شهر شعبان بين تحويل القبلة وتحول القلوب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد
فاز فوزًا عظيمًا"، وبعد
يجيء شهر شعبان كل عام حاملًا معه ذكرى
حدث كبير له في النفس منزلة، وفي العقل عبرة؛ ألا وهو حدث تحويل القبلة؛ الذي كان من
الأهمية بحيث ثارت بسببه الأقاويل، وتزعزعت بعض النفوس الضعفية بعد إذ هداها الله!
وقد أبان القرآن الكريم عن شيء من حِكمة هذا تحويل القبلة وما نجم عنه؛ بقوله تعالى:
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا
عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله ۗ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ الله
بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: ١٤٣). جاء في تفسير ابن كثير: يقول تعالى:
"إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة؛
ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتدًا
عن دينه، وإنْ كان هذا الأمر -أي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة- عظيمًا في النفوس،
إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول ﷺ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية
فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء،
وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك؛ بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما
حدث أمر أحدث لهم شكًّا، كما يحصل للذين آمنوا إيقانٌ وتصديقٌ"
تلك الذكرى التى جعل الله للمسلمين فيها شخصيةً مستقلةً، وكيانًا خاصًّا،
وذاتيةً منفردةً وذلك بتحويل قبلتهم من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام، تلك الذكرى
التى كشفت القناع عن وجوهٍ كثيرةٍ، وبينت من يتبع الرسول ﷺ حقًّا ويصدق كل ما جاء به، ومن ينقلب على
عقبيه ويرتد والعياذ بالله، فقد اختلت الموازين عند اليهود الذين كان يعجبهم أنه ﷺ يتجه إلى قبلتهم وكأنه يتبعهم، واختلت
الموازين عند المشركين لَما أُعلن المسجد الحرام وهم حوله قبلة لأمة الإسلام؛ إيذانًا
بعودة المسلمين إليه وسلبه من أيدي هؤلاء المعاندين،
واختلت الموازين عند المنافقين الذين ظنوا
أن الإسلام أقوالٌ لا أفعال، وأنه ما سيدعوهم إلى العمل والاجتهاد لرفعة الإسلام والمسلمين،
تلك الذكرى التى جعل الله للمسلمين فيها شخصيةً مستقلةً، وكيانًا خاصًّا،
وذاتيةً منفردةً وذلك بتحويل قبلتهم من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام،
فلقد كان تحويل القبلة تحول قلوب قبل أن يكون تحول أجساد في لحظةٍ واحدةٍ حينما
نزل قوله
تعالى: "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ"
تجد سرعة للاستجابة منقطعة النظير- وفورًا
عند سماعهم الخبر استجابوا لأمر ربهم وقد ضرب الصحابة -رضي
الله عنهم- أروع الأمثال في سرعة امتثالهم لأوامر الشرع، فلما أُمِروا بالتوجه إلى
المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم في صلاتهم،
تحولوا وتوجهوا إلى القبلة الجديدة في نفس الصلاة؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
-رضي الله عنهما-، قَالَ: بَيْنَا الناسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ
آتٍ فَقَالَ: إِن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الليْلَةَ قُرْآنٌ
وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ
إِلَى الشامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ؛ (رواه البخاري).
وعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَن النبِي ﷺ، صَلى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتةَ عَشَرَ
شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ
قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنهُ صَلى أَولَ صَلاَةٍ صَلاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلى مَعَهُ
قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمنْ صَلى مَعَهُ، فَمَر عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَليْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ
البَيْتِ؛ (رواه البخاري).
وفى رواية أنها -وهو الصحيح إن شاء الله-
كانت صلاة رباعية وهى العصر، لذلك سُمّى هذا المسجد بذي القبلتين تخليدًا لعظيم استجابتهم.
إننا نتعلم من الصحابة كمال التسليم والانقياد
لأوامر الله، فالمسلم عبدٌ لله تعالى، يسلم لأحكامه وينقاد لأوامره بكل حب ورضا، ويستجيب
لذلك، ويسارع للامتثال بكل ما أُوتي من قوة وجهد، فأصل الإسلام التسليم، وخلاصة الإيمان
الانقياد، وأساس المحبة الطاعة، لذا كان عنوان صدق المسلم وقوة إيمانه هو فعل ما أمر
الله والاستجابة لحكمه، والامتثال لأمره في جميع الأحوال، لا يوقفه عن الامتثال والطاعة
معرفة الحكمة واقتناعه بها؛ لأنه يعلم علم اليقين، أنه ما أمره الله تعالى بأمر ولا
نهاه عن شيء، إلا كان في مصلحته سواء علم ذلك أو لم يعلمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلَالًا
مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
هذه الطاعة، وذلك التسليم الذي أقسم الله
تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتى يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا
مِما قَضَيْتَ وَيُسَلمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
الصحابة وسرعة الاستجابة
وليست هذه هي واحدة الصحابة في سرعة الاستجابة
بل لهم مواقف عديدة تحكي الانقياد والتسليم منها: إراقة الخمور بمجرد التحريم: فعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ، وَأَبَا
طَلْحَةَ، وَأُبَي بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنهم الخمْرَ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ،
فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُنَادِيًا فَنَادَى: "فَقَالَ أَبُو
طَلْحَةَ: يَا أنَسُ، اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصوْتُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ:
هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: "أَلَا إِن الْخَمْرَ قَدْ حُرمَتْ، فَمَا قَالُوا مَتَى؟
أَوْ حَتى نَنْظُرَ، بل قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ إِلَى هَذِهِ
الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، ثُم قَالُوا عِنْدَ أُم سُلَيْمٍ حَتى أَبْرَدُوا وَاغْتَسَلُوا،
ثُم طَيبَتْهُمْ أُم سُلَيْمٍ ثُم رَاحُوا إِلَى النبِي -ﷺ- فَإِذَا الْخَبَرُ كَمَا قَالَ الرجُلُ،
قَالَ أَنَسٌ: فَمَا طَعِمُوهَا بَعْدُ، وَكَفَأَ الناسُ آنِيَتَهُمْ بِمَا فِيهَا،
فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ" رواه أحمد والبخاري ومسلم.
سرعة استجابة النساء في ارتداء الحجاب:
فعَنْ صَفِيةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ:
"بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَذَكَرَتْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُن،
فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: إِن لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلا،
وَإِني وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَد تَصْدِيقًا بِكِتَابِ
اللهِ، وَلا إِيمَانًا بِالتنْزِيلِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النورِ "وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِن عَلَى جُيُوبِهِن" انْقَلَبَ رِجَالُهُن إِلَيْهِن يَتْلُونَ عَلَيْهِن
مَا أُنْزِلَ إليهن فيها، ويتلوا الرجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ،
وَعَلَى كُل ذِي قَرَابَتِهِ، مَا مِنْهُن امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا
الْمُرَحلِ فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابِهِ،
فَأَصْبَحْنَ يُصَلينَ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصبح معتجرات كأن على رؤسهنَّ الغربان"
رواه أبو داود مختصرًا، وابن أبي حاتم في التفسير. والأعجب من ذلك:
خلع النعال أثناء الصلاة متابعةً للنبي -ﷺ- الذي خلعه لنجاسة فيه، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِي رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُصَلي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ
فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَما رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ،
فَلَما قَضَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى
إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ)، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا
نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِن جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي
أَن فِيهِمَا أَذًى....)؛ رواه أبو داود وصححه الألباني في مشكاة المصابيح)، والنماذج
في هذا المعنى كثيرة من واقع الصحابة، ولكنها إشارة للعاقل.
والسؤال: أين هذا مِن حال مَن يجادلون في آيات الله
بغير علم؟! وممن يطعنون في أصول الدين؛ لأنها لا تتوافق مع أهوائهم المنحرفة وعقولهم
الخرِبة؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون؛ ومن الصحابة نتعلم درسًا
في معنى الأخوة
فقد أظهر تحويل القبلة حرص المؤمن على أخيه
وحب الخير له، وأظهر بعض المسلمين القلق على من لم يكتب الله له شرف الصلاة إلى الكعبة
ممن مات قبلهم، وخافوا من حبوط أعمالهم ، وقالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين
ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله {وما كان الله ليضيع إيمانكم } (البقرة:
١٤٣) - يعني صلاتكم - (رواه أبو داوود والترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي).
وهكذا الأخوة الصادقة لا تنقطع بالموت،
بل لا تنقطع في أحلك الظروف في عرصات القيامة، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-
أن النبي - ﷺ- ذكر شفاعة بعض المؤمنين لإخوانهم، فقال:
(فيقولون: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا، كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا،
وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ
فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ). السلسلة الصحيحة
٣٠٥٤
وحينما يسأل أهل النار عنهم: لماذا خرجوا من النار دونهم؟ فيُقال لهم: لقد شفع لهم أصدقاء لهم فعندئذٍ يتحسرون ويقولون: "فما لنا من شافعين . ولا صديقٍ حميم"
لذلك قال الحسن البصري: استكثروا من الأصدقاء
المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة.
وانظروا إلي حالنا اليوم وما نحن فيه من
ابتعادٍ عن منهج الله وعن دين الله وعدم طاعة لأوامر الله
وأوامر رسوله ﷺ فأصبحنا أذلاء بل غثاءٌ كغثاء السيل. وانظروا
الي المسلمين الأوائل في غزوة أحد لما خالفوا أمرًا واحدًا من أوامر رسول الله ﷺ- ماذا جري لهم؟
تبدل النصر هزيمة لأنهم ما استجابوا لأمر
رسولهم وخالفوه فتمكن العدو منهم وركب علي أكتافهم
وبالمقابل نتساءل: ونحن كم أمرًا اتبعناه؟
أين نحن من تنفيذ أوامر الله ورسوله ﷺ؟ لماذا لا نستجيب؟ لماذا لا ننقاد؟ إن لذلك
أسباب كثيرة منها: الاغترار بكثرة أهل الباطل
فما علا صوت الباطل إلا في غياب صوت الحق،
وما ظهر الباطل إلا باختفاء الحق، وأهل الباطل الآن من شياطين الإنس الذين يزينون الباطل
ويدعون إليه صارت لهم صولات وجولات بل إن أكثر أهل الأرض الآن يعيشون بعيدًا عن منهج
الله وعن هدي رسول الله -ﷺ- فلما رأي كثير من المسلمين ذلك تسربت
الفتنة إلي قلوبهم المريضة حتي ظنوا أن الحق مع الكثرة مع أن الله عزوجل يقول محذرا
من ذلك: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ
هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" فالاغترار
بأهل الباطل وكثرتهم جعل البعض يظن ظنهم ويقلدهم
في كل شيءٍ دون مبالاة بشرع الله ومنهجه
وهذا الشيء الذي حدث مع مشركي مكة حينما
قالوا: "إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ"
الزخرف. إنه التقليد الأعمي الذي أوردهم موارد التهلكة.
وها هو ربنا جل وعلا ينير لنا الطريق ويحذرنا فيقول
سبحانه مُبينًا ومُقارنًا بين الفريقين: "قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"
فالواجب علينا ألا نغتر بأهل الباطل وبكثرتهم
وهم يملأون الأرض فسادًا وافسادا وعلينا أن نمتثل قول الحق سبحانه: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ" التحريم
وما أروع وصية الفضيل بن عياض: "عليك
بطريق أهل الحق ولا يوحشنّك قلة السالكين، وإياك وأهل الضلال ولا تغتر بكثرة الهالكين"
اتباع الهوي الذى يعمى ويصم فهو من أخطر
الأسباب
قال سبحانه: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا
لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ
هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ الله إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"
فأصبح الكثير من الناس -إلا ما رحم ربي-
اليوم يقدم هواه علي شرع الله يقدم ما تهواه
نفسه وما يمليه عليه عقله علي منهج الله وهؤلاء وأمثالهم قال الله فيهم: "وَمَا
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ" يوسف. هؤلاء حقًا هم الذين
يدخلون في الإيمان من باب ويخرجون من باب آخر
ذمهم الله تعالي ووصفهم بأوصاف لا تليق
إلا بالبهائم فقال سبحانه: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ
تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ
أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ" الفرقان. يا ليتهم كانوا كالأنعام.
وثالثة الأثافي الانشغال بشهوات الدنيا
وملذاتها
إن الدنيا تغلف القلب بشهواتها وأهل الغفلة
حقًا هم الذين لا همّ لهم إلا ملء بطونهم، والجري وراء
شهواتهم وجمع حطام الدنيا الزائل وما علم
هؤلاء أن قومًا كانوا قد زهدوا في الدنيا ورغبوا عنها فأتتهم الدنيا وهي راغمة. فكم
من عباداتٍ وطاعاتٍ تُرِكت بحجة جمع المال والحرص علي الأولاد ومطالبهم وكم من أناسٍ
تركوا أمانة الدين بحجة السعي علي الأرزاق وصدق ربنا حينما قال: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ
مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" آل عمران
عدم السماع قال سبحانه: "إِنَّمَا
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ" الأنعام عدم السماع لأمر الله وأمر رسوله
ﷺ حينما تُتلي عليهم الموعظة - حينما يوجه
إليهم التوجيه - يسمعون الآية الحديث - الموعظة - الخطبة فلا يستجيبون - فلا يتعلمون
- فلا يتعظون، وقد وعظهم الله وناداهم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ . وَلَا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ
اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ" الأنفال
نعم أنت مطالب بأن تستمع إلي الموعظة بقلبك،
ولكنك ستجد من يعاند ويكابر فانظر إلي هذا وأمثاله
وهم يلقون باللوم علي أنفسهم ويتحسرون قائلين
-وفي أي مكان- في جهنم، قال الله تعالي مخبرا عنهم: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ
أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ . فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا
لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ" الملك لكن بماذا يفيد الاعتراف؟ فسحقًا لهم
ألا فليعلم هؤلاء وأمثالهم من الذين يستمعون
لكلام الله وأمره وأمر رسوله ﷺ وبالمقابل يستجيبون للشيطان - ألا فليعلموا
أنهم علي خطرٍ عظيمٍ ولذلك يقول ربنا جل وعلا: "وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا
يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم
مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا" النساء
لكن للأسف الشديد قد يجد الإنسان عينًا
لا تبصر وأذنًا لا تسمع وقلبًا لا يخشع قال سبحانه في وصف أهل جهنم: "لَهُمْ قُلُوبٌ
لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ
لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ
هُمُ الْغَافِلُونَ" الأعراف
غياب القدوة الصالحة وهذه -لعمرك- أُثفيّة
الأثافى
نعم! إن وجود القدوة الصالحة من أهم أسباب
الهداية والاستجابة فكم من تائبٍ علي يد عالمٍ أو شيخٍ أو رجلٍ صالحٍ؟ ولذلك عندما
ضاعت القدوة الصالحة ضاع أكثر الشباب فصاروا يلتمسون القدوة في الساقطين والساقطات
من المجتمع والدين بعد أن نسوا القدوة الأولي والمعلم الأول محمد ﷺ الذي قال الله عنه: "لَّقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ" الأحزاب
ولذلك ستأتي لحظة قاسية تجعل هؤلاء الذين
ابتعدوا عن النبي ﷺ كقدوة حسنة يتحسرون حسرةً مؤسفة عبر الله
عنها في القرآن بالعض علي الأيدي يوم لا ينفع العض علي الأيدي فقال سبحانه: "وَيَوْمَ
يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ
سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي
عن الذكر بعد إذ جاءني ...." الفرقان
وحينما يأتيهم العذاب ويلقون في جهنم يندمون
ويتحسرون أشد ما يكون الندم والحسرة قال سبحانه: "يَوْم تُقَلَّب وُجُوههمْ فِي
النَّار يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا" الأحزاب
يتمنون أن لو استجابوا لأمر الله ورسوله
-ﷺ- لكنهم جعلوا قدوتهم غير ذلك فقالوا:
"وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا
السَّبِيلَا". فيصدرون علي قدوتهم السيئة حكمًا فيقولون لربهم جزاء ما فعلوه بهم:
"رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا"
الأحزاب
فما المخرج وكيف نستجيب لأمر الله تعالى؟
أولًا: بالابتعاد عن موانع الاستجابة التى
ذكرناها آنفا ثم
الأخذ بالأسباب التى تثمر الهداية فى قلبك
والتى على رأسها القرآن الكريم
نقف عند الحدود -ننفذ الأوامر- نتجتنب النواهى
نأخذ العبرة والعظة من مشاهده الحية وقصصه
وأخباره وآدابه وأخلاقه لنطمع بعد ذلك فى الجنة وما يقرب إليها ونبتعد عما يقرب إلى
النار
استشعار عظمة الله جل جلاله
فكما نعرف أن لنا ربًّا غفورًا رحيمًا،
فلا بد أن يرسخ فى قلوبنا أيضًا أنه سبحانه عزيز قدير جبار منتقم رقيب على الحركات
والسكنات وأكبر معين على ذلك لزوم مجالس العلم ومتابعة العلماء
الخوف من سوء الخاتمه والاكثار من ذكر الموت
لأن ذلك يدفع المؤمن لتحقيق التوبة وتجديد الإيمان
* التفكر فى حقارة الدنيا وقصر الأمل فيها
فيا من بدنياه اشتغل وغرّه طول الأمل
الموت يأتى بغتة والقبر صندوق العمل
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ
حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ
عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا
إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط،
ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.
أيها الإخوة المؤمنين
لقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِأمرٍ
بدأ فيه بنفسه وثنّنى فيه بملائكته وثلّث فيهِ
بكم فقال عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الْأَحْزَابِ:
٥٦].
فاللهم صل وسلم وزد بارك عليك سيدي يا رسول
الله وآلك وصحبك قادة الحق، وسادة الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وبعد أيها
الإخوة المؤمنين
الأبعاد الأخرى لتحويل القبلة
لقد كان لتحويل القبلة أبعاد كثيرة غير
بعدها الديني
فبعدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور
الأحداث،
وبُعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث النبوي
لإبراهيم عليه السلام،
وبُعدها العسكري أنها مهدت لفتح مكة، وإنهاء الوضع
الوثني في المسجد الحرام؛ حيث أصبح مركز التوحيد بعد أن كان مركزًا لعبادة الأصنام،
وبُعدها الديني أنها ربطت القلب بالحنيفية، وميزت
الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان.
وبُعدها الاجتماعى الذى يحكى وسطية الأمة واعتدالها
وبُعدها الاعتقادى الذى يبين التربية على السمع
والطاعة والتسليم -لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ.
وبُعدها الاخلاقى الذى ظهر فى حرص المؤمن على أخيه
وحب الخير له، فحينما نزلت الآيات التي تأمر المؤمنين بتحويل القبلة إلى الكعبة، تساءل
المؤمنون عن مصير عبادة إخوانهم الذين ماتوا وقد صلوا نحو بيت المقدس، فأخبر الله ـ
عز وجل ـ أن صلاتهم مقبولة فأنزل الله تعالى: "وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ".
وما أكثَر ما علينا أن نتحول عنه في حياتنا، حتى نراجع الفكر والفعل، ونعيد التصور
والموقف، ونضبط البوصلة والقِبلة من جديد، تبعًا لما أمر الله تعالى وبيّن رسوله الكريم
ﷺ؛ فكتاب الله وسنة نبيه هما قبلة المسلم،
عليهما يضبط توجهه، وإليهما تنصرف حركته في الحياة، فعلاً وتركًا.
الإشارة إلى أن فكرة “التحويل” أو “التحول”
ليست خطأ في ذاتها، وإنما هي تدور مع هدفها؛ فهي -بلغة الفقهاء- أمر تعتريه الأحكام
الخمسة، من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة.
فمثلاً؛ التحول عن المعصية واجب، وعن المكروه
مندوب، وعن المباح مباح، وعن الفريضة حرام إلا بعذر معتد به ... وهكذا، ترشدنا هذه
الفكرة -فكرة التحول- إلى ضرورة مراجعة الذات والموقف، وإلى عدم الحرج من الانتقال
عن أمر ثبت خطؤه أو عدم فاعليته. وهذا طبعًا توسيع للمفهوم، وإلا فإن التحول إلى المسجد
الحرام، أمر مفروض لا خيار فيه، ولا يعني أن القبلة السابقة كانت خطأ؛ وإنما التوجه
إلى القبلتين كان أمرًا من الله، واختبارًا منه.. وهما توجهان صحيحان، كلٌّ في زمانه،
والله سبحانه لا يضيع أجر من التزم أمره في السابق أو اللاحق.
ألا فلنتحول كما تحولوا في هذه الأيام المباركة
فلنتحول من المعصية إلي الطاعة فلنتحول من الأنانية والفردية إلي الغيرية والجماعية،
نتحول من العقائد المنحرفة والخرافات الضالة والشعارات الخادعة إلى العقيدة السليمة
المستقيمة. تحويل حالنا من ارتكاب المعاصي والخنا والمسكرات المخدرات والجرائم والفجور
إلى العبادة والطاعة والعمل ليوم النشور. نتحول من الكسل والخمول والتسكع إلي السعي
والكسب والاجتهاد وابتغاء الرزق. تحويل حالنا من الحقد والغل والحسد، إلى الحب والنقاء
والإيثار والإخاء والتراحم فيما بيننا، ولا سيما ونحن مقبلون على شهر كريم. سئل ابن
مسعود : كيف كنتم تستقبلون رمضان؟ قال: ما كان أحدنا يجرؤ على استقبال الهلال وفي قلبه
ذرة حقد على أخيه المسلم”.
وبالجملة تغيير وتحويل شامل جمعه الله في
قوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
الرعد: ١١
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا
وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ
كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف: ٩٦)