فقه الخطاب الدعوي: بين أمانة البلاغ وإغراء الجماهير
مشاكل الدعوة في عصرنا
تواجه الدعوة إلى الله في هذا العصـر تحديًا
خفيًّا ودقيقًا، لا يقل خطرًا عن العداء الصريح، وهو تحدي الانزلاق من البلاغ إلى الاسترضاء،
ومن الهداية إلى الإمتاع، ومن صناعة الإنسان إلى استهلاك العاطفة.
ويظهر هذا التحدي في صورة خطاب يفقد وقاره،
ويختلّ ميزان ألفاظه، وتُستعار فيه مفردات لا تنتمي إلى روح الدين ولا إلى جلال الرّسالة،
بدعوى القرب من الناس أو مجاراة أذواق الجماهير، فيما يمكن تسميته اجتماعيًّا بـ«السهوكة»
في الخطاب الدعوي.
الدعوي ليست لهوي مستمع
إنَّ الدعوة إلى الله -تعالى- ليست تكيّفًا
مع أهواء المستمعين، ولا استجابةً لضغط الفئة المستهدفة؛ وإنما هي أمانة بلاغ تُؤدَّى
كما هي، بحكمة ورحمة، دون تمييع ولا قسوة.
فليس من فقه الدعوة أن يتحول الخطاب إلى
دغدغة للمشاعر، أو إلى خطاب وجداني مُخدِّر، يُبكي لحظة ويُعطِّل السلوك عُمرًا، ويُنتج
متدينًا لحظيًّا سريع التأثر، سريع الذبول، بعيدًا عن الإسلام الواقعي العملي.
الداعية الحقيقي وارث لمقام النبوة
والداعية في حقيقته ليس فنانًا على مسرح،
ولا مذيعًا يسعى لرفع نسب المشاهدة؛ بل هو وارث لمقام النبوة في البلاغ، ومسؤول عن
الصورة التي يتشكَّل بها الإسلام في وعي الناس. وكل كلمة، وكل نبرة، وكل اختيار لغويّ
أو موضوعي، هو جزء من هذه الأمانة؛ فإما أن يكون جسـر هداية، أو-لا قدّر الله- مدخل
تشويه، سيحمله مَن سيُحاسَب عنه يوم القيامة.
منهج النبي ﷺ في مخاطبة الجماهير
لقد كان منهج النبي ﷺ في مخاطبة الجماهير نموذجًا متكاملًا في
هذا الباب؛ جمع بين صدق العاطفة وقوة المنهج، فحرّك القلوب دون أن يعطّل العقول، وأبكى
العيون دون أن يُفرغ النفوس من الإرادة، وصنع رجالًا ونساءً حملوا الدين في واقعهم،
وصبروا، وعملوا، وأقاموا ميزان الحق في أنفسهم ومجتمعاتهم. لم يكن خطابه تمييعًا، ولا
قسوة؛ بل حكمة تعرف متى تُلين، ومتى تُقيم، ومتى تُخاطب الوجدان، ومتى تستنهض العقل
والسلوك، متى تستخدم الحزم، ومتى تحيا بالرحمة المنضبطة لفظا ومعنى.
الداعية الفقيه
ومن فقه الداعية أن يدرك أن الجماهير قد
تطلب ما يُمتعها لا ما يُصْلحها، وأن التَّصفيق لا يعني القبول عند الله، وأن أعظم
نجـاح للدعوة ليس في لحظة التأثر العابر؛ بل في أثرٍ ممتد يصنع إنسانًا مستقيمًا، واعيًا،
فاعلًا في واقعه.
فالمعاصرة الحقة والحداثة الحقيقية لا تكون بالتنـازل عن الأصول، ولا بتفريغ الخطاب من مضمونه؛ وإنما بالثبات على الحقِّ، والمرونة في الوسائل، مع حفظ هيبة الرسالة وجلالها.
ونسأل الله تعالى أن يستخدمنا ويوظِّفنا
جميعا حيث يرضى، وأن يرزقنا السلامة والعافية.