منزلةُ العقلِ في الإسلامِ
العناصر:- 1) وقفات مع نعمة العقل 2) أقسام العقول 3) دعوة الإسلام إلى إعمال العقول
الأدلة من القرآن والسنة :- 1)
الوقفة الأولى: لقد أكرمت الشريعة الإسلامية هذا العقل أيما تكريم، وإليك أبرز مظاهر تكريم الإسلام للعقل والاهتمامُ به:
أولاً: قيام الدعوة إلى الإيمان على الإقناع العقلي. فلم يطلب الإسلام من الإنسان أن يطفئ مصباح عقله ويعتقد. بل دعاه إلى إعمال ذهنه وتشغيل طاقته العقلية في سبيل وصولها إلى أمور مقنعة في شؤون حياتها: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: 29].
ثانياً: لم يجبر الإسلام العقل على الإيمان، وإنما ترك له الخيار بين الإيمان والكفر: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29] وبعدها يتحمل المرء تبعات اختياره.
ثالثاً: ذم الإسلام ذلك العقل الذي يقلد دون أن يُعمل ذهنه، وحذّر من التقليد الأعمى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170].
رابعاً: أمر الإسلام العقل أن يتعلم وحثّه على ذلك، لأن نمو العقل بالعلم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11].
خامساً: من مظاهر تكريم الإسلام للعقل والمحافظةُ عليه، أنه نهى عن كل ما يؤثر في سيره أو يغطيه فضلاً عما يزيله، لذلك حرّم الإسلام شرب الخمر، بل وحرم كل مسكر، بل وامتد التحريم إلى الكمية التي لا تسكر منها فقال عليه الصلاة والسلام: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" كل هذا حفاظاً على العقل وعلى بقائه.
الوقفة الثانية: ومع تقدير الإسلام للعقل إلا أن الشرع قد حدد للعقل مجالاتُه التي يخوض فيها حتى لا يضل. وفي هذا تكريم له أيضاً، لأن العقل مهما بلغ فهو محدود الطاقات والملكات، لا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة. وسيظل بعيداً عن متناول كثير من الأشياء.
وإذا حاول الخوض فيها التبست عليه الأمور، وتخبط في الظلمات، وركب متن العديد من الأخطار،
لذا منع الإسلام العقل من الخوض في أربعة أمور: التفكير في ذات الله، والتفكير في القدَر، والتشريع من دون الله، ومحاولة معرفة حقائق الغيب.
فهذه الأمور الأربعة ضلال العقل فيها متحتم لو دخلها، ولهذا جاء النهي عن الخوضُ فيها. وما ضلال وفساد ما يسمى بالمدرسة العقلية، إلا بتغليب جانب العقل والتضخيم من حجمه، وتقديم العقل على النقل، فحصل منهم التخبطات التي ليس هذا مجال التفصيل فيها.
لذا فأمَر الإسلام العقل بالاستسلام والامتثال للنقل والشرع والوحي، حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب. ولذا يخطئ كثير من الناس، بل وينحرف إذا صار لا يسير مع الشرع إلا بما اقتنع به عقله. وما غواية إبليس إلا من هذا الباب، وهو أنه لما أمره الله بالسجود لآدم لم يمتثل، واستبد برأيه ونظر للقضية من باب: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف: 12]، فلم يمتثل للأمر طلباً للسبب الذي لأجله يسجد الفاضل للمفضول حسب عقله، فكانت اللعنة عليه إلى يوم الدين.
فبعض الناس قد يؤتيه الله عقلاً، وتكون عقليته نادرة، فيصاب بالغرور من هذا الباب فيخرج من الدين -والعياذ بالله- وهو لا يشعر لأنه لا يُسلم عقله للشرع والدين والعلم. ومن أجمل ما قيل في ذلك هذه المحاورة بين العقل والعلم:
علمُ العليمِ وعقلُ العاقلِ اختصمَا........... مَن ذَا الذي منهمَا قد أحرزَ الشرفَا
فالعلمُ قالَ: أنا أدركتُ غايتَهُ ...............والعقلُ قالَ أنا الرحمنُ بِي عُرفَا
فأفصحَ العلمُ إفصاحاً وقالَ لهُ:................ بأيِّنَا اللهُ في قرآنِهِ اتصفَا؟
فبانَ للعقلِ أنَّ العلمَ سيدَهُ ................ فقبَّلَ العقلُ رأسَ العلمِ وانصرفَا
2) أقسام العقول :
القسم الأول: العقول الربانية. وأصحاب هذه العقول هم الذين جعلوا همهم الآخرة، إذا قاموا فمن أجل الدين، وإذا قعدوا فمن أجله كذلك، وهذه العقول، هي عقول العلماء والدعاة وطلاب العلم ومصلحي الأمة والكتّاب والمفكرين، أولئك الذين استخدموا عقولهم وسخروها فيما يرضي الله -جل وتعالى-، وجعلوا كل تفكيرهم فيما ينفع الأمة ويصلح من أحوالها ويغيّر حالها.
هذه الفئة لا شك أنهم أفضل الناس للناس، إنهم لا يعيشون لأنفسهم، إنما يعيشون لغيرهم، وكم هي المنّة من الله والخير لهذا الإنسان الذي قد وهب عقله وسخرها لتعليم آية، أو بيان حكم، أو إزالة منكر، أو أمر لإصلاح وضع: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) [ص: 46].
القسم الثاني: العقول الحيوانية: وأصحاب هذه العقول قد مُنحوا عقولاً وتفكيراً وذكاءً، لكن اهتماماتهم هي نفس اهتمامات الحيوان، الأكل والشرب والنكاح، كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12]، هذه العقول تعيش لنفسها، ولا تفكر إلا في ذاتها، تفاعلاتها سلبية مع أوضاع وأحداث الأمة، ونسبة هؤلاء مع كل أسف غير قليل في الأمة، فاحذر أخي المسلم أن تُصنّف مع هؤلاء.
القسم الثالث: العقول المجرمة. وأصحاب هذه العقول هم الذين سخّروا عقولهم وذكاءهم ونباهتهم في محاربة الدين، والصد عن سبيل الله، ووقفوا ضد تيار الإصلاح، وهؤلاء على درجات وأصناف: منهم العلماني الحاقد، ومنهم المسلم الخبيث، ومنهم المنافق اللئيم، يتظاهر بالصلاح والإصلاح وهو من أشد أعداء الإصلاح، وبين كل درجة ودرجة من هؤلاء أقسام وأقسام، كل بحسبه، الجامع بينهم، هو تحريك هذه العقول وتوظيفها في مقاومة ومحاربة الدعوة من الانتشار، ومنع الصحوة من التمدد، ولكن -ومع كل أسف- مع ما أعطوا من عقول، فإن عقولهم لم تكشف لهم بعد، بأن دين الله لا يُغالب، وأن مكرهم وكيدهم سينقلب عليهم: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30]، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) [الطارق: 15- 17].
3) دعوة الإسلام إلى إعمال العقول :
"ومن أبرز خصائص الإسلام دعوته إلى إعمال العقل والانفتاح على خبرات البشرية، ذلك لأنه دين عقلي، فإذا أعمل الإنسان عقله، وفكر بمنطق سليم؛ فسوف يكتشف الحقيقة، وهي: أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فوحدة الكون، ووحدة القوانين العلمية ...؛ كلها تشهد بوحدانية الله سبحانه، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقد استدلَّ القرآنُ الكريمُ بهذه الآية -وغيرها- من وحدة الكون على وحدة الإله، كما استدل بوحدة الإله على وحدة القوانين واستمرارها ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]، ويدعو الإسلام إلى التفاعل مع الخبرات الإنسانية المختلفة من أجل الاستفادة بما يوجد فيها من خير، ومن أجل تقويم ما يوجد فيها من اعوجاج حتى ينتشر دين الله ويعم الأرض كلها". بناء المجتمع الإسلامي
ويقول الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: "قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب في شأنك وفي شأن ما جئت به، قل لهم: إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة، أو بخصلة واحدة، ثم فسر سبحانه هذه الكلمة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾، والمراد بالقيام هنا: التشمير عن ساعد الجد، وتلقي ما جاءهم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقلب مفتوح، وعقل واع، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد، و﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ أي: متفرقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا... ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ بعد ذلك في أمر هذا الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي أمر رسالته، وفي أمر ما جاء به من عند ربه، فعند ذلك ترون أنه على الحق، وأنه قد جاءكم بما يسعدكم.
فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف في أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد -أيضا- في شأن هذا الرسول، من غير تعصب وهوى، وقدم الاثنين في القيام على المنفرد؛ لأن تفكير الاثنين في الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير، أجدى في الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد، ولم يأمرهم بأن يتفكروا في جماعة؛ لأن العقلية الجماعية كثيرًا ما تتبع الانفعال الطارئ، وقلما تتريث في الحكم على الأمور...". التفسير الوسيط
"وقد قالت الحكماء: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه، ... ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية، قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل: مه، إنما العاقل من وحَّد اللَّه تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]". [الذريعة إلى مكارم الشريعة].
ما المستفاد ؟ العقول الربانية : هذه الفئة لا شك أنهم أفضل الناس للناس، إنهم لا يعيشون لأنفسهم، إنما يعيشون لغيرهم، وكم هي المنّة من الله والخير لهذا الإنسان الذي قد وهب عقله وسخرها لتعليم آية، أو بيان حكم، أو إزالة منكر، أو أمر لإصلاح وضع: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) [ص: 46]. وقد كان الحسنُ البصريُّ - رحمَهُ اللهّ - إذا أُخبِرَ عن صلاحِ رجُلٍ قالَ: "كيفَ عقلُهُ؟ فمَا تمَّ دينُ عبدٍ قطُّ حتى يتمَّ عقلُهُ". ومِصداقُ ذلكَ مِن كلامِ اللهِ - تباركَ وتعالَى -: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}. [يونس: 100].
عملياً:- ومع تقدير الإسلام للعقل إلا أن الشرع قد حدد للعقل مجالاتُه التي يخوض فيها حتى لا يضل. وفي هذا تكريم له أيضاً، لأن العقل مهما بلغ فهو محدود الطاقات والملكات، لا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة. وسيظل بعيداً عن متناول كثير من الأشياء. وإذا حاول الخوض فيها التبست عليه الأمور، وتخبط في الظلمات، وركب متن العديد من الأخطار.