وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
الأخسرون أعمالاً
احذر الأعمال التي تؤدي الي
الخسران
كيف لا تكن خاسراً
( سورة العصر منهج حياة)
الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة،
وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة أحمده حمداً ينتج اعتماد العبد على ربه
وانقطاعه واشكره شكراً يقصر عنه لسان البراعة، وأستمد معونته بلسان الذلة والضراعة
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، حفظ ملة نبيه الكريم وصفيه الرؤوف الرحيم، من الإضاعة، إلى قيام الساعة وجعل
التأسي به أنفع الوسائل وخير البضاعة
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المخصوص
بمقام الشفاعة، على العموم والإشاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه حسب
الاستطاعة صلي الله عليه وعلي آله وصحبة أهل التقوي والقناعة
أما بعد
أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة
صدوركم وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم وجعل الجنة هي
داركم ومستقركم
اعلموا عباد الله أن كل ابن آدم يبحث
عن الربح والنجاة، وكلهم يسعى للبعد عن الخسارة والهلاك، والسعادة حق السعادة هي
سعادة الآخرة ودخول الجنة، والخسارة حق الخسارة هي خسارة الآخرة ودخول النار،
جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة وأجارنا الله وإياكم من النيران، (وَالْوَزْنُ
يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا
يَظْلِمُونَ) 9 الأعراف روي البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: « إِنَّهُ لَيَأْتِي
الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ
جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَقَالَ: اقرؤوا إن شئتم: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزْنًا } » البخاري
أولاً : الأخسرون أعمالاً
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اجْتِنَابُ
الْخُسْرَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاجْتِنَابِ
أَسْبَابِهِ؛ وَذَلِكَ بِاجْتِنَابِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، وعدم الإعجاب بالنفس
واستحسان العمل والتمادي في الخطأ واتباع الهوي
والذي يخرج العبد من الخسران اتباع الحق وَالتَّتَرُّسِ بِالْإِيمَانِ
وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، واستماع النصائح ولزوم السنة والجماعة
إِنَّ الْخَطَأَ مِنْ سِمَاتِ
الْبَشَرِ، وَلَنْ يَنْجُوَ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ مِنَ الْخُسْرَانِ إِلَّا
بِعَفْوِ اللهِ -تَعَالَى- وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ؛ وَلِذَا كَانَ حَقًّا
عَلَى الْعَاصِي أَنْ يَهْرَعَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؛ وأن يكون سعيه
للآخرة (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) وذلك اتِّقَاءًا لِلْخُسْرَانِ
أما عن خسران السعي فقد قال الله تعالى
في خيبة السّعي: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعاً (الكهف: 103- 104) . والآية نزلت لتُخبر عن الكفار الذين
يظنون أنهم على خير وهم في ضلال تام، وهم أصحاب الأعمال التي تبطل يوم القيامة
لفساد الاعتقاد (كالكفر، والشرك، والرياء)، وتشمل اليهود والنصارى ومن كان على مثل
حالهم، وليست خاصة بطائفة معينة، بل هي عامة لكل من ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن
ونبه على ذلك بقوله : أعمالاً ولو قال عملاً كان السامع لا يبعد في وهمه أن خسرهم
كان لجنسٍ واحد من أجناس المعصية، أو لعملٍ واحدٍ من الأعمال الذميمة.
وفي "صحيح البخاري"، وغيره
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أنه قال هم اليهود والنصارى
وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي
رضي الله تعالى عنه في الآية قال: هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري.
قَالَ الْأَصْمَعِي: سمع أَعْرَابِي
وَاحِدًا يقْرَأهذه الآية : فَقَالَ: وَأَبِيك، إِنِّي لأعرف هَؤُلَاءِ الْقَوْم
بنعتهم فَقيل لَهُ: وَمن هم قَالَ: الَّذين يثردون، وَيَأْكُل غَيرهم.
حكي عن بعضهم أنه قال قضيت صلاة ثلاثين
سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول لأني تأخرت يوماً لعذر فصليت في الصف
الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني فعرفت أن نظر الناس إلي
في الصف الأول كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في
"زوائد الزهد"، والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: أمر عمر بن الخطاب رضي
الله تعالى عنه براهب فوقف، ونودي الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع
فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنَّه
نصراني.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قد علمت،
ولكنْ رَحِمْتُهُ، وذكرت قول الله تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا
حَامِيَةً} [الغاشية: 3 - 4]، فَرَحِمْتُ نَصَبَه واجتهاده وهو في النار "
ورواه عبد الرزاق في المصنف"
وقال عز وجل: وَقَدِمْنا إِلى ما
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (الفرقان: 23) أخرجَ يعقوب بن أبي شيبة وابن أبي الدُّنْيَا
فِي حديث سالم مولي أبي حذيفة مرفوعاً: " ليجَاءَ يوم القيامة بأقوام معهم من
الحسنات مثل جبال تهامة، حتي إِذَا جئ بِهمْ جعل الله أعمالهم هباءً ثُمَّ أكبهم
فِي النار
".
وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ
الْبَعِيدُ(ابراهيم: 18)
روى الإمام البخاري رحمه الله في كتابه
التاريخ الكبير بسنده عن محمد بن سيرين رحمه الله قال: كنت عند الكعبة فسمعت رجلا
يقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، فقال له محمد: يا هذا ما سمعت
أحداً يدعو بمثل دعوتك هذه.
فقال صاحب الدعوة: إنك لا تدري ما
خبري، إنني كنت قد أعطيت الله عهداً أنني إذا تمكنت من عثمان بن عفان لطمته على
وجهه ولحيته، فقتل عثمان قبل أن ألطمه، فلما وضع عثمان على سريره في بيته، وجاء
الناس يصلون عليه، دخلت في زمرة من يصلي على عثمان، حتى وجدت خلوة فكشفت عن وجهه
وكفنه ولطمته تحقيقاً لعهدي، فما رفعت يدي إلا قد شلت ويبست كأنها خشبة.
قال ابن سيرين: فأنا رأيت يده يابسة
كأنها عود! وتأمل يا أخي أن الإنسان أحياناً يصل في الضلالة إلى أن يعطي الله
عهداً على أن يؤذي مؤمناً، وهذا ممن قال الله فيهم: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر:8].
إن العبد ليأتي للأمر ويزعم أنه قربة
إلى الله، وهو لا يقود إلا إلى الضلال المبين، ولا يقود إلا إلى الهلاك؛ لأنه
معارض لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
والذين قتلوا عثمان رضي الله عنه
وأرضاه قتلوه وهم يزعمون أنهم يتقربون إلى الله جل وعلا بقتله، لأنهم لما غلبت
عليهم أزمة الشبهات حرموا من نعمة العقل والهداية والتوفيق فقادتهم تلك الشبهات
إلى ما قادتهم إليه.
قَالَ ابن عُيَيْنَة: لما حضرت محمدَ
بنَ المُنكَدر الوفاةُ جزع فَدَعوا له أبا حازم فجاء، فَقَالَ له ابن المنكدر:
إنَّ الله يقول: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}
[الزمر: 47]، فأخافُ أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. فجعلا يبكيان جميعًا.
خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا وابن أبي حاتم.
وزاد ابن أبي الدُّنْيَا: فَقَالَ له
أهله: دعوناكَ لتخفِّف عليه فزدته فأخبرهم بما قَالَ.
وقال الفُضَيْل بن عِيَاض: أُخْبِرتُ
عن سليمان التيمي أنّه قِيلَ لَهُ: أنتَ أنتَ ومن مُثلك؟ فَقَالَ: مه، لا تقوّلوا
هذا، لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]. وقيل نزلت هذه الآية الكريمة:
{وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:47] في
أناس عملوا ذنوباً فظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، فكانت من الكبائر، فبدا لهم من
الله ما لم يكونوا يحتسبون إنهم أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة ولكنهم أثقلوا
ظهورهم بمظالم العباد
ثانياً : احذر الأعمال التي تؤدي الي
الخسران
قال أنس رضي الله عنه: إنكم لتعلمون
أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم من الموبقات، فعلى العبد أن يعظم ربه عز وجل، فإذا ازدادت خشية العبد
لله عز وجل وعظم تقواه له عز وجل فإنه يعظم حرمات الله عز وجل، {وَمَنْ يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].
وَثَمَّةَ أَعْمَالٌ وُصِفَ
مُرْتَكِبُوهَا بِالْخُسْرَانِ لِشَنَاعَتِهَا وَكَثْرَةِ وُقُوعِهَا؛ لِيَحْذَرَ
النَّاسُ مِنْهَا، كَسَفْكِ الدَّمِ الْحَرَامِ (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ
أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ) [المائدة: 30]، وَقَتْلِ
الْأَوْلَادِ خَشْيَةَ الْفَقْرِ أَوِ الْعَارِ (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا
أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام:140].
روي مسلم عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا:
الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ
مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ،
وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ
دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ
حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ
أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ .» فهو
يحسن الظن بحسناته، وهو غافل عن المظالم التي أثقل ظهره بها، فإذا استوفى أصحاب
المظالم حقوقهم حتى فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم فيبدو له من الله عز وجل ما
لم يكن يحتسب.
الكفر بالله من الخسران وَلَا
يَظُنَّنَ ظَانٌّ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَدِينُونَ بِدِينٍ، وَلَا يَعْمَلُونَ
أَعْمَالًا يَظُنُّونَهَا صَالِحَةً؛ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَدِينُونَ بِدِينٍ،
وَيَعْمَلُونَ أَعْمَالاً، وَلَكِنَّهَا تَعَبٌ فِي الدُّنْيَا، وَخَسَارَةٌ فِي
الْآخِرَةِ إذ يقول الله جل وعلا مخبراً لنا عمن تاه في الأباطيل: (قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:
103-104]؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَمَرَ عِبَادَهُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ،
وَبِمَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ عِبَادَاتٍ وَأَحْكَامٍ.
قال الله جل وعلا (كَمَثَلِ
الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) هَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ
لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ فِي تَخَاذُلِهِمْ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ فِي
نُصْرَتِهِمْ للنبي ووهو دليل خسران اهل الكفر
والمثل لرَاهِبٌ فِي الْفَتْرَةِ
يُقَالُ لَهُ: بِرْصِيصَا، قَدْ تَعَبَّدَ فِي صَوْمَعَتِهِ سَبْعِينَ سَنَةً،
لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى أَعْيَا إِبْلِيسَ فكاد له
فوقع في الفاحشة
روي الحاكم في المستدرك عَنْ عَلِيِّ
بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: " كَانَ رَاهِبٌ يَتَعَبَّدُ فِي
صَوْمَعَةٍ وَامْرَأَةٌ زَيَّنَتْ لَهُ نَفْسَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ
فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: اقْتُلْهَا فَإِنَّهُمْ إِنْ ظَهَرُوا عَلَيْكَ
افْتَضَحْتَ فَقَتَلَهَا فَدَفَنَهَا، فَجَاءُوهُ فَأَخَذُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ
فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ إِذْ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي
زَيَّنْتُ لَكَ فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً أُنْجِيكَ فَسَجَدَ لَهُ، فَأَنْزَلَ
اللَّهُ عز وجل {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ
فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ} [الحشر: 16] الْآيَةَ «هَذَا
حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
وَفِي زَمَنِ الْعُدْوَانِ
الصَّلِيبِيِّ عَلَى الْأَنْدَلُسِ تَنَصَّرَ عَدَدٌ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَالْقُضَاةِ
وَالتُّجَّارِ وَالْأَعْيَانِ حِفَاظًا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَضِيَاعِهِمْ، وَلَوْ
أَنَّهُمْ ضَحُّوا بِهَا فِدَاءً لِإِيمَانِهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، وَلَوْ
أَنَّهُمْ قُتِلُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ لَكَانَ شَهَادَةً لَهُمْ، وَلَوْ
أَنَّهُمْ فَرُّوا بِدِينِهِمْ لَكَانَ أَسْلَمَ لَهُمْ (وَمَنْ يَكْفُرْ
بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
[المائدة: 5
وَالْكُفْرُ بِالْقُرْآنِ بَابٌ إِلَى
الْخُسْرَانِ، سَوَاءً كَفَرَ بِهِ كُلَّهُ أَوْ كَفَرَ بِبَعْضِهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ قَدْ يَرُدُّ حُكْمًا مِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ
بِرَدِّهِ إِيَّاهُ صَارَ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمُصَلِّينَ،
وَمَا أَكْثَرَ الْوَاقِعِينَ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي اجْتَرَأَ
فِيهِ الْمُنَافِقُونَ وَالْفُسَّاقُ عَلَى الشَّرِيعَةِ فَانْتَهَكُوهَا!
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:
121].
كذا جحد سنة النبي العدنان فقد باء
بالخسران روي الحاكم عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ معْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا
عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ
اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا
وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ مَا حَرَّمَ
اللَّهُ
"
وَمِنْهُ التَّكْذِيبُ بِالْبَعْثِ
وَالْجَزَاءِ (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا
مُهْتَدِينَ) [يونس: 45].
قال تعالي {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ
أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا
مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ (79)}] [يس:78 - 83] نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، جَاءَ بِعَظْمٍ
نَخِرٍ، فَجَعَلَ يَذْرُوهُ فِي الرِّيحِ، فَقَالَ: أَيُحْيِي اللهُ هَذَا يَا
مُحَمَّدُ؟، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " نَعَمْ، يُحْيِي اللهُ
هَذَا، وَيُمِيتُكَ، وَيُدْخِلُكَ النَّارَ"
قد باء بالخسران المغترون بعلمهم وثناء
الناس عليهم وعند ذلك يتلو عليك الشيطان فضل العلم ودرجة العلماء، وما ورد فيه من
الأخبار والآثار ويلهيك عن قول النبي فيما روي الطبراني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَشَدُّ
النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ» وعن
قوله صلى الله عليه وسلم فيما روي احمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «رَأَيْتُ
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ،
فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ
يَأْمُرونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ، وَهُمْ يَتْلُونَ
الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» مسند أحمد
قال الْحَسَنُ: «مَنْ أَفْرَطَ فِي
حُبِّ الدُّنْيَا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ، وَمَنِ ازْدَادَ عِلْمًا
ثُمَّ ازْدَادَ عَلَى الدُّنْيَا حِرْصًا لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا
بُغْضًا وَلَمْ يَزْدَدْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بُعْدًا»
وكان صلى الله عليه وسلم يقول كما في
سنن النسائي عن أنس، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدَّعَوات:
"اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ من علمٍ لا ينفَع، وقلبٍ لا يخشَع، ودُعاءٍ لا
يُسمَع، ونفسٍ لا تشبَع" ثُمَّ يقول: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من هؤلاء
الأربع" سنن النسائي
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي
آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ
الْغاوِينَ (175) الأعراف
ذَكَّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ قِصَّةً
عَرَفُوهَا فِي التَّوْرَاةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الَّذِي أُوتِيَ
الْآيَاتِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ،
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى عليه السلام، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا
نَظَرَ رَأَى الْعَرْشَ. وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا" وَلَمْ يَقُلْ آيَةً، وَكَانَ فِي
مَجْلِسِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَلْفَ مِحْبَرَةٍ لِلْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ
يَكْتُبُونَ عَنْهُ. ثُمَّ صَارَ بِحَيْثُ
كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا فِي
أن" ليس للعالم صانع". قال مالك ابن دِينَارٍ: بُعِثَ بَلْعَامُ
بْنُ بَاعُورَاءَ إِلَى مَلِكِ مَدْيَنَ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِيمَانِ،
فَأَعْطَاهُ وَأَقْطَعَهُ فَاتَّبَعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِينَ مُوسَى، فَفِيهِ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ.
ترك الصلاة خسران روي الترمذي عن أَبِي
هُرَيْرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ
أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ
صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ
وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ تبارك
وتعالى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ
مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَنْعُ حَقِّ اللهِ -تَعَالَى- مِنَ
الْمَالِ بَابٌ إِلَى الْخُسْرَانِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهٌ
عَنْهُ-، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «هُمُ
الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ
أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي،
مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا
وَهَكَذَا وَهَكَذَا - مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ
وَعَنْ شِمَالِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).
كذا خاب وخسر من افطر رمضان عن مَالِكُ
بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا رَقِيَ
عَتَبَةً، قَالَ: "آمِينَ"، ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً أُخْرَى، فقَالَ:
"آمِينَ"، ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً، فقَالَ:
"آمِينَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ،
قُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَدَخَلَ
النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ
فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ".
هناك صور للخسارة وهي: خسارة نقص
الأعمال؛ لأن الأعمال يوم القيامة هي الموازين، فالله عز وجل ينصب موازين تزن
وترجح بالخردلة، يقول الله: إِنَّ اللَّهَ
لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ
لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40]..
كذا باء بالخسران أهل الرياء وهَذَا
كما فِي حديث الثلاثة الَّذِينَ هم أول من تسعر بِهُمْ النار، العَالم والمتصدق
والمجاهد. روي الترمذي عن أبي هريرة قال حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم: " أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ
إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ
يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا
أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ
فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ
النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ:
كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ
فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ
أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى
يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ
الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ
المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ
يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ:
أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ
اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ،
وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ
ذَاكَ "، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رُكْبَتِي
فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ
بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ»
قال أنس رضي الله عنه: إنكم لتعلمون
أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم من الموبقات، فعلى العبد أن يعظم ربه عز وجل، فإذا ازدادت خشية العبد
لله عز وجل وعظم تقواه له عز وجل فإنه يعظم حرمات الله عز وجل، {وَمَنْ يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي
ولكم
الخطبة الثانية
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه،
ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده
الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
كثيراً.
أما بعد
فقد تكون الخسارة من بعض الوجوه دون
بعض و قد عمم الله الخسار لكل إنسان الا من أهل التقوى بعد كلمة التوحيد وإخلاص
العبادة والعمل لله واتباع سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم
والخسارة الحقيقية هي أن يخسر الإنسان
نفسه وأهله يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ
هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]
ثالثاً: سبل النجاة من الخسر (سورة
العصر طوق النجاة من الخُسْر)
جاءت في سورة عظيمة هى سورة العصر بين
ربنا صفات أولئك الرابحين في أربعة صفات في قول الله تعالى( وَالْعَصْرِ إِنَّ
الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)العصر: 1 – 3
وقفة مع مَن أقسم
إنه الله العلي العظيم القوي المتين، إذا تكلّم فكلامه فصل وليس
بالهزل، فما ظنك إذا أقسم؟ سمع أعرابي آية بها قَسَمٌ، فقال: يا سبحان الله! من
الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟ تفسير
القرطبي
والمقسم به وهو العصر
العصر: عمُر الإنسان..........لماذا
أقسم بعمر الإنسان؟
لأنه محل الربح والخسران؛ فما ربح من
ربح إلا من خلال وقت، وما خسر من خسر إلا من خلال وقت، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ
أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]
قالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ اللهُ
تَعَالَى: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ
لَكَفَتْهُمْ.
أيهَا المسلمون: لقَدْ بيَّنَتِ
السورةُ أنَّ الناسَ فريقانِ: فريقٌ يلحَقُهُ الخسرانُ، وفريقٌ نَاجٍ مِنَ
الخذلانِ؛ فمَنْ وفَّقَهُ اللهُ تعالَى جعَلَ الوقتَ عوناً لَهُ فِي حياتِهِ،
فأحْسَنَ استثمارَهُ للنجاة من الخسران.
لهذه السورة فضائل منها: عن أبي مدينة
الدارميّ قال: كان الرجلان من أصحابِ النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا التقيا لم
يفترقا حتّى يقرأ أحدهُما على الأخر (والعصر * إنِ الإنسان لفي خسر..)، ثم يسلم
أحدهُما على الآخر"(السلسة الصحيحة).
الأمور الأربعة الإيمان بما أمر الله
الإيمان به وليس المراد بالإيمان مجرد التصديق بل الإيمان الذي يؤرث العمل الصالح
ولا يكون الإيمان بدون العلم فهو فرع عنه لا يتم إلا به.
والأمرين الآخرين التواصي بالحق والصبر
عليه: لأنه سبيل للنجاة كما أن المعاصي والآثام سبب للهلاك؛ فالطاعات والأعمال
الصالحة سبب للنجاة، قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)[آلعمران:104]
فبالأمرين الأولين يكمَّل الإنسان نفسه
وبالأمرين الأخيرين يكمَّل غيره وبتكميل الأمور الأربعة يكون الإنسان قد سلم من
الخسار وفاز بالربح العظيم.
من رسائل سورة العصر
- شرفُ الوقت وأهميتُه: فالله عَزَّ
وجَلَّ أقسم به {وَالْعَصْرِ}وكفى بالوقت شرفًا ورفعة أن يُقسِمَ به ملكُ الملوك.
- وقتك هو مستقبلك الأبدي ( كل ثانية في
حياتك لها قدرها
)
- عليك بالجماعة الصالحة - البعد عن
البيئة الفاسدة ( اخرج من المستنقع حتى تطهر )
فضل الإيمان وعمل الصالحات، والتواصي
بالحق والتواصي بالصبر. هم الرابحون، ومن سواهم خاسرٌ
هذا وصلوا وسلموا على أمرتم بالصلاة
والسلام عليه، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].