recent
أخبار عاجلة

الإسراءُ والمعراجُ محمد أبوالنصر

الإسراءُ والمعراجُ  


 ️الحمدُ لله الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرامِ، إلى المسجدِ الأقصى ، ثم عرجَ بهِ إلى السمواتِ العُلى، ليريهِ من آياتِه الكبرى .

سبحانَ من طيَّبَ جُرحَ الحبيبِ بعدَ شديدِ المِحن، وفتحَ لهُ أبوابَ السماءِ لما ضاقتْ بهِ الأرضُ من شجن، فكانتْ رحلةُ الإسراءِ بلسمًا لقلبهِ المفطور، ومعراجُهُ سياحةً في عوالمِ النور، فصلى بالأنبياءِ إمامًا، وبلغَ من القربِ والتشريفِ مَقامًا، فصلى اللهُ عليهِ ما تعاقبَ الضياءُ والظلام، وعلى آلهِ وصحبهِ الكرامِ الأعلام.

أما بعد.

 ١- الإسراءُ والمعراجُ :  هو النداءُ العلويُّ والبلسمُ الربانيُّ، وآيةُ القدرةِ الإلهيةِ، ومنحةُ التثبيتِ النبويِّ، ومنهجُ البناءِ الإيمانيِّ .

* تمثِّلُ حادثةُ الإسراءِ والمعراجِ إحدى أعظمِ معجزاتِ النبيِّ ﷺ، وأجلِّ الوقائعِ في السيرةِ النبويةِ، لما اشتملتْ عليهِ من خوارقَ حسِّيَّةٍ، ودلالاتٍ عقديَّةٍ، وتشريعاتٍ ربانيةٍ، وتكريمٍ إلهيٍّ خاصٍ.

  جاءتْ هذهِ الحادثةُ في مرحلةٍ دقيقةٍ من مراحلِ الدعوةِ، بعدَ عامِ الحزنِ، لتكونَ رسالةَ تسليةٍ، وتثبيتٍ، ورفعٍ لمقامِ النبيِّ ﷺ، وإعلانًا أنَّ الدعوةَ ليستْ رهينةَ الأرضِ، بل موصولةٌ بالسماءِ.

- إنَّ رحلةَ الإسراءِ والمعراجِ لم تكنْ مجردَ انتقالٍ مكانيٍّ أو زمانيٍّ، بل كانتْ "تطييباً" لقلبِ النبيِّ ﷺ بعدَ "عامِ الحزنِ"، وإعلاناً عن سيادةِ هذا الدينِ وهيمنتهِ. هي رحلةٌ بدأتْ من الأرضِ لتنتهيَ عندَ سدرةِ المنتهى، حيثُ لا أينَ ولا كيفَ، بل نورٌ على نورٍ .

 ٢-  توقيتُ حادثةِ الإسراءِ والمعراجِ وحِكْمتهُ

  وقعتِ الحادثةُ بعدَ عامِ الحزنِ، عقبَ:

  وفاةِ السيدةِ خديجةَ رضيَ اللهُ عنها

، والتي كانت  سَنَدَهُ الدَّاخِلِيَّ .

  وفاةِ عمِّهِ أبي طالبٍ والذي كان سَنَدَهُ الخَارِجِيَّ، والحامي والمدافع عنه أَمَامَ كَيْدِ قُرَيْشَ.

 إيذاءِ أهلِ الطائفِ لهُ ﷺ

، حَيْثُ أَغْرَوْا بِهِ السُّفَهَاءَ لِيَرْمُوهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا قَدَمَيْهِ

  وينصرف صلى الله عليه وسلم من الطائف محزوناً مهموماً ، يمشي ولا يشعر بنفسه ، حتى استفاق في قرن الثعالب فأخذ يناجي ربه بالدعاء المشهور: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس . أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك .

ثم يعود صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فلم يستطع دخولها إلا تحت جوار المطعم بن عدي وهو رجل مشرك .

في ظل هذه الأجواء الكالحة ، والظروف الحرجة ، وبعد مضي ثنتي عشرة سنة من البعثة ، يشاء الله ، اللطيف بعباده أن يسلي رسوله ، ويثبته على الحق ، فيمن عليه برحلة تاريخية لم ينل شرفها قبله نبي مرسل ولا ملك مقرب .

رحلة مباركة طيبة ، بدأت بأقدس بقاع الأرض ، وانتهت بأعلى طبقات السماء .

 * جاءتِ المعجزةُ جبرًا لخاطرهِ ﷺ، وإشعارًا بأنَّ السماءَ لم تتركهُ، وإنْ خذلتهُ الأرضُ.

  قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ۝ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا﴾ (سورةُ الشرحِ: 5–6)

وللّهِ دَرُّ القَائِلِ:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضيقُ لَـــــــــــهَا الْفَتَــى … ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْـرَجُ

ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا … فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ

أَكْرَمَهُ الله بِرِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ أَهْلُ الأَرْضِ طَرَدُوكَ، فَرَبُّ السَّمَاءِ يَدْعُوكَ.

  ٣-  تعريفُ الإسراءِ والمعراجِ .

  الإسراءُ: هو انتقالُ النبيِّ ﷺ ليلًا من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى.

   وقد خلَّدَ القرآنُ هذهِ الرحلةَ في مفتتحِ سورةٍ سميتْ باسمها، مؤكداً على عبوديةِ النبيِّ ﷺ للهِ في أعلى مقامٍ

  قالَ اللهُ تعالى : ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾(سورةُ الإسراءِ: 1)

   افتتحَ اللهُ الآيةَ بالتسبيحِ تعظيمًا لشأنِ ما بعدها؛ لأنَّ ما سيُذكرُ أمرٌ تعجزُ العقولُ عن إدراكهِ لولا صدقُ الخبرِ الإلهيِّ.

  ٤- دلالةُ المسجدِ الأقصى في حادثةِ الإسراءِ

  اختيارُ المسجدِ الأقصى لم يكنْ عبثًا، بل:

  تقريرٌ لمكانةِ الأقصى العقديةِ.

  إعلانٌ لوحدةِ الرسالاتِ.

  تثبيتٌ لقيادةِ النبيِّ ﷺ للأنبياءِ، حيثُ «حانَتِ الصَّلاةُ فأمَمْتُهُمْ» أي أمَّ الأنبياءَ ،  أخرجهُ مسلمٌ، عن أبي هريرةَ رقمَ (172). 

  ٥-  الإسراءُ الجسديُّ والردُّ على الشبهاتِ .

  الإسراءُ والمعراجُ كانا بالروحِ والجسدِ معًا، وهذا مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ.

  والدليلُ على ذلكَ :

  قولُه تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾، والعبدُ اسمٌ للروحِ والجسدِ معًا.

  ولو كانَ منامًا لما أنكرتْ قريشٌ، ولا ارتدَّ ضعافُ الإيمانِ.

 كان صلى الله عليه وسلم نائماً في الحجر في الكعبة ، إذ أتاه آت فشقّ ما بين نحره إلى أسفل بطنه، ثم استخرج قلبه فملأه حكمة وإيمانًا، ثم أتي بدابة بيضاء.

  ركوبُه البراقَ والتفاصيلُ تؤكد على كونه بالروح والجسد ،  عن أنسِ بنِ مالكٍ، قالَ النبيُّ ﷺ:

«أُتيتُ بالبُراقِ، وهو دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ، فوقَ الحمارِ، ودونَ البغلِ، يضعُ حافرَه عندَ مُنتهَى طرْفِه، فركبتُه، حتى أتيتُ بيتَ المقدسِ، فربطتُه بالحلْقةِ التي تَربِطُ بها الأنبياءُ، ثم دخلتُ المسجدَ، فصليتُ فيه ركعتَينِ، ثم خرجتُ، فجاءني جبريلُ بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لبنٍ، فاخترتُ اللبنَ، فقالَ جبريلُ: اخترتَ الفطرةَ»

 أخرجهُ مسلمٌ في صحيحِهِ، رقمَ (162) >

  المعراجُ: هو صعودُه ﷺ من بيتِ المقدسِ إلى السماواتِ العُلى.

  إمامةُ الأنبياءِ.. إقرارٌ بالوراثةِ الكبرى:

  في بيتِ المقدسِ، جُمعَ للنبيِّ ﷺ الأنبياءُ والمرسلونَ، فصلى بهم إماماً، وهذا دليلٌ على أنَّ الشريعةَ المحمديةَ هي المهيمنةُ والخاتمةُ.

  عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «... فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ...»  أخرجهُ مسلمٌ في صحيحِهِ، كتابُ الإيمانِ، رقم: 172)>

أن في صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعا ، واقتدائهم به وهم في عالم البرزخ ، إشارة إلى أنهم لو كانوا أحياء في الدنيا لم يكن في وسعهم إلا اتباعه ، وكأن الأنبياء عليهم السلام بصلاتهم خلفه يقولون لمن لم يتبعه من اليهود والنصارى وغيرهم ، إننا لو كنا أحياءً لاتبعناه، فما بالكم لا تتبعونه وهو بين أظهركم .

  ٦- المعراجُ.. التسامي نحو سدرةِ المنتهى .

- المعراجُ هو الصعودُ من بيتِ المقدسِ إلى السماواتِ العلا، وصولاً إلى مقامٍ لم يبلغهُ بشرٌ ولا ملكٌ مقربٌ.

  مشاهداتُ السماءِ والاصطفاءُ النبويُّ:

في كلِّ سماءٍ، كانَ النبيُّ ﷺ يلتقي بإخوانهِ من الأنبياءِ، مما يعكسُ وحدةَ المصدرِ الإلهيِّ للوحيِ.

  عُرِجَ بالنبيِّ ﷺ:

  إلى السماءِ الدنيا فالتقى آدمَ

  ثم عيسى ويحيى

  ثم يوسفَ

  ثم إدريسَ

  ثم هارونَ

  ثم موسى

  ثم إبراهيمَ عليهمُ السلامُ

  قالَ اللهُ تعالى:﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ۝ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ۝ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ (سورةُ النجمِ: 13–15)

 عن أنس بن مالك ،قال صلى الله عليه وسلم «

 ثم عُرِجَ بنا إلى السماءِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومَن معك ؟ قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِثَ إليه ؟ قال : قد بُعِثَ إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بآدمَ ، فرحَّب بي ، ودعا لي بخيرٍ . ثم عُرِج بنا إلى السماءِ الثانيةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومَن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِث إليه ؟ قال : قد بُعِث إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بابني الخالةِ : عيسى بنِ مريمَ ، ويحيى بنِ زكريا ، فرحَّبا بي ، ودَعوَا لي بخير . ثم عُرِجَ بنا إلى السماء الثالثةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِثَ إليه ؟ قال : قد بُعِثَ إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بيوسفَ ، وإذا هو قد أُعطِيَ شَطرَ الحُسنِ ، ، فرحَّب بي ، ودعا لي بخيرٍ . ثم عُرِجَ بنا إلى السماءِ الرابعةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : مَن هذا ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومَن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِثَ إليه ؟ قال : قد بُعِث إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بإدريسَ ، فرحَّب بي ، ودعا لي بخيرٍ ، قال اللهُ تعالى : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا . ثم عُرِج بنا إلى السماءِ الخامسةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : مَن هذا ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومَن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِث إليه ؟ قال : قد بُعِث إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بهارونَ ، فرحَّب بي ، ودعا لي بخيرٍ . ثم عُرِج بنا إلى السماءِ السادسةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : مَن هذا ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومَن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِث إليه ؟ قال : قد بُعِث إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بموسى ، فرحَّب بي ، ودعا لي بخيرٍ . ثم عُرِج بنا إلى السماءِ السابعةِ ، فاستفتح جبريلُ ، فقيل : مَن هذا ؟ قال : جبريلُ ، قيل : ومن معك ، قال : محمدٌ ، قيل : وقد بُعِثَ إليه ؟ قال : قد بُعِث إليه ، ففُتِح لنا ، فإذا أنا بإبراهيمَ مُسنِدًا ظهرَه إلى البيتِ المعمورِ ، وإذا هو يدخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ ، لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرةِ المنتهى ، وإذا ورَقُها كآذانِ الفِيَلَةِ ، وإذا ثمرُها كالقِلالِ ، فلما غشِيَها من أمرِ اللهِ ما غَشِيَ تغيَّرتْ ، فما أحدٌ مِن خلْقِ اللهِ يستطيعُ أن ينعتَها من حُسنِها ، فأوحى اللهُ إليَّ ما أوحى ، ففرض عليَّ خمسين صلاةً في كلِّ يومٍ وليلةٍ....... »

<أخرجه مسلم (162) >

 ذكر النبي ﷺ

ذكرَ النبيُّ ﷺ لقاءَهُ بآدمَ، وعيسى، ويحيى، ويوسفَ، وإدريسَ، وهارونَ، وموسى، وإبراهيمَ عليهمُ السلامُ .

  بلوغُ الغايةِ عندَ سدرةِ المنتهى:

هناك حيثُ يتوقفُ العلمُ المخلوقُ، وتتجلى العظمةُ الإلهيةُ، رأى النبيُّ ﷺ من آياتِ ربهِ الكبرى.

﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)﴾ [النجم: 14-18].

  ٧- فرضُ الصلاةِ في المعراجِ .

  فُرضتِ الصلاةُ في السماءِ، ولم تُفرضْ فريضةٌ في السماءِ إلا الصلاةُ، فالصلاةُ هديةُ السماءِ مما يدلُّ على عظمتها ومكانتها في الإسلامِ، فهي "معراجُ المؤمنِ".

 رحلةُ التخفيفِ والرحمةِ بالأمةِ:

كانتِ الصلاةُ في البدايةِ خمسينَ، وظلَّ النبيُّ ﷺ يراجعُ ربهُ بسؤالِ التخفيفِ حتى جعلها اللهُ خمساً في العملِ وخمسينَ في الأجرِ.

  عن أنسِ بنِ مالكٍ قالَ النبيُّ ﷺ: «... يا محمدُ إنهنَّ خمسُ صلواتٍ كلَّ يومٍ وليلةٍ لكلِّ صلاةٍ عشرٌ، فذلكَ خمسونَ صلاةً...» <أخرجهُ مسلمٌ (162) >

وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ « فُرِضَتْ على النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ليلةَ أُسرِيَ بهِ الصلواتُ خمسينَ، ثم نقَصتْ حتى جُعِلَتْ خمساً، ثم نُوديَ: يا محمدُ: إنه لا يبدّلُ القولُ لديَّ، وإنَّ لكَ بهذهِ الخَمْسِ خمسينَ <أخرجهُ البخاريُّ (349)، ومسلمٌ (163) مطولاً>

  الصلاةُ هي الصلةُ المباشرةُ بينَ العبدِ وخالقهِ، وكأنَّ المصلي يعرجُ بروحهِ كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ. فهي صلةٌ بينَ الأرضِ والسماءِ.

وأكثر الناس اليوم لا يصلون الصلوات التي شرعها الله، فصلاتهم لا حياة فيها ولا روح، إنما هي مجرد حركات جوفاء، لأن علامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الوقوع في الخطايا، وأن تخجله من الاستمرار والبقاء عليها إن هو ألم بشيء منها .

  ٨ - المشاهدُ الغيبيةُ والرسائلُ التربويةُ .

* رأى النبيُّ ﷺ في رحلتهِ صوراً للنعيمِ والعذابِ، رَأَى  نَعِيم أَهْل الْجَنَّةِ، وَعَذَاب أَهْلِ النَّارِ، وَأَحْوَالُ المُجْرِمِينَ وَالطَّائِعِينَ، وَكَانَتْ هَذِهِ المَشَاهِدُ عِبْرَةً لَهُ وَلِأُمَّتِهِ،ووعظاً للأمةِ وترهيباً لها من المعاصي. وَزَادًا يُقَوِّي إِيمَانَ المُسْلِمِينَ وَيَبْعَثُ الأَمَلَ فِي نُفُوسِهِمْ.

  عقوبةُ آكلي أموالِ اليتامى والغيبةِ:

- رأى ﷺ أقواماً لهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمشونَ وجوههم وصدورهم، فسألَ جبريلَ فقالَ: "هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لحومَ الناسِ، ويقعونَ في أعراضهم".

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « َلمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ من نُحاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ ، فقُلْتُ : مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُومَ الناسِ ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ » <أخرجه أبو داود في سننه، رقم: 4878، واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم: 5213،. وأحمد (13340)>

  ٩- الإسراءُ والمعراجُ ميزانُ الإيمانِ والتسليمِ .

كانتِ الرحلةُ اختباراً حقيقياً للإيمانِ حيثُ انقسمَ الناسُ بعدَ الحادثةِ إلى :

  مؤمنٌ مصدِّقٌ

  ومكذِّبٌ جاحدٌ

كذبَ المشركونَ وارتدَّ ضعافُ الإيمانِ، بينما تجلتْ عظمةُ أبي بكرٍ الصديقِ.

  موقفُ الصديقِ وتسميتهُ:

عندما أخبرهُ المشركونَ بالخبرِ، قالَ قولتهُ الشهيرةَ: "إنْ كانَ قالَ فقد صدقَ"، فكانَ هذا الموقفُ فيصلاً بينَ الإيمانِ والنفاقِ.

  روى الحاكمُ في المستدركِ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ :

« لما أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به، و صدَّقوه، و سَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ، فقالوا : هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ ؟ قال : أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم، قال : لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا : أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ و جاء قبل أن يُصبِحَ ؟ قال : نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه ، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ»

<أخرجه الحاكم (4407)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/ 360) واللفظ لهما، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (69) مختصرًا.>

  قالَ اللهُ تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورةُ البقرةِ: 3)

  وصفُ المسجدِ الأقصى للمشككينَ:

حينَ كذبتهُ قريشٌ، جلى اللهُ لهُ بيتَ المقدسِ فطفِقَ يخبرهم عن آياتهِ وهو ينظرُ إليهِ.

 • عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» <خرجه البخاري، رقم: 3886، ومسلم، رقم: 170)>

  ١٠ - الدروسُ المستفادةُ واللطائفُ الوعظيةُ .

  الصبرُ مفتاحُ الفرجِ: جاءتِ الرحلةُ بعدَ المحنةِ، لتعلمنا أنَّ الضيقَ يعقبهُ الفرج «إِنَّ الإِسْرَاءَ وَالمِعْرَاجَ كَانَا تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفْعًا لِرُوحِهِ، وَتَعْرِيفًا لَهُ بِعِظَمِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، لِيَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ الْأَعْبَاءِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ»، وَهَكَذَا كَانَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ المُبَارَكَةُ رِسَالَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ، أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ مُقَدِّمَةٌ لِلتَّمْكِينِ، وَأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّفُ لِمَنْ صَبَرَ وَثَبَتَ" < زَادُ الْمَعَادِ: ابْنُ الْقَيِّمِ >

  أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي كان بيد بني إسرائيل فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرث قيادة الأمة، وسترث أمته هذه البلاد،

وأيضا : قدسيةُ المسجدِ الأقصى: الربطُ بينَ الحرمينِ جعلَ الدفاعَ عنِ الأقصى جزءاً من عقيدةِ المسلمِ.

 وفي عروج الله بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى، ورفعه مكانا عليا فوق جميع البشر، بشارة بأن الله سيرفع كلمته ويظهر دينه على الدين كله .

  علوُّ الهمةِ: لم يتوقفِ النبيُّ ﷺ عندَ سماءٍ واحدةٍ، بل تطلعَ إلى أعلى مقامٍ، وهكذا يجبُ أنْ يكونَ المؤمنُ في طلبِ العلمِ والدرجاتِ العلى.

 الخاتمةُ .

  ليستِ الإسراءُ والمعراجُ قصةَ تاريخٍ تُروى، بل منهجَ إيمانٍ يُعاش.

فالإيمان برحلة الإسراء والمعراج جزء من عقيدة المسلم

  هي رسالةٌ لكلِّ مهمومٍ:

  إنْ ضاقتْ بكَ الأرضُ، فالسماءُ مفتوحةٌ.

وإنْ أُغلِقَ بابٌ بحكمةٍ، فسيُفتحُ بابٌ برحمةٍ.

فقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد أن اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأذى ؛ تكريماًُ من الله تعالى لهم ، وتجديداً لعزيمتهم وثباتهم على الدين ، وثقتهم بالله رب العالمين .

  إنَّ الإسراءَ والمعراجَ ليستْ ذكرى تمرُّ، بل هي منهجُ حياةٍ؛ نعرجُ بأرواحنا في صلاتنا، ونثبتُ على ديننا في أزمانِ الفتنِ كما ثبتَ الصديقُ، ونوقنُ أنَّ اللهَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً، قادرٌ على أنْ يسريَ بأمتنا من ليلِ الضعفِ إلى فجرِ التمكينِ.

 الدعاءُ  

اللهمَّ ارزقنا فهمَ هذهِ الحادثةِ إيمانًا، وتصديقًا، وسلوكًا، واجعلْ صلاتنا معراجًا لأرواحنا، ورفعةً لقلوبنا، ووصلةً دائمةً بكَ يا ربَّ العالمينَ.

نَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الحَقِّ، وَأَنْ يَنْصُرَ إِخْوَانَنَا فِي فلسطين  وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُعَجِّلَ بِتَحْرِيرِ المَسْجِدِ الأَقْصَى مِنْ رِجْسِ المُحْتَلِّينَ. إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ المُجَاهِدِينَ فِي فلسطين  وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَقَوِّ عَزَائِمَهُمْ، وَارْبُطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَارْزُقْهُمُ الصَّبْرَ وَالنَّصْرَ المُبِين.

اللَّهُمَّ اشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَتَقَبَّلْهُمْ عِنْدَكَ فِي عِلِّيِّينَ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ لَدُنْكَ عِوَضًا وَخَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاكْتُبْ لَهُمْ أَجْرَ الصَّابِرِينَ المُحْتَسِبِينَ.

اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَاجْعَلْ كَيْدَ أَعْدَائِهِمْ فِي نُحُورِهِمْ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِزًّا يُعِيدُ لِلإِسْلَامِ هَيْبَتَهُ، وَلِلْمُسْلِمِينَ كَرَامَتَهُمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَسَدِّدْ خُطَانَا.

- اللهم كما أكرمتَ نبيكَ برؤيةِ آياتكَ الكبرى، أكرمنا برؤيةِ الحقِ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم يا جابرَ الخواطر، اجبرْ خاطرَ أمتنا فيما أصابها، واجعلْ ليلَ ضعفها إيذاناً بفجرِ تمكينها.

اللهم ارزقنا صلاةً في المسجدِ الأقصى فاتحينَ غيرَ مفتونين، وطهرْهُ من دنسِ الغاصبين، ورُدَّهُ إلى رحابِ المسلمينَ عزيزاً مكرمًا.

اللهم اجعلْ صلاتنا معراجاً لأرواحنا إليك، وصلةً لا تنقطعُ بيننا وبينك، ونوراً يسعى بين أيدينا يومَ العرضِ عليك.

 اللهم ثبتْ قلوبنا على الإيمانِ كما ثبتَّ قلبَ الصديق، واجعلنا ممن يؤمنون بالغيبِ ويتبعون أحسنَ الطريق.

اللهم يا من جعلتَ مع العسرِ يسراً، اجعلْ لنا من كلِ ضيقٍ مخرجاً، ومن كلِ همٍ فرجاً، وارفعْ مقامنا في الدنيا والآخرة ببركةِ الصلاةِ على نبيكَ المصطفى، وآتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنتَ خيرُ من زكاها، أنتَ وليها ومولاها، يا ربَّ العالمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent