لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإيمانَ رِبَاطًا بَيْنَ القُلُوبِ،
وَجَعَلَ مَحَبَّةَ الخَيْرِ لِلآخَرِينَ شَرْطًا لِكَمَالِ المَحْبُوبِ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَإِمَامِ الأُمَّةِ
.
أما بعد.
يقول صلى الله عليه وسلم : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ
لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» <أخرجه البخاري برقم 13، ومسلم برقم 45) من
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.>
إنَّ هذا
الحَدِيثَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ،
وَدُسْتُورٌ أَخْلَاقِيٌّ يُحَوِّلُ المُجْتَمَعَ مِنْ جَزِيرَةٍ مُنْعَزِلَةٍ
مِنَ الأَنَانِيَّةِ إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى
لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
هذا الحديث يُعد
قاعدة ذهبية في تجريد النفس من الأنانية وتزكيتها، حيث يربط النبي ﷺ كمال الإيمان
بقدرة المسلم على جعل "مقياس تعامله مع الآخرين" هو نفسه "مقياس
حبه لذاته". فالمؤمن الصادق لا يستأثر بالفضل لنفسه، بل يتمنى لأخيه ما يسره
من رزق، ونجاح، وهداية، تماماً كما يتمناه لنفسه، ويستشعر ألم أخيه كما لو كان
ألمه الخاص.
هذا الرقي
الشعوري يمحو بواعث الحسد والضغينة، ويحول المجتمع إلى جسد واحد متماسك، بحيث لا
يكون حب الخير مجرد عاطفة عابرة، بل عقيدة وعملاً يرجو به العبد وجه الله والدار
الآخرة.
« إن هذا الحديث الشريف من الأحاديث العظيمة التي عليها مدار الدين،
ولو عمل الناس به لقضى على كثير من المنكرات والخصومات بين الناس، ولعَمَّ المجتمع
الأمن والخير السلام، وهذا يحصل عند كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد، فإن
الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز
على الناس بفضائله ويتفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك: وهو أن يشركه
المؤمنون كلهم فيما أعطاه اللَّه من الخير، من غير أن ينقص عليه من ذلك شيء »
<جامع العلوم والحكم، لابن رجب: ص 147، بتصرف.>
نَتَنَاوَلُ فِي هَذِهِ المَحَاضَرَةِ البَحْثِيَّةِ ثَلَاثِينَ
مَنْهَلًا عَمَلِيًّا لِتَطْبِيقِ هَذَا الحَدِيثِ، مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَاتِ
وَالآثَارِ، جَامِعِينَ بَيْنَ فِقْهِ القُلُوبِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ.
- روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ رضي اللهُ عنه: أنه سأل رسول
اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أفضل الإيمان، قال: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ:
أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ
اللَّهِ» قال: وماذا يا رسول اللَّه؟ قال: «وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ
لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا
أَوْ تَصْمُتَ» <قال محققوه: صحيح لغيره (36/ 446) ، رقم 22130).>
أوَّلًا: الجَانِبُ الإِيمَانِيُّ
وَالرُّوحِيُّ
يُعَدُّ هَذَا الجَانِبُ هُوَ الأَسَاسَ؛ فَالمُؤْمِنُ الذِي ذَاقَ
طَعْمَ القُرْبِ مِنَ اللهِ، لَا يَكْمُلُ إِيمَانُهُ حَتَّى يَتَمَنَّى هَذَا
القُرْبَ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ.
1 * الهداية للحق:
أَنْ تُحِبَّ لِأَخِيكَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الصِّرَاطِ
المُسْتَقِيمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16]. وَفِي
الدُّعَاءِ لِلآخَرِينَ بِالهِدَايَةِ نَصْرٌ لِلإِيمَانِ، وَقَدْ قَالَ
النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: «فَوَاللَّهِ لَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا
وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»
<
أخرجه البخاري (4210)، ومسلم (2406) من حديث سهل بن سعد>
2 * ثبات العقيدة:
أَنْ تَتَمَنَّى لَهُ اليَقِينَ الذِي لَا يُزَعْزِعُهُ شَكٌّ،
عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].
3 * حلاوة الطاعة:
أَنْ تَتَمَنَّى لِأَخِيكَ أَنْ يَجِدَ اللَّذَّةَ فِي السُّجُودِ
كَمَا تَجِدُهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ: ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ:
أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا
يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ
مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ" <أخرجه البخاري (16)، ومسلم
(43)، والترمذي (2624) واللفظ له، والنسائي (4987)، وابن ماجه (4033)، وأحمد
(12021). من حديث
أنس بن مالك>
4 * التوفيق للعبادة:
أَنْ تَفْرَحَ لَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ مُسَابِقًا فِي صِيَامٍ أَوْ
قِيَامٍ، مِمْتَثِلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
5 * حسن الخاتمة:
أَنْ يَلْهَجَ قَلْبُكَ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالثَّبَاتِ عِنْدَ
المَوْتِ، لِيَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ
الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر:
27-28].
ثَانِيًا: الجَانِبُ النَّفْسِيُّ وَالاجْتِمَاعِيُّ
النَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الذَّاتِ، فَإِذَا ارْتَقَى
المُؤْمِنُ، أَصْبَحَتْ رَاحَةُ غَيْرِهِ مَطْلَبًا لَهُ.
6 * راحة البال:
أَنْ تُحِبَّ لَهُ الهُدُوءَ النَّفْسِيَّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَنِ
المُؤْمِنِينَ: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26].
7 * الذكر الحسن:
أَنْ تَتَمَنَّى لَهُ قَبُولًا بَيْنَ النَّاسِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «
- إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي
أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في
السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ
السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا
دَعا جِبْرِيلَ فيَقولُ: إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضْهُ، قالَ فيُبْغِضُهُ
جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا
فأبْغِضُوهُ، قالَ: فيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضاءُ في الأرْضِ.
<صحيح مسلم رقم : 2637) وأخرجه البخاري
(7485) باختلاف يسير>
8 * ستر العيوب:
أَنْ تُغَطِّيَ زَلَّتَهُ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُغَطِّيَ اللهُ
زَلَّتَكَ، قَالَ ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ»
<أخرجه البخاري برقم 2442) ومسلم (2580)
وأبو داود (4893)
باختلاف يسير.
من حديث عبدالله بن عمر>
9 * السعادة الأسرية:
أَنْ تَدْعُوَ لَهُ بِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].
10 * محبة الخلق:
أَنْ تَتَمَنَّى لَهُ صِحَّةَ العَلَاقَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ
وُدًّا﴾ [مريم: 96].
11 * تفريج الكروب:
أَنْ تَسْعَى فِي حَاجَتِهِ، قَالَ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ
يَوْمِ القِيَامَةِ» < أخرجه مسلم برقم 2699). والترمذي (1930) من حديث أبي
هريرة>
12 * سلامة الصدر:
أَنْ تُطَهِّرَ قَلْبَكَ لَهُ، فَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ، عَمَلًا
بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:
10].
ثَالِثًا: الجَانِبُ العَمَلِيُّ وَالمَادِيُّ
الدِّينُ لَيْسَ عِبَادَةً مَحْضَةً، بَلْ هُوَ تَكَافُلٌ مَادِيٌّ
يَقُومُ عَلَى النَّزَاهَةِ وَالمَحَبَّةِ.
13 * الرزق الحلال:
أَنْ تُحِبَّ لَهُ السَّعَةَ فِي المَالِ مِنْ طَرِيقٍ طَيِّبٍ،
قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172].
14 * النجاح المهني:
أَنْ تَفْرَحَ بِتَرَقِّيهِ وَتَمَيُّزِهِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»
< حسن : أخرجه أبو يعلى الموصلي (4386)، والطبراني في ((المعجم
الأوسط)) (897)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (4929) جميعهم بلفظه.
من حديث عائشة أم المؤمنين >
15 * البركة في الوقت:
أَنْ تَتَمَنَّى لَهُ أَنْ يُنْجِزَ فِي سَاعَةٍ مَا يَعْجَزُ عَنْهُ
غَيْرُهُ فِي أَيَّامٍ.
16 * المسكن المريح:
كَمَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ دَارًا وَاسِعَةً، تَمَنَّ لَهُ
الِاسْتِقْرَارَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي»
< أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (9908)من حديث أبي موسى الأشعري>
17 * التيسير في المعاملات:
أَنْ تُيَسِّرَ عَلَيْهِ إِذَا كُنْتَ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا،
قَالَ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا
اقْتَضَى» <أخرجه البخاري برقم 2076)من حديث جابر بن عبد الله)>.
رَابِعًا: الجَانِبُ الصِّحِّيُّ وَالبَدَنِيُّ
نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ
وَالفَرَاغُ.
18 * تمام العافية:
أَنْ تَدْعُوَ لَهُ بِالعَافِيَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ»
< أخرجه الترمذي (3514)، وأحمد (1783) باختلاف يسير
من حديثالعباس بن عبدالمطلب>
وأصله " قُلتُ يا رسولَ اللهِ: عَلِّمْني شيئًا أسأَلُهُ اللهَ
تعالى، قال: "سَلوا اللهَ العافيةَ". فمكثْتُ أيامًا، ثم جِئتُ فقُلتُ:
يا رسولَ اللهِ: عَلِّمْني شيئًا أسأَلُهُ اللهَ تعالى، قال لي: "يا عباسُ يا
عَمَّ رسولِ اللهِ، سَلوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ
".
19 * الشفاء العاجل:
إِذَا مَرِضَ، كَانَ حُبُّكَ لَهُ فِي زِيَارَتِكَ وَدُعَائِكَ،
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ
يَشْفِيَكَ» < أخرجه أبو داود (3106)، والترمذي (2083)، والنسائي في ((السنن
الكبرى)) (10887)، وأحمد (2138) باختلاف يسير. من حديث عبد الله بن عباس>
20 * حفظ الحواس:
أَنْ تَتَمَنَّى بَقَاءَ قُوَّتِهِ لِيَظَلَّ خَادِمًا لِدِينِهِ،
عَمَلًا بِدُعَائِهِ ﷺ: «وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا
وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا»
<أخرجه الترمذي رقم (3502) وقال حديث حسن غريب، والنسائي في ((السنن
الكبرى)) (10234)، والطبراني في ((الدعاء)) (1911)
وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".. من حديث عبدالله ابن
عمر>
21 * النشاط والقوة:
لِأَنَّ "المُؤْمِنَ القَوِيَّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ
مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" <أخرجه مسلم برقم 2664). من حديث ابي هريره
رضي الله عنه>
خَامِسًا: مَوَاقِفُ التَّعَامُلِ المُبَاشِرِ
مَعَهُمْ
هُنَا يَظْهَرُ المَحَكُّ الحَقِيقِيُّ لِلإِيمَانِ فِي
الِاحْتِكَاكِ اليَوْمِيِّ.
22 * النصيحة الصادقة:
أَنْ تَنْصَحَهُ لَا أَنْ تَفْضَحَهُ، قَالَ ﷺ: « إن الدينَ النصيحةُ
_ إن الدينَ النصيحةُ_ إن الدينَ النصيحةُ. قالوا : لمَن يا رسولَ اللهِ ؟ قال :
للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم.
<أخرجه النسائي (4199) واللفظ له، والترمذي (1926)، وأحمد (7954)
باختلاف يسير، من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه>
-وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي اللهُ عنه قال: قال رسول
اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا،
وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ،
وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» < ص 763، برقم 1826)>
وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه، وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يحب
هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولَّى أمور الناس لأن اللَّه قوَّاه على ذلك، وأمره
بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولَّى سياسة دينهم ودنياهم.
وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو
رضيته لم أبعه؛ وهذا إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه، وهذا كله
من جملة النصيحة لعامة المسلمين، التي هي من جملة الدين.
23 * العفو والصفح:
أَنْ تَكُونَ سَلِيمَ الصَّدْرِ تِجَاهَهُ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
[النور: 22].
24 * الغبطة لا الحسد:
تَمَنَّ بَقَاءَ النِّعْمَةِ عِنْدَهُ، قَالَ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا»
< أخرجه البخاري (6065)، ومسلم (2558)، وأبو داود (4910) من حديثي أنس بن مالك>
25 * كتمان الأسرار:
أَنْ تَكُونَ مَخْزَنَ سِرِّهِ، فَالْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ.
26 * بشاشة الوجه:
قَالَ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»
< أخرجه البزار (6096، 6097) مفرقاً، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(8342) باختلاف يسير من حديث عبد الله بن عمر>
27 * التقدير والثناء:
أَنْ تَشْكُرَهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ، قَالَ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ
النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ»< أخرجه الترمذي (1955)، وأحمد (11280) من حديث
أبي سعيد الخدري>
28 * الدفاع عن العرض:
أَنْ تَرُدَّ غِيبَتَهُ، قَالَ ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ،
رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ» < أخرجه الترمذي
برقم (1931)، وأحمد (27543) من حديث أبي الدرداء>
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي اللهُ عنه قال:
إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا! فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ
فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ، مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا،
قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ:
لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ
لِأُمَّهَاتِهِمْ»؛ قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟»
قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ:
«وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»؛ قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
«أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ،
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»؛ قَالَ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ»: قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ
فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»؛ قَالَ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ»: قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي
اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ» قَالَ:
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ
قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ
إِلَى شَيْءٍ " < قال محققوه: إسناده صحيح(36/ 440) برقم 22211)>
29 * نشر العلم:
كَمَا تَعَلَّمْتَ آيَةً أَوْ حَدِيثًا، بَلِّغْهُ لَهُ، قَالَ ﷺ:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» < أخرجه البخاري برقم 3461)، من حديث عبدالله
بن عمرو .>
قال ابن عباس رضي اللهُ عنهما: «إني لأَمُرُّ على الآية من كتاب
اللَّه، فأَوَدُّ أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم».
وقال الشافعي رحمه الله: «وددت أن الناس تعلَّموا هذا العلم، ولم
يُنسَب إليَّ منه شيء».
قال ابن رجب: وينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا
أُمر أن ينظر في الدين إلى من فوقه، وأن يتنافس في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال
تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون (26)} [المطففين]؛ ولا
يكره أن أحدًا يشاركه في ذلك، بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه، ويحثهم على ذلك،
وهذا من تمام أداء النصيحة للإخوان؛ فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية، اجتهد على
لحاقه، وحزن على تقصير نفسه وتخلفه عن لحاق السابقين: لا حسدًا لهم على ما آتاهم
اللَّه، بل منافسة لهم وغبطة وحزنًا على النفس، لتقصيرها وتخلفها عن درجات
السابقين؛ وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية مستفيدًا
بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها، والنظر إلى نفسه بعين
النقص؛ وينشأ من هذا: أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه، لأنه لا يرضى لهم أن
يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه، بل هو يجتهد في إصلاحها.<جامع
العلوم والحكم، ص 148 - 149. >
30 * الأمان من الأذى:
أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ، قَالَ ﷺ:
«المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» < أخرجه أحمد
(24013)، والبزار (3752)، والطبراني (18/309) (796) باختلاف يسير من حديث فضالة بن
عبيد>
الثمار والجزاء .
الحصاد المبارك
( آثار محبة الخير للناس في الدارين).
- روى الإمام أحمد في مسنده من حديث يزيد ابن أسد القسري رضي اللهُ عنه
قال: قال لي رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ؟ » قلت:
نعم، قال: «فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ» < (27/ 216) ، برقم
16655، وقال محققوه: حديث حسن.>
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللهُ
عنهما: عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ
عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فلتاته مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَاتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ
يُؤْتَى إِلَيْهِ» < ص 770، جزء من حديث رقم 1844>.
الخَاتِمَةُ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ، إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ
العَنَاصِرَ الثَّلَاثِينَ عَلِمَ أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ دَعْوَى، بَلْ هُوَ
البَقَاءِ فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ حُبًّا وَطَاعَةً.
الدعاء
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ طَابَتْ سَرَائِرُهُمْ،
وَصَفَتْ لِلإِخْوَانِ ضَمَائِرُهُمْ.
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى
نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.