recent
أخبار عاجلة

رجال من قريتي الشيخ عبدالناصر بليح

رجال من قريتي 

المرحوم الحاج /زهران أبوزيادة رحمة الله عليه 


المرحوم الحاج /زهران أبوزيادة رحمة الله عليه 

 اليوم أروي تلك القصة، لرجل من طينة نادرة، رجل لو نزل في زمن الصحابة لعدّوه واحدًا منهم، ولوعاش في زمن ماركيز لكتبه على لسان ملاك يطير فوق قريته ثم يختفي بين النخيل. ولوكان أيام لقمان الحكيم لعدوه تلميذا للحكيم لقمان .. رجل من قريتي ، كأنما خرج من زمنٍ لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة الشعبية وفي الحكايات التي تُروى على ضوء القمر

في مثل هذا اليوم يوم الجمعة الاسراء والمعراج في 27رجب 1411هـ 15 مارس 1990،

المرحوم زهران أبوزيادة خالي وهذا خالي فليرني أحدكم خاله ..

حكت لي المرحومة أمي، بصوتها الذي يشبه الحكايات الشعبية، أنها  تصغره بسنوات وكان دائما مسالماً إذا أخطأ احد يقول حاسبوني أنا واتركوه ولاتتشاجروا معاً كان يحب الهدوء وراحة البال يصلح بين الجميع حتي وقت عراك وفتنة القرية التي حدثت بين العائلات كنت لاتعرفه من أي عائلة هو كان مع الجميع وكان سبباً رئيسياً في وأد فتنة كادت تحرق الأخضر واليابس ولكنه عبر بالقرية إلي بر السلامة والأمان ..ولم يتوفاه الله إلا والقرية جميعها علي قلب رجل واحد ..

هذا الرجل الحكيم عاشرته أنا وجلست معه كثيراً رغم صغر سني وقتها فقد كنت أجلس مع الكبار لأتعلم كان من أقواله لي :" يابني إذا أردت أن تدخل في موضوع أو حاجة فلابد أن تدرس الأمر أولاًمن جميع جوانبه جيداً فإذا تيقنت أنك ستمر فتوكل علي الله وإذا تيقنت أنك لن تمر فتريس ولاتتعجل " وكان يقول استخير الله في أمورك كلها ..

ولعدم الإطالة سأروي لكم حدث حتي تتبين حكمة هذا الرجل ورجاحة رأيه ذات ليلة من ليالي الشتاء البارد خرجت  أنا وشقيقي المرحوم محمد لقضاء مصلحة وفي أحد المحال التجارية علي وجه التحديد محل المرحوم حمدين أبورجب أبوحليمة فوجد شقيقي رجل عنده مبلغاً من المال باقي مواد بناء وكان عليه رحمة الله يماطل في هذا المبلغ فطالبه فاحتد الحوار وتعالت أصواتهما ولكن المدين أراد أن يفتعل حيلة كي لايدفع فعلي صوته وتجمع بعض الناس وبدلاً أن يقول للناس محمد فقال تضربني ياشيخ عبدالناصر ..وظل علي هذا دقائق وانصرف  ولم يمسه أحد ولكنها حيل المماطلة . 

المهم تحدثت مع شقيقي تعالي نروح انت بتطالبه ليه كنت استعوضت هذا المبلغ عند ربنا أفضل من هذا الهراء ؟.. المهم قال لي تعالي قبل أن نروح تعالي فمشيت معه ولم أعرف وجهتنا فوجدته أمام بيت خالي زهران فدق الباب فخرج الرجل واستقبلنا استقبالاً حاراً الشاي ياولد فحكي له شقيقي ماحدث وكان هذا الرجل يمت له بصلة قرابة وعلي الفور أرسل نجله هات فلان وبعد دقائق حضر فلان وسوي الخلاف في كلمتين وخرجنا ونحن متحابين وكأن شيئاً لم يحدث ..

 كان عليه رحمة الله يجلس بين المتخاصمين/  ينظر إليهم، فيذوب الغضب من وجوههم كما يذوب الملح في الماء. لم يكن عليه رحمة الله حكيم فحسب  بل كان حاملاً لسِرّ لم نعرفه، فكم من قصص خصام استمرت لسنوات، أنهاها بجلسة وبكلمة، سر مكنون لا يعرفه أحد.

كان يصلح بين المتخاصمين المدججين بالكراهية ويخرجون من عنده وقد تحوّلت النار إلى رماد  لا أحد فهم سرّه، لكن الجميع أطاعوه، حتى القساة الذين لا يخشون أحدا كانوا يخشون عينيه وابتسامته الرقيقة . كان يزرع المحبة حيثما حلّ، وكان لديه مقدرةعلى الصلح بين الناس في زمنٍ صار فيه الدم أرخص من الماء. كم بيتٍ قام على يديه، وكم خصومةٍ انتهت بسلام حين نطق بكلمة واحدة وبابتسامته المعهودة .

كان اميناً وتذهب إليه اهالي القرية والقري  المجاورة لتضع عنده الودائع والأمانات وعقود الأراضي والماشية والكمبيالات ولم يشكو واحد أنه حدث أي خطأ في أمانة ..

لم يكن مجرد رجل صالح، كان زمنًا من نوع آخر من زمن الصحابة وبيت النبوة؛ جده مباشرة مولانا الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؛ كان نسل عائلته يتميز بطول الأعمار، لذا فقد تجد أن جده العشرين في شجرة العائلة مثلا هو سيدنا الإمام الحسين سبط سيد الخلق صلي الله عليه وسلم

كان عليه رحمة الله يشبه أبطال طه حسين الذين يضيئون القرى بحضورهم الصامت، ويشبه حكماء ماركيز الذين يجلسون على عتبات بيوتهم في ماكوندو ويوقفون الحروب بكلمة واحدة. لم يكن يطلب المجد ولا يسعى للسلطة، كان كما وصف يحيى حقي في قنديل أم هاشم: بركة صافية تشبه النور الهادئ، لا تُرى لكنها تُحسّ في القلوب.

حصل علي رئاسة الجمعية الزراعية بالقرية  والمشتركة بالمحافظة دون انتخابات وبالتزكية من الجميع وبإجماع حتي توفاه الله ..وحديث الناس ليومنا رغم وفاته منذ أكثر من نصف قرن يقولون لم يأتي بعده أحد فقد ظلم من جاؤوا بعده ..

مات الرجل وحكي لي من حضر وتولي تغسيله وتكفينه وهو المرحوم الحاج/ محمد حجاج والد الاستاذ ربيع حجاج والحاج يونس حجاج .. وهو رجل صالح أيضاً أمين حيث قال صلي الله عليه وسلم "ليغسل موتاكم المأمنون" حكي ماحدث من هذا الرجل من كرامات وحسن خاتمه وكان يدعوا الله عزوجل أن يختم له بخاتمة مثل خاتمة الحاج/زهران أبوزيادة ..

مات الرجل  في مثل هذا اليوم  منذ أكثر من ثلاثة عقود في يوم مبارك يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رجب وكان من حسن  حظي أن كنت خطيباً للجمعة في هذا اليوم وصلاة الجنازة عليه بمسجد بليح البحري وليس بالمسجد الكبير..

وكان يومها يحضر صلاة الجمعة المرحوم الشيخ /محمدي حنور إمام المسجد الكبير بالقرية وترك مسجده وحضر والمرحوم الشيخ /محمد الأحول واعظ المركز ..

 وووفقني الله يومها لصعود المنبر وكنت معين حديثاً بالمسجد الكبير بقرية شابه أن أعطي لهذا الرجل جزء قليل من حقه علينا في وسط جمع غفير من الناس ..فاتذكر أنني تحدثت عن معجزة الاسراء والمعراج في الخطبة الأولي وفي الخطبة الثانية تحدثت عن المرحوم فقلت :" نحن نودع اليوم رجلاً من الصالحين الأبرار كان رحمة الله عليه بشوش الوجه بساماً عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم  :" تبسمك في وجه اخيك صدقة" وهذا الرجل تصدق علينا جميعاً الكبير والصغيربابتسامته " وله أيادي بيضاء علي الجميع فكم أصلح بين المتخاصمين وكم قضي من مصالح دون مقابل عملاً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :" خير الناس أنفعهم للناس " كان هذاا الرجل أميناً تحفظ عنده الأمانات .."فقد رحل الأمين الشجاع الصادق  الذي كان يصدّاع بالحق لا خوف ولا وجل. رحل الفصيح الصريح الصدق شيمته".

كرمه الله بحسن الخاتمة علي أنه يموت يوم الجمعة ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم:"- ما مِن مسلمٍ يموتُ يومَ الجمعةِ أو ليلةَ الجمعةِ إلَّا وقاهُ اللَّهُ فِتنةَ القبرِ

"(الترمذي).

"لقد كان كبيراً في السن وقال الرسول صلي الله عليه وسلم :" خيركم من طال عمره وحسن عمله" كان  كبيرًا بأخلاقه، عظيمًا بحِلمه، واسعَ الفكر والحكمة ، رفيعَ النفس... ما حمل في قلبه حقدًا، ولا نطق  بسوء". ونحن نشهد له بذلك وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :" "أيُّما مُسْلِمٍ شَهِدَ له أرْبَعَةٌ بخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، قُلْنَا: وثَلَاثَةٌ، قالَ: وثَلَاثَةٌ، قُلتُ: واثْنَانِ، قالَ: واثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" (البخاري ومسلم).

ملحوظة/إننا لانذكر رجالاً من قريتي علي سبيل الفخر والكبر وإنما نذكرهم من اجل التشبه والاقتداء بهم لعد الاقتداء بالرسول صلي الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ..

فعليك أن تتشبه بالصالحين جهدك، وتطالع سيرهم، ففيها الخير العظيم، وقد قيل:

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاحُ.

كما أن في سير المعاصرين من أهل العلم، والزهد، والصلاح، ما يمكنك الاقتداء به، وتلمس خطى أصحابه، وقفو أثرهم.

والصالحون موجودون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل زمان -والحمد لله-.

والذي ننصح به ليكون عونًا لنا على الاستقامة هو صحبة الأخيار من المحيطين بنا، ومن يتحرون متابعة السنة، وتطبيق تعاليم الدين الحنيف، فصحبة هؤلاء شيء ملموس، فترى بعينك سمتهم، وهديهم، فتقتدي بهم في ذلك، والمرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل:

إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردا فتردى مع الردي

عن المرءِ لا تسأل وسل عن قرينهِ ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي.

واجتهد في دعاء الله تعالى أن ييسر لك صحبة أهل الخير، الذين يعينونك على طاعة الله تعالى، وينبهونك إذا غفلت، ويذكرونك إذا نسيت، وأن يوفقك للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباده

 نسأل الله له أن يدخله الجنة بغير حساب  وأن يلحقنا بالصالحين إنه نعم المولي ونعم النصير

google-playkhamsatmostaqltradent