
اخرجوا من هذا المسجد، وقبل أن تصلوا بيوتكم،
طهروا هواتفكم برسائل الصلح.
قال سبحانه وتعالى(فمَن عفا وأصلح فأجره
على الله).
لا تدخل رمضان وأنت (مُثقل) بالأحقاد،
فالسماء لا تفتح أبوابها للمتخاصمين!"
"يا باغي الخير أقبل..
الأبواب فُتحت،
والجنة تزينت،
والمنادي ينادي كل ليلة: هل من تائب؟ هل
من مستغفر؟
اقول قولى هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...
الخطبة الثانية
المقدمة ....
أما بعد...
أيها الأحبة الكرام .....
ليس كل من صام نجا، وليس كل من قام قُبل،
وليس كل من أدرك رمضان كُتب من الأحياء!
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾
أخطر عقوبة… أن تنسى الله،
فتنسى لماذا تعيش، ولأجل ماذا تُمهَل!
ويقول النبي ﷺ
«رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ»
اسمعوها جيدًا…
رغم أنفه! ....لأنه دخل عليه رمضان والأبواب
مفتوحة،
والنار مغلقة، والشياطين مصفدة…
ثم خرج بذنوبه كما هي!
فهذا ليس مغبونًا فقط…
هذا مطرود من الرحمة!
أي قسوة أعظم من أن يمر عليك شهر الغفران
ولا يغفر لك؟
أي موت أبشع من أن تُنادى يا باغي الخير
أقبل وأنت لا تتحرك؟
فاختر لنفسك الليلة:
إما قلبٌ ينكسر فيُغفر له،
أو قلبٌ قاسٍ… فيُترك!
يا رب.. نحن المقصرون، نحن المذنبون، نحن
الذين غرّتنا الأماني. جئناك على أعتاب رمضان بقلوب منكسرة، فلا تردنا خائبين.
اللهم بلغنا رمضان.. اللهم سلمه لنا وتسلمه منا
متقبلاً.
اللهم اجعل هذا الرمضان "ميلاداً جديداً"
لأرواحنا.
اللهم أعتق رقابنا، ورقاب آبائنا، وأمهاتنا،
ومن له حق علينا من النار.
اللهم لا تخرجنا من رمضان إلا وقد غفرت
ذنبنا، وسترت عيبنا، وجبرت كسرنا.