recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالتبرع بالدم .شريان الحياة وصدقة الجسد محمد سعيد أبو النصر

التبرع بالدم .شريان الحياة وصدقة الجسد 


 الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم،

وخلق لنا دماء تجري في عروقنا، وشرع لنا صدقة جارية تزيد ونحن في القبور من حسناتنا.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، شهادةً تُزكِّي النفوسَ من الشُّحِّ، وتُطهِّرُ القلوبَ من القسوة، وتغرسُ فيها معنى الرحمةِ والتكافل.

سبحانه فتحَ لعبادِه أبوابَ البرِّ والإحسان، فشرعَ لهم من أعمالِ الخيرِ ما يُحيون به النفوسَ، ويُنجون به الملهوفَ، ويجعلونه صدقةً جاريةً باقيةَ الأثرِ بعد الممات.

وأشهدُ أن سيِّدَنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، المبعوثُ رحمةً للعالمين، والدالُّ على حفظِ النفسِ وصيانتها، والحاثُّ على تفريجِ الكُرُباتِ، وبذلِ المعروفِ، وإنقاذِ الأرواح، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين جسَّدوا معاني الإيثار، وبذلوا النفسَ والدمَ في سبيلِ الله، ليبقى الإنسانُ مصونَ الكرامةِ محفوظَ الحياة، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

أما بعد.

  التبرّعُ بالدَّم… حياةٌ تُوهَب، وأجرٌ ممتد .

- إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ الناسَ متفاوتين في الغنى والفقر والقدره والعجز  لحِكمةٍ بالغةٍ أرادها، وأمرَ عبادَه بتقريبِ هذا التفاوتِ وردمِ فجواتِه، من خلالِ التراحمِ والتكافلِ والتعاون، وبشتى صورِ الصدقاتِ والتبرعات.

  وأجرُ الإحسانِ عند الله عظيم، وثوابُه جزيل، ويكفي في بيانِ فضلِه أن نعلمَ أنَّ الصدقةَ برهان، وأنَّها تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النار.

  والفقرُ ليس نوعًا واحدًا، كما أنَّ الصدقةَ لا تقتصرُ على لونٍ بعينه، بل تتنوَّع بتنوُّعِ حاجاتِ الفقراء؛ فمن الناسِ فقراءُ لا في المال، بل في شيءٍ أعزَّ من المال، فقد يملكون الثرواتِ الطائلة، والأملاكَ الواسعة، ومع ذلك فهم محتاجون.

        محتاجون إلى مادةٍ لا تُستوردُ من الخارج، ولا تُصنَعُ في المصانع، ولا تُباعُ في الأسواق، مادةٍ نحملُها معنا حيثُ كنا، ونملكُها جميعًا، الغنيُّ والفقير، ولا تقومُ الحياةُ بدونها.

  صدقةُ هذه المادة يسيرة، وبذلُها متاح، وأجرُ التبرعِ بها لا يُقدَّرُ بثمن، ويملكُها الإنسانُ ولو لم يملك في الدنيا درهمًا واحدًا.

أتدرون ما هذه المادة؟

  إنَّها الدماءُ التي تجري في عروقِنا، قطراتُ الدمِ التي تنسابُ في أجسادِنا، والدورةُ الدمويةُ التي تسري في أعضائنا مع كلِّ نبضةِ قلب.

  إنَّه التبرعُ بالدمِ لمن هو في حاجةٍ إليه من مرضى فقراءَ في دمائهم، يعانون من فقرِ الدم، وقد امتلأت بهم المراكزُ الصحية، وازدحمت بهم الأسرةُ البيضاءُ في المستشفيات.

  وهؤلاء المرضى  أصناف:

  فمنهم ضحايا حوادثِ السِّير، تلك الحوادثُ التي تفتكُ كلَّ يومٍ بمئاتِ الأجساد، وتزهقُ الأرواح، وتهدرُ الدماء، وقد أصبحت بلادُنا – للأسف – من أكثرِ الدولِ معاناةً مما يُسمى بحربِ الطُّرق؛ فكم من نفسٍ أُزهقت؟ وكم من دمٍ أُريق؟

  ومنهم النساءُ أثناءَ الولادة، فقد تُصابُ المرأةُ بنزيفٍ دمويٍّ حادٍّ بعد الوضع، فتكونُ في أمسِّ الحاجةِ إلى من يُعوضُها دمًا، ويُفرِّجُ عنها كربًا، ويُعيدُ لها الحياة.

  ومنهم مرضى سرطانِ الدم، ذلك الداءُ الخبيثُ الذي يفتكُ بكرياتِ الدم، ويجعلُ التبرعَ المستمرَّ ضرورةً لإنقاذِ حياتهم.

       إنَّ التبرّعَ بالدَّم ليس مجرَّدَ إجراءٍ طبيٍّ، ولا عملاً إنسانيًّا عابرًا، بل هو قيمةٌ شرعيّةٌ عظيمة، ومظهرٌ راقٍ من مظاهر التكافل الاجتماعي، وتجسيدٌ عمليٌّ لمعاني الإيثار، وإنقاذ النفس الإنسانيّة، التي جعلها الإسلام في أعلى سلَّم المقاصد.

قال الله تعالى : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾البقرة/195]

فالدَّمُ حياة، ومن أحيا حياةً فقد نال من الفضل ما تعجز العقول عن إحصائه.

- إنّ حياة الإنسان هي أسمى ما يُصان، وجسد ابن آدم بنيان الله في أرضه، ملعون من هدمه. وفي ظل التطور الطبي المعاصر، برز "التبرع بالدم" كواحد من أعظم صور التكافل الإنساني، فهو ليس مجرد إجراء طبي، بل هو جسرٌ من المودة يمتد من وريدٍ إلى وريد، ليعيد النبض لقلبٍ أوشك على التوقف.

   مفهوم التبرّع بالدَّم وأبعاده العلميّة والإنسانيّة

  التعريف الطبي

  التبرّع بالدَّم هو نقلُ كمِّيَّةٍ محدودةٍ من دم إنسانٍ سليمٍ إلى إنسانٍ مريضٍ أو مُصابٍ يحتاج إليه، بهدف إنقاذ حياته أو تحسين حالته الصحيّة.

 البعد الإنساني

 هو مشاركةٌ في الألم، وبذلٌ من الجسد قبل المال، وصدقُ العطاء فيه أبلغ من أيِّ خطاب.

  التأصيل الشرعي

   أصلُ هذا العمل داخلٌ في مقصِد حفظ النفس، أحد المقاصد الكليّة الخمسة للشريعة.

قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾

[سورة المائدة: الآية ٣٢]

هذه الآية أصلٌ عظيمٌ في فضل إنقاذ الأرواح، والتبرّعُ بالدَّم من أوضح صُوَره في عصرنا.

إن الهدف الأسمى من التبرع بالدم هو إنقاذ الأرواح التي أشرفت على الهلاك،

«وإذا كان للصدقة بالمال منزلتها في الدين، وثوابها عند الله، حتى إن الله تعالى يتقبلها بيمينه، ويضاعفها أضعافًا كثيرة إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله؛ فإن الصدقة بالدم أعلى منزلة وأعظم أجرًا؛ لأنه سبب الحياة، وهو جزء من الإنسان، والإنسان أغلى من المال، وكأن المتبرع بالدم يجود بجزء من كيانه المادي لأخيه حبًا وإيثارًا

  عظمة إنقاذ الروح الواحد

- إن من منح قطرات من دمه لإنقاذ مصاب أو مريض، فكأنما أحيا المجتمع بأسره، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32].

  تفريج الكربات كبوابة للجنان .

- التبرع بالدم هو أرقى أنواع تفريج الكرب، إذ لا كربة أشد على الإنسان من فوات حياته أو حياة عزيز عليه.

  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»< صحيح

 : أخرجه الترمذي  واللفظ له، وأخرجه مسلم  مطولاً>

قال الصنعاني رحمه الله في "سبل السلام" :

"فَضِيلَةُ مَنْ فَرَّجَ عَنْ الْمُسْلِمِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، وَتَفْرِيجُهَا إمَّا بِإِعْطَائِهِ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَتْ كُرْبَتُهُ مِنْ حَاجَةٍ ، أَوْ بَذْلِ جَاهِهِ فِي طَلَبِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ قَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ كُرْبَتُهُ مِنْ ظُلْمِ ظَالِمٍ لَهُ فَرَّجَهَا بِالسَّعْيِ فِي رَفْعِهَا عَنْهُ أَوْ تَخْفِيفِهَا، وَإِنْ كَانَتْ كُرْبَةَ مَرَضٍ أَصَابَهُ أَعَانَهُ عَلَى الدَّوَاءِ إنْ كَانَ لَدَيْهِ أَوْ طَبِيبٍ يَنْفَعُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ؛ تَفْرِيجُ الْكُرَبِ بَابٌ وَاسِعٌ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ إزَالَةَ كُلِّ مَا يَنْزِلُ بِالْعَبْدِ أَوْ تَخْفِيفَهُ" انتهى.

   مكانة إنقاذ النفس في القرآن والسُّنَّة

  تعظيم النفس الإنسانيّة • النفس في الإسلام مُكرَّمة، مصونة، لا تُفرَّق بين غنيٍّ وفقير، أو مسلمٍ وغير مسلم في أصل الحفظ.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

[سورة الإسراء: الآية ٣٣]

فإذا كان الاعتداء محرَّمًا، فإنَّ إنقاذها قُربةٌ عظمى.

 قال رسول الله ﷺ:

«مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

متفق عليه؛ أخرجه البخاري ومسلم

  ولا كُربةَ أعظم من كُربة فقدان الدَّم، حين يتوقَّف القلب على قطرة.

  التبرّع بالدَّم صورةٌ من صور الصدقة الجارية

  الدم صدقةٌ من نوعٍ خاص

وروى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ .

قال النووي رحمه الله :

"(كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)

أَيْ : لَهُ حُكْمهَا فِي الثَّوَاب . وفيه بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ"  .

وروى مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : تَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.

- إن التبرع بالدم صدقة جارية ما دام المريض يعيش بها، قال الرسولﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية…» رواه الترمذي وصححه، وكيف يكون شعورك وأنت ترى صدقتك الجارية من دمائك تجري بجسد غيرك؟ كيف تجد إحساسك وقد أنقدت إنسانا من الموت بدمائك التي تجري في عروقك؟

  ان التبرع بالدم صدقةٌ من الجسد، لا يُعطيها الإنسان إلا عن طيب نفس.

قال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٢]

وأيُّ شيءٍ أحبُّ إلى الإنسان من صحته ودمه؟

   و عن عبدالله بن عمر

قال النبي ﷺ:

«أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ» صحيح : أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط))

إن التبرع بالدم قضاء للحاجات وتفريج للكربات روى البخاري وغيره أن النبيﷺ قال: «ومن كان ‌في ‌حاجة ‌أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» رواه الشيخان

 وكيف يكون شعورك وقد قضيت حاجة مسلم من دمائك، وفرجت بها كربة غيرك، وخففت بها معاناة أخيك؟

وفي الحديث: "إن الله يحب إغاثة اللهفان" رواه أبو يعلى والديلمي

«بل صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن إغاثة الحيوان المحتاج إلى الطعام أو الشراب له عظيم الأجر عند الله، كما في حديث الرجل الذي سقى كلبًا عطشان، وجده يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فملأ خفه ماء من البئر، وأمسكه بفيه، وسقاه حتى ارتوى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فشكر الله له، فغفر له". قال الصحابة دهشين: أئن لنا في البهائم لأجرًا يا رسول الله؟! قال: "نعم، في كل كبد رطبة أجر" متفق عليه

ويبدو أن الصحابة كانوا يظنون أن الإحسان إلى هذه المخلوقات لا يقابله أجر عند الله، وأن الدين لا يهتم به، فبين لهم الرسول الكريم أن الإحسان إلى أي كائن حي فيه أجر، ولو كان حيوانًا أو كلبًا، فما بالك بالإنسان؟! وما بالك بالإنسان المؤمن؟

إن التبرع بالدم تكافل إنساني يجعلك تنتسب للنبيﷺ الذي قال عن الأشعريين من الصحابة بسب ذلك: «هم مني وأنا منهم». رواه البخاري، وكيف يكون شعورك وأنت تعلم أنك نلت بدمك الانتساب للحبيب المصطفىﷺ؟

 وهل يتمنى المسلم من هذه الدنيا غير ذلك؟

فإذا ذهب أهل الدثور بالأجور، وانفرد الأغنياء بصدقات الأموال؛ فإن الصدقات بالدماء فرضة للجميع لتحصيل الأجور؛ سواء كان المسلم غنيا من أهل الدثور، أو فقيرا ذا متربة يعيش بالقشور، فرصة لتفريج الكربات ونشر الفرح والسرور، فرصة لقضاء حاجات الناس، ودفع البؤس والبأس، فرصة لتحقيق خلق الإيثار؛ يقول الله تعالى: {‌وَيُوثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾

  من الأحكام الفقهيّة المتعلِّقة بالتبرّع بالدَّم

  حكم التبرّع

  ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين إلى أنَّ التبرّع بالدَّم:

  جائزٌ شرعًا

  وقد يكون مستحبًّا

  ويصل إلى الوجوب إذا توقَّفت عليه حياةُ معصومٍ، ولم يوجد غيره.

 نقل الدم يُعتبر وسيلة علاجية لا بديل لها في كثير من الحالات، مثل العمليات الجراحية الكبرى والحوادث.

القياس الفقهي

 قاس العلماء التبرّع بالدَّم على:

إباحة التداوي

وجواز شقّ بطن الميِّت لإنقاذ جنينٍ حيّ

قال تعالى:

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾

[سورة الحج: الآية ٧٨]

التعاون على البر والتقوى

التبرع بالدم تطبيق عملي للأمر الإلهي بالتعاون بين المسلمين والبشرية جمعاء فيما فيه خير وصلاح.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» خرجه البخاري  ومسلم

التبرع بالدم للقريب

- الصدقة بالدم لها ثوابها الجزيل بصفة عامة، ولكن صدقة القريب على قريبه مضاعفة بصفة خاصة؛ لما فيها من توثيق روابط القربى، وتأكيد الصلة بين الأرحام. وفى هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة" رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن سلمان بن عامر، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .

ويتضاعف ذلك الأجر إذا لم تكن العلاقة على ما يرام بين الأقارب بعضهم وبعض، بأن نزغ الشيطان بينهم، وأوقد بينهم نار الخصومة والقطيعة، فإذا انتصر أحدهم على نفسه وشيطانه، وتخطي هذه الجفوة المذمومة عند الله وعند الناس، وبذل لقريبه المحتاج من ماله أو تبرع له من دمه، فإن هذا يعده الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقات بالنسبة للمتصدق عليه .

وفى هذا يقول: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" رواه  أحمد والطبراني عن أبى أيوب ، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي ، يعنى بذي الرحم الكاشح الذي يضمر العداوة في كشحه، وليس صافيًا ولا وادًّا لقريبه.

  الفوائد العلمية والطبية للمتبرع (الجانب الصحي)

- لم يقف الأمر عند الأجر الأخروي، بل أثبت العلم الحديث أن في التبرع بالدم فوائد جمة للمتبرع نفسه، وكأن الله يجزي المحسن بإحسانٍ معجل في جسده.

المتبرع بالدم يحلل عدة  تحاليل طبية مجانا، منها مرض الكبد (بي، وسي) ومرض السيدا، والمتبرع قد يكتشف مرضا خطيرا بدأ ينتشر بجسمه وهو لا يدري، فيبادر بالمعالجة قبل استفحال أمره.

تنشيط الدورة الدمويّة

 وتجديد خلايا الدم وتقوية النخاع العظمي

عند التبرع، يضطر الجسم لتعويض الفقد، مما يحفز نخاع العظم على إنتاج خلايا دم جديدة أكثر كفاءة في نقل الأكسجين.

  هذا التجدد يذكرنا بأن الإنفاق لا ينقص المال، وكذلك "إنفاق" الدم لا ينقص الصحة بل يزكيها.

قال الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].

الوقاية من أمراض القلب والجلطات

يساعد التبرع الدوري على تقليل لزوجة الدم ، مما يقلل من فرص الإصابة بالنوبات القلبية.

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ» خرجه البخاري وابن ماجه

الحجامة تشترك مع  التبرع بالدم في إخراج جزء من الدم لمصلحة الجسد، وقد أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كخيار علاجي ووقائي.

الكشف المبكِّر عن بعض الأمراض

  الأبعاد والفوائد والآثار الاجتماعية للتبرع بالدم .

- التبرع بالدم هو "لغة الحب" الصامتة، هو العطاء الذي لا ينتظر شكراً، لأن المتبرع لا يعرف من استقبل دمه، والمستقبل لا يعرف من منحه الحياة، فتتجلى أسمى صور الإخلاص.

الإيثار وتجاوز الأنانية

أن يقتطع الإنسان جزءاً من كيانه المادي ليمنحه للآخرين هو قمة الجود.

قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

التكافل وحق المسلم على المسلم

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. أخرجه البخاري  ومسلم

فمن الفوائد المجتمعيّة أيضا :

 دعم بنوك الدم

إنقاذ مرضى الحوادث والجراحات

تعزيز روح التكافل

قال ﷺ:

«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ»

متفق عليه؛ أخرجه البخاري ومسلم

ودمُك قد يكون شريانَ حياةٍ في جسد هذا المجتمع.

  شروط وآداب التبرع بالدم

لكي يكون هذا العمل مقبولاً طبياً وشرعياً، يجب مراعاة بعض الضوابط:

عدم الضرر بالمتبرع: فلا يجوز للإنسان أن يتبرع بدمه إذا كان ذلك سيؤدي إلى هلاكه أو مرضه، فالمؤمن مأمور بالمحافظة على نفسه.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

ابتغاء وجه الله (الإخلاص): أن يكون العمل خالصاً، بعيداً عن المنّ أو البيع والمساواة المالية، فدم الإنسان أغلى من أن يباع.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» خرجه مسلم

فعلى المتبرع تصحيح النيّة و لا يُطلب شكرٌ ولا ثناء، إنما يُطلب وجه الله

قال تعالى:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٩]

الخاتمة .

إنَّ التبرّعَ بالدَّم عبادةٌ معاصرة، لا تُؤدَّى في محراب، بل في المستشفى، ولا تُكتب بالحبر، بل تُسطَّر في صحائف الأعمال، ولا تُسمَع لها تكبيرات، لكنَّها عند الله عظيمة.

هو عملٌ يجمع بين :

العلم

الفقه

الرحمة

الإنسانيّة

فيا من تبحث عن عملٍ قليل الجهد، عظيم الأثر، باقٍ أجره… تصدَّق بدمك،  تُكتَب لك حياة.

إن قطرة دم واحدة قد تكون هي الفاصل بين الموت والحياة بإذن الله، وهي صدقة جارية في عروق الناس، فكم من أبٍ عاد لأبنائه، وكم من أمٍّ استردت عافيتها بفضل متبرع ابتغى وجه الله. فلنبادر ليكون لنا سهمٌ في هذا الإحياء، امتثالاً لأمر الله، ورجاءً لثوابه.#التبرع_بالدم

google-playkhamsatmostaqltradent