بَعْضُ الْأَحْكَامِ
الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَهْرِ رَجِبَ الْفَرْدِ
س/ هل هناك صلاة مخصوصة بشهر رجب؟
ج/ لا توجد صلاةٌ مخصوصةٌ بشهرٍ من
الشهور إلا صلاة التراويح لشهر رمضان، وما ذُكر أن في شهر رجب صلاة تُسمى (صلاة
الرغائب) تُصلى ليلة الجمعة الأولى من رجب لا دليل عليها من فعل النبي (صلى الله
عليه وسلم) أو قوله، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا
لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (رواه مسلم).
س/ ما حكم الذبح في شهر رجب، وهل
يتعارض مع قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ)؟
ج/ الذبح في شهر رجب إذا كان يُقصد به
التقرب لله (عزّ وجلّ)، والتوسعة على الأهل والفقراء والمساكين فلا حرج فيه، أما
إذا كان المقصود به التشبه بأهل الجاهلية في الذبح لقرابينهم وأصنامهم فهذا منهيٌ
عنه، وهذا هو المقصود بقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (لاَ فَرَعَ وَلاَ
عَتِيرَةَ) (متفق عليه)، والفرع: هو أول مولود لأنعامهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم،
والعتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها لطواغيتهم في رجب.
ما درجة الحديث المنتشر على وسائل
التواصل الاجتماعي: مَنْ بشّر الناس بدخول شهر رمضان المعظم حرم الله جسده على
النار؟
ج/ ثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم)
بشر أصحابه بقدوم شهر رمضان مبينًا لهم فضله وفضل صيامه، حاثًا لهم على اغتنامه،
ولكن لم يثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبر بفضلٍ أو أجرٍ أو ثوابٍ لمن بشّر
الناس بدخول شهر رمضان.
وأحذر مِنْ إرسال هذا الحديث للأخرين
عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وأحذر مِنْ نسبته لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) لقوله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى
أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ) (رواه البخاري(.
س/ ما حكم الصيام في شهر رجب، وهل لصيام غرته (بدايته) من
فضل مأثور؟
ج/ الصيام في شهر رجب يندرج تحت قول
السيدة عائشة (رضي الله عنها) (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ
يَصُومُ...) (متفق عليه)، والمعنى أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يصوم في أي وقت من
السنة ومنها شهر رجب، ومن الممكن أن نستدل على ذلك أيضًا بقوله (صلى الله عليه
وسلم) للباهلي: (صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ،
صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ) (رواه أبو داود وغيره وهو ضعيف)، ولم يثبت عن النبي
(صلى الله عليه وسلم) في فضل صيام أيام شهر رجب ولا أول يومٍ فيه حديث صحيح، وما
جاء في ذلك أحاديث واهية وموضوعة، ومن تمام القول أن أقول: إن الأيام التي تتمتع
بفضلٍ في الصيام التطوعي عمومًا هي أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، والثلاثة
القمرية (الأيام البيض) من كل شهر؛ لترغيب النبي (صلى الله عليه وسلم) في صومها.
س/ ماحكم صيام الثلاثة أشهر (رجب وشعبان ورمضان) متواصلًا
بدون ترك يوم واحدٍ؟
ج/ صيام هذه الأشهر الثلاثة متواصلًا
مخالفًا لهدي النبي (صلى الله عليه وسلم)، لقول السيدة عائشة (رضي الله عنها)
(...فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا
مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) (متفق عليه)، وخير الهدي هو هدي النبي (صلى الله عليه وسلم).
س/ ما حكم ما يسمى بــــ (طلعة رجب) في
زيارة القبور؟
ج/ زيارة القبور ليس لها وقت محدد
مخصوص عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك لم يحرم النبي (صلى الله عليه وسلم)
زيارتها في أوقات محددة، فما يسمى بطلعة رجب إن قصد به مطلق الزيارة للمقابر فلا
بأس، مع الالتزام بآداب الزيارة، وإن قصد به ثوابًا وفضلًا مخصوصًا في هذا الوقت
بالذات فغير صحيح؛ لأنه لم يثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
س/ ما حكم صيام اليوم (27) السابع والعشرين من شهر رجب
بنية الاحتفال بالإسراء والمعراج؟ وهل هناك دليل على صيامه؟
ج/ لا يوجد في الشرع الحنيف ما يسمى
بصيام اليوم السابع والعشرين من رجب ولا يوجد دليل عليه من الكتاب أو السنة، ولا
فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا أحدٌ من صحابته أو السلف الصالح، كما أن
تاريخ وقوع معجزة الإسراء والمعراج مختلف فيه اختلافًا كبيًرا من حيث الشهر الذي
وقعت فيه وكذلك السنة حتى قال بعضهم: كان وقوعها قبل البعثة، قال الإمام النووي
(رحمه الله): (فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه (صلى الله عليه وسلم)
بخمسة عشر شهرًا. وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة
بسنة. وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه (صلى الله عليه وسلم) بخمس سنين. وقال بن
إسحاق: أسري به (صلى الله عليه وسلم) وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. وأشبه هذه
الأقوال قول الزهري وبن إسحاق إذ لم يختلفوا أن خديجة (رضي الله) عنها صلت معه
(صلى الله عليه وسلم) بعد فرض الصلاة عليه ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة
قيل بثلاث سنين، وقيل: بخمس، ومنها: أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة
الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه ) (شرح النووي على مسلم 2/210) فلا يجوز
صيامه بتلك النية.
إنما السنة صيامه وصيام أي يوم من أيام
شهر رجب بنية صيام يوم من الاشهر الحرم لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (صُمْ
مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ) (رواه أبو داود) أو صيام الأيام التي توافق الاثنين
والخميس بنية الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في صيام يومي الاثنين والخميس
من كل أسبوع، فقد سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:
(ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ ـ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)
(رواه مسلم)، وسئل مرة أخرى عن سبب كثرة صيامه لليومين، فقال: (إِنَّ أَعْمَالَ
الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) (رواه أبو داود)،
أو صيامه إذا وافق يوما من الأيام البيض (13/14/15).
س/ ما حكم الاحتفال بمعجزة الإسراء
والمعراج في شهر رجب؟
على الرغم من اختلاف العلماء في زمن
وقوع الإسراء والمعراج كما تقدم، إلا أن الأمة تعارفت على تجديد الاحتفاء
والاحتفال به ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، وتلك سنة حسنة نعلم فيه النشء
ونذكر الشباب والرجال والنساء بجزء من سيرة نبينا (صلى الله عليه وسلم(، والاحتفال
بالأيام العظيمة أمرٌ رباني، ومنهجٌ نبوي،
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم:5]، وحينما هاجر النبي (صلى الله
عليه وسلم) إلى المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فقال: (مَا هَذَا). قالوا: هذا
يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: (فَأَنَا
أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ). فصامه، وأمر بصيامه. (متفق عليه)
والله أعلى وأعلم وهو المستعان وعليه
التكلان
خادم العلم الشرعي
الشيخ الدكتور/ مسعد أحمد سعد الشايب
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
كلية أصول الدين الأم بالقاهرة ـ جامعة
الأزهر الشريف