recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة قيمة الوقت فى حياة الإنسان لفضيلة الشيخ / ياسر عبدالبديع

قيمة الوقت في حياة الإنسان


  أهمية الوقت

  العمر كله لله

  كيفية اغتنام الأوقات ؟

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمَلْءَ مَابَيْنَهُمَا وَمُلْءَ مَاشِئْتَ يَارِبُ مِنْ شَئٍّ بَعْدَ أَهْلِ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَاقَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَامُعْطَى لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ

سَبْحَانُكَ اللَّهُمَّ خَيْرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمْتَ بِالْقَلَمِ الْقُرُونَ الْأُولَى أَخْرَجْتَ هَذَا الْعَقْلَ مِنْ ظُلُمَاتِهِ وَهَدَيَتَهُ النُّورَ الْمُبِينَ سَبِيلًا وَأَرْسَلْتَ بِالتَّوْرَاةِ مُوسَى مُرْشِدًا وَابْنَ الْبَتُولِ فَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَا وَفَجَرَتْ يَنْبُوعَ الْبَيَانِ مُحَمَّدًا فَسَقَى الْحَدِيثَ وَنَاوَلَ التَّنْزِيلَا

وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَمُصْطَفَانَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا أُوصِيكُمْ وَنَفْسَى بِتَقْوَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أُحَدِّثُكُمْ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ تَحْتَ عُنْوَانِ

  قيمة الوقت فى حياة الإنسان

العُنْصُرُ الْأَوَّل : أَهَمِّيَّة الْوَقْتِ

مِنْ أَهَمِّ مَا مُنِحَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ مِنْ نِعْمَةٍ الْجَلِيلَة وَالْايَة الْعَظِيمَةِ وَمَا مِنْ عِلْيَةِ مِنْ الْمِنَنِ اللَّامحدُودَة "الْوَقْتِ"، وَلَا رَيْبَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ الْوَقْتُ مَنَحَه رَبَّانِيَّة عَظِيمَةً لَا يُعْرَفُ قِيمَتُهُ إلَّا الرِّجَالُ الْكَادِحَون وَالرِّجَالُ الصَّالِحُون الَّذِينَ يَجِدُونَ وَيَجْتَهِدُون، وَيَقْضُون لَيَالِيهمْ وَنَهَارِهِمْ فِي الْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ جَلِيلَة؛ لِذَا يَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوَقْتِ، وَمِنْ يُحَافِظُ عَلَى أَوْقَاتِه وَيُغْتَنَم الْفُرَص الْمُتَاحَة وَيَشْغَل فِيهَا نَفْسَهُ بِأُمُور جَدَّيْه يَكْسِب مَجْدًا رَفِيعًا فِي الْفَانِيَةِ، وَيَنَال دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ فِي الْبَاقِيَةِ، وَالْإِسْلَام بِصِفَتِه دَيْنًا عَالَمِيًّا يَحُثُّ عَلَى اسْتِغْلَالِ الْفُرَص وَاسْتِثْمَار الْأَوْقَات، وَيُحَذِّرُ مِنْ ضَيَاعِهَا، وَمِنْ هُنَا تَتَبَيَّن أَهَمِّيَّة الْوَقْتِ فِي هَذَا الدَّيْنِ الْمَتِينِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، وَهُنَاك ايَاتٍ كَثِيرَةٍ تَتَّضِح مِنْهَا أَهَمِّيَّة الْوَقْتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا قَدْ أَقْسَمَ بِالْوَقْت، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُقْسَمْ بِذَلِكَ إلَّا لِكَيْ نُدْرِك أَهَمِّيَّة الْوَقْت وَنَعْرِف قِيمَتِهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿  {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}  ﴾ [الْفَجْرِ: 1 - 4]، وَقَالَ: ﴿  {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}  ﴾ [الضُّحَى: 1، 2]، وَقَالَ: ﴿  {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}  ﴾ [التَّكْوِير: 17، 18]، وَقَال: ﴿  {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}  ﴾ [اللَّيْلِ: 1، 2].   وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَهَمِّيَّة الْوَقْتِ، وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» » وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ خَاسِرُونَ؛ حَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْن، وَهُمَا: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ، فَهُمْ يُضَيِّعُون أَوْقَاتِهِمْ أَيَّام صِحَّتِهِمْ، وَيُضَيِّعُون وَقْت فَرَاغِهِمْ، فَلَا هُمْ اسْتَفَادُوا مِنْهُ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، وَهُوَ الْأَهَمُّ، وَلَا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ؛ يَقُول عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنِّي لِأُمٍّقت الرَّجُلُ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا؛ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلَا عَمَلَ الْاخِرَةِ

وَحَثّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اغْتِنَامِ الْفُرَص وَاسْتِثْمَار الْأَوْقَاتِ فِي حَدِيثِ لَهُ اخَرُ قَائِلًا: « «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسَ: شَبَابـك قَبْل ةـرُمْك، وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِكَ، وغـنَاك قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِك، وَحّـيَأْتِك قَبْلَ مَوْتِك» » وَهُنَاك ايَاتٍ وَأَحَادِيثَ أُخْرَى كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْوَقْت.   وَنِظَام جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ فِي الْإِسْلَامِ لَهُ عَلَاقَةٌ قَوِيَّة بِالْوَقْت؛ إذْ لَا أَهَمِّيَّةَ لَهَا إلَّا فِي أَوْقَاتِهَا، فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لَهَا أَوْقَاتِهَا الْمُحَدَّدَة، وَالْحَجُّ لَهُ وَقْتُهُ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ لَهُ وَقْتُهُ، وَالزَّكَاة لَهَا وَقْتِهَا، كُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ تَذْكُرَ الْإِنْسَانَ مَا لِلْوَقْتِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ عَظِيمَةٌ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ الْأَعْمَار الَّتِي نَقْضِيهَا إنَّمَا هِيَ أَوْقَات مَنَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى؛ أَذِنَ فَلَا بُدَّ لَنَا إلَّا نَغْفُلُ عَنْ طَاعَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا نُضِيعُ أَوْقَاتِنَا فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَرْضَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِنْ الْعَبْدُ حِينَمَا يَقُومَ إمَامٌ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ عَمْرَةَ هَذَا، وَعَنْ مِنْحَتِه الْعَظِيمَة هَذِهِ كَمَا وَرَدَ عَنْ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عـن عُمْرِهِ فِيمَا أُفّـنَاه، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» »  وَنَظَرًا لِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّة الْبَالِغَة لِلْوَقْت وَنَفْعُه فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ قَدْ اسْتَغَلَّهُ سَلَفُنَا الصَّالِحُ وَاسْتِثْمَروه وَنَظَمُوا حَيَاتِهِمْ تَنْظِيمًا يَكُونُ سَبَبًا لِرِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَكَانُوا يَقْدِرُون الْوَقْت وَيَهْتَمُّون بِهِ اهْتِمَامًا بَالِغًا، وَلَا يَدَّعُونَ فُرْصَة تَضِيعُ مِنْ حَيَاتِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَعْمَالَ وَالسَّاعَاتِ الَّتِي تَنْقَضِي بِلَا طَائِلٍ بِدُون الِاشْتِغَالَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ أَنَّهَا تَعُودُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا يَقْضُونَه بِتَوْفِيقِهِ إيَّاهُمْ فِي طَاعَتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَقْتُ مُبَارَك، كَمَا يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَقْتَ الْإِنْسَانَ هُوَ عُمْرَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مَادَّةُ حَيَاتِه الْأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَمَادَّة مَعِيشَتِه الضَّنَك فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَهُوَ يَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَمَنْ كَانَ وَقْتُهُ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ فَهُو حَيَاتِه وَعُمْرَة، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ مَحْسُوبًا مِنْ حَيَاتِهِ... فَإِذَا قَطَعَ وَقْتِهِ فِي الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ وَالْأَمَانِي الْبَاطِلَة وَكَانَ خَيْرَ مَا قَطَعَ بِهِ النَّوْمُ وَالْبَطَالَة، فَمَوْت هَذَا خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ» وَيَرَى يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَنَّ: «إضَاعَةَ الْوَقْتِ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ إضَاعَةَ الْوَقْت انْقِطَاعٍ عَنْ الْحَقِّ، وَالْمَوْت انْقِطَاعٍ عَنْ الْخَلْق»

وَالْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَانَ يَذْكُرُ أَهَمِّيَّة الْوَقْت، وَيَرَى أَنَّ الْوَقْتَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ إذْنٍ فَلَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَكُونَ احْرِصْ عَلَى اسْتِغْلَالِ الْوَقْت وَاغْتِنَام الْفُرَص مِنْ ادِّخَارِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَيَقُول: «أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانُوا عَلَى أَوْقَاتِهِمْ أَشَدَّ مِنْكُمْ حِرْصًا عَلَى دَرَاهِمَكُمْ وَدَنَانِيركم» وَقَالَ: «يَا بْنَ ادَمَ، إنَّمَا أَنْتَ أَيَّام مَجْمُوعِه، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمَ ذَهَب بَعْضُك» وَقَالَ وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى اغْتِنَامِ الْوَقْت: «الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ: أَمَّا الْأَمْس فَقَدْ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا غَدًا فَلَعَلَّك لَا تُدْرِكُهُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَك، فَاعْمَلْ فِيهِ» وَلِذَا قِيلَ: الْوَقْتُ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ، وَقِيلَ: الْوَقْت هُوَ الْحَيَاةُ فَلَا تَقْتُلُوهُ.   وَلَكِنْ مَعَ الْأَسَف الشَّدِيد حِينَمَا نَرَى أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَأَحْوَال الشَّبَاب خَاصَّةً مِنْهُمْ، وَأَحْوَالَ إِخْوَانِنَا الطَّلَبَة بِالْأَخَصّ نَجِد أَنَّهُمْ يَهْدِرون أَوْقَاتِهِمْ بِلَا طَائِلٍ، يَقْضُون نَهَارَهُمْ وَلَيَالِيهِمْ مُتَفَرِّجِينَ عَلَى الْمُسَلْسَلات وَالأَفْلَام، وَيَقْعُدُون فِي الْمَقَاهِي يَتَفَرَّجُون عَلَى الْمُبَارَيَات، وَأَعْظَم الْبَلَايَا فِي زَمَانِنَا الَّتِي قَتَلَتْ وَقْتِنَا هِي الْجُوَالِات وَالْهَوَاتِفِ النَّقَّالِه، فَشِبْابِنَا الْيَوْمَ يَقْضُون أَوْقَاتِهِمْ بَلْ يَسْهَرُون طُولِ اللَّيَالِي وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْأَفْلَام وَالْمَشَاهِد الْخَلِيعَة عَلَى الْإِنْتَرْنِت، أَوْ يَدْرِدِشُون مَعَ أَصْحَابِهِمْ وَأَصْدِقَائِهِمْ، أَوْ يَبْذُلُونَ ثَرْوَتهم الْقِيمَةُ هَذِهِ عَلَى الْمَوَاقِعِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ الأُخْرَى مِثْلَ: الْفِيس بِوَك وَالتَّوَىتر وَإِلَّواتساب وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَأَصْبَحَ إخْوَانِنَا الطَّلَبَةِ لَا يَهْتَمُّونَ بِأَوْقَاتِهُمْ وَلَا يَدْرُسُون وَلَا يُطَالِعُون رَغْمَ أَنَّ لَدَيْهِمْ نَمَاذِجَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْوَقْتَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَفِي طَاعَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَتِلَاوَةِ الْقُرْانِ، وَقِرَاءَةُ الْكُتُبِ، وَالأَذْكِيَاء مِنْ الطَّلَبَةِ حِينَمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَعْدَاد بَحْثٍ عِلْمِيٍّ حَوْل مَوْضُوعَ مَا، فَيَفْتَحُون الْإنْتَرْنِت وَيَبْحَثُونَ عَنِ مَقَال حَوْلَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا الْغَثِّ وَالسَّمِينِ، وَيُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَوَاقِع الْمَوْثُوقِ بِهَا وَالمَوَاقِع الَّتِي أَنْشَأَهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ بِاسْم نَشْر كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ لَبِث أَفْكَارِهِمْ اللَّادِينِيَّة وَلِلْنيل مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاء الطُّلَّاب هَوَاه الْإنْتَرْنِت يَنْقُلُون جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُونَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ، وَيَسْرِقُون مِنْ هُنَاكَ ثُمَّ يُقَدِّمُونَهَا كَأَنَّهَا إِنْتَاجِهِمْ، وَهَذَا أَيْضًا سَبَبٌ الِانْحِطَاط الْعِلْمِيِّ فِي عَصْرِنَا هَذَا.

وَإِذَا كُنْت مُتَيَقَّنًا أَنَّ الْحَيَاةَ كُلِّهَا كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنَّك تَغْمُض عَيْنَك فَتَفْتَحُهُا وَإِذَا الْعُمُرِ قَدِ فَات، فَلِمَاذَا لَا تَغْتَنِم وَقْتُك؟! وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُشْرِكِين: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الْمُؤْمِنُون:112-113] لَعَلَّه أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ، أَوْ جُزْءٍ مِنْ يَوْمِ، بُكْرَةً أَوْ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا .. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ  [الْمُؤْمِنُون:113] أَسْأَل أَهْلِ الْحِسَابِ، أَسْأَل الَّذِينَ كَانُوا يَعُدُّونَ الْأَيَّامِ .. قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [الْمُؤْمِنُون:114-115] أَتَحْسَبُ أَنَّ الْوَقْتَ -الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ- وَأَعْطَاك اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ، أَتَحْسِب أَنَّهُ عَبَثٌ؟ أَتَظُنّ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَسْأَلَكَ عَنْه؟ أَتَظُنُّ أَنَّكَ سَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، عَلَى الْأَقَلِّ أَنَا مَا فَعَلْت مُنْكَرَات؟! بَلْ إنَّك سَوْف تُحَاسَب؛ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ  [التَّكَاثُر:8] وَإِذَا كُنْت لَا تَشْعُرُ أَنَّهَا نِعْمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَمَنَّى قِرَاءَةَ الْمُصْحَفِ فَلَا يَجِدُ وَقْتًا، يَذْهَبُ إلَى الْعَمَلِ مُنْذ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْبَيْتِ فَيَأْكُل لُقْمَةً، ثُمَّ تَغْلِبُهُ عَيْنَاهُ فَيَنَام، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فِي الْفَجْرِ لِيَذْهَبَ إلَى الْعَمَلِ وَيَكْدَح وَيُتْعِب حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ، وَهَكَذَا ... طُولُ حَيَاتِهِ، لَا إجَازَةُ وَلَا رَاحَةَ، وَأَنْتَ الْانَ مُتْرَف مُنْعَم بِهَذَا الْوَقْتِ، يَأْتِيك الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَال، وَتَنَامُ فِي بَيْتِ بَارِد هَنِيء مُرِيح، وَعِنْدَك الْكُتُبِ مَا تَشَاءُ مِنْهَا، بَلْ عِنْدَك الْمَشَايِخِ،  ثُمَّ بَعْدَ هَذَا تَتَكَاسَل! وَتَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَسْأَلَكَ عَنِ هَذَا!!

العُنْصُرُ الثَّانِي : الْعُمْرِ كُلِّهِ لِلَّهِ

قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ إنْ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الْأَنْعَام: 162، 163].

مَوْقُفان لِلْعَبْد:

أَخِي الْمُسْلِمَ الْكَرِيمِ، أَنَّ مَنْ جَهِلَ قِيمَةَ الْوَقْتِ الْانَ فَسَيَأْتِي عَلَيْهِ حِينَ يَعْرِفُ فِيهِ قُدْرَةٌ، وَقِيمَةُ الْعَمَلِ فِيهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَفِي هَذَا يُذْكَرُ الْقُرْان مَوْقِفَيْن لِلْإِنْسَان يَنْدَم فِيهِمَا عَلَى ضَيَاعِ وَقْتِهِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَم.

الْمَوْقِف الْأَوَّل:

سَاعَة الِاحْتِضَار، حِين يَسْتَدْبِر الْإِنْسَانُ الدُّنْيَا وَيَسْتَقْبِل الْاخِرَة، وَيَتَمَنَّى لَوْ مَنَحَ مُهْلَةٍ مِنْ الزَّمَنِ؛ لِيَصْلُحَ مَا أَفْسَدَ، وَيَتَدَارَكُ مَا فَاتَ، وَفِي هَذَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ يَأْتِىَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الْمُنَافِقُون: 10، 11].

وَهَكَذَا يَتَمَنَّى الإِنْسَانُ لَحَظَات قَلِيلَةٌ مِنْ الْوَقْتِ، يَتَزَوَّدُ فِيهَا بِالْقَلِيلِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْت مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ أَيْضًا: ﴿ حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدُهُمْ الْمَوْتِ قَالَ رَبُّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكَتْ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الْمُؤْمِنُون: 99، 100].

هَكَذَا تَكُونُ أُمْنِيَةِ أَهْلِ الْمَعَاصِي سَاعَة الِاحْتِضَار.

الْمَوْقِف الثَّانِي:

حَيْثُ تُوُفِّيَ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ الطَّاعَةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ الْمَعْصِيَة النَّار، هُنَاك يَتَمَنَّى أَهْلُ النَّارِ لَوْ يَعُودُون مَرَّةً أُخْرَى إلَى حَيَاةِ التَّكْلِيف؛ لِيَبِدووا مِنْ جَدِيدٍ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ لَا فَائِدَةَ مِمَّا يَطْلُبُون؛ فَقَدْ انْتَهَى زَمَنُ الْعَمَلِ، وَجَاء زَمَن الْجَزَاءُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارٌ جَهَنَّمَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلّ كَفُور * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرِ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مِنْ تَذَكُّرِ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ [فَاطِر: 36، 37].

وَهَكَذَا انْقَطَعَتْ حِجَج أَهْلِ النَّارِ بِهَذَا السُّؤَالِ التَّقْرِيعي؛

وَهَكَذَا يَكُونُ مَصِير الَّذِينَ أَضَاعُوا أَعْمَارَهُمْ فِي الْكُفْرِ، وَفَسَادُ الْعَقِيدَة، وَالْأَعْمَال الْفَاسِدَة.

لِكُلِّ وَقْتٍ عَمَلِهِ:

لَقَدْ جَاءَتْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لِتُؤَكِّد قِيمَةَ الْوَقْتِ، وَإِنْ لِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتًا مُعَيَّنًا لَا يُقْبَلُ إلَّا فِيهِ، وَهُنَاكَ الْعَدِيدِ مِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ، نَذْكُرُ مِنْهَا - عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ - مَا يَلِي:

 الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة:

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: ﴿ إنْ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النِّسَاءَ: 103].

أَنْ لِكُلٍّ صَلَاةُ مَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقْتًا لَا تُقْبَلُ إلَّا فِيهِ، إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ؛ كَالْمَرَضِ، وَالسَّفَرِ، وَالنَّوْم، وَالنِّسْيَانِ؛ فَإِنْ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَهَا أَحْكَامُ خَاصَّة.

 صَوْم الْفَرِيضَةِ:

إنْ الصَّوْمُ هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يُقْبَلُ صَوْمُ الْفَرِيضَةِ إلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ ﴾ [الْبَقَرَةُ: 185].

وَهَكَذَا حَدَّدَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ صَوْمِ الْفَرِيضَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَك.

وَقْت الصَّوْمِ:

قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ ﴾ [الْبَقَرَة: 187].

 الْحَجِّ:

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَدَّدًا وَقْتِ الْحَجِّ: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [الْبَقَرَة: 197].

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ هِيَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

الْوَقْتِ فِي السُّنَّة:

لَقَدْ اهْتَمَّتْ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ بِبَيَانِ قِيمَةِ الْوَقْت وَأَهِمِّيَّتِه؛ تَأْكِيدًا لِمَا جَاءَ فِي الْقُرْانِ الْكَرِيمِ، وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَتَحَدَّثُ عَنْ الْوَقْتِ وَمَكَانَتَهُ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ رَأْسِ مَالِ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

 رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ))؛ (الْبُخَارِىّ).

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِه بِالْمَعَاش، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُون، وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةٌ الْاخِرَة، وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحِهَا فِي الْاخِرَةِ؛ فَمَنْ اسْتَعْمَلَ فَرَاغِه وَصِحَّتُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُوط، وَمَنْ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُون؛ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُه الشُّغْل، وَالصِّحَّة يَعْقُبُهَا السَّقَم؛

 رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ عَمْرَةَ؛ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ؛ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ؛ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ؛ فِيمَ أَبْلَاهُ؟))؛ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ) (صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ).

 رُوِيَ الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسَ: شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِك، وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِك، وَحَيَاتَك قَبْلَ مَوْتِك))؛ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ)

 رُوِيَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَعْذَرَ اللَّهُ إلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَهُ سِتِّينَ سَنَةً))؛ (الْبُخَارِىّ).

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): الْأَعْذَار: إزَالَةِ الْعُذْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِذَار؛ كَانَ يَقُولُ: لَوْ مَدَّ لِي فِي الْأَجَلِ، لَفَعَلْت مَا أُمِرْت بِهِ، يُقَالُ: أَعْذَرَ إلَيْهِ، إذَا بَلَغَهُ أَقْصَى الْغَايَةِ فِي الْعُذْرِ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا بِالْعُمْر الَّذِي حَصَلَ لَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالطَّاعَة وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْاخِرَةِ بِالْكُلِّيَّة، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لِلْعَبْد سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إلَّا بَعْدَ حُجَّة؛

 رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ))؛ (حَدِيثُ حَسَنٌ) (صَحِيحٌ التِّرْمِذِيّ).

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَسْنَانَ أَرْبَعَةُ: سُنّ الطُّفُولَة، ثُمّ الشَّبَابِ، ثُمَّ الْكُهُولَة، ثُمّ الشَّيْخُوخَةِ، وَهِيَ اخِرُ الْأَسْنَانِ، وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّة بِالنَّقْص وَالِانْحِطَاط، فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالِ عَلَى الْاخِرَةِ بِالْكُلِّيَّة؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنْ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ

 رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ))؛ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ) (مُسْنَدِ أَحْمَدَ).

وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، قَدْ تَابَ فِي اخِرِ لَحَظَاتِ عُمْرِهِ تَوْبَةً نَصُوحًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَقَبِلَ اللَّهُ هَذِهِ التَّوْبَةُ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا سَلَفَ، وَكَانَتْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الْقَصِيرَة سَبَبًا لِدُخُولِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَنَّة؛ (الْبُخَارِيُّ و مُسْلِمٍ).

التَّحْذِيرِ مِنْ سَبِّ الْوَقْت:

رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِى ابْنُ ادَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))؛ (الْبُخَارِيُّ و مُسْلِمٍ ).

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ) كَانَتْ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا إذَا أَصَابَهُمْ شِدَّةٍ أَوْ بَلَاءٍ أَوْ نَكَّبَهُ، قَالُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَيُسْنِدُون تِلْكَ الْأَفْعَالِ إلَى الدَّهْرِ، وَيَسُبُّونَه، وَإِنَّمَا فَاعِلِهَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَكَأَنَّمَا سَبُّوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَلِهَذَا نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعْنُونَه وَيُسْنِدُون إلَيْهِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ؛

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ (رَحِمَهُ اللَّهُ): سَابّ الدَّهْر دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ أَمَّا سَبَّه لِلَّهِ، أَوْ الشِّرْكِ بِهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الدَّهْرَ فَاعِلٍ مَعَ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَسُبُّ مَنْ فَعَلَهُ، فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ؛ (زَادِ الْمَعَادِ لِابْنِ الْقَيِّمِ )

فَإِنْ عَمَّرَ الْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ هُوَ السِّنِينَ الَّتِي يَقْضِيهَا مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ إلَى يَوْمِ الْوَفَاةِ، إنَّمَا عُمْرَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِقَدْرِ مَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِه عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ الصَّالِحَاتِ وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَمُوتُ شَابًّا وَلَكِنْ رَصِيدَه مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ حَافِل وَجَلِيل، وَيَنْفَع اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَبِقَدْرِ مَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِ مِنْ فَائِدَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِقَدْرِ مَا يَكُونُ ذَلِكَ امْتِدَادًا لِعَمَلِه.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ أَنَا نَحْنُ نَحَّى المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدِمُوا وَاثَارَهُمْ ﴾ [يَس: 12].

قَالَ سَعِيدٌ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا سَنُّوا مِنْ سَنَةٍ، فَعَمِلَ بِهَا قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا))؛ (مُسْلِم).

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي (فُقِدَتْ رَاحِلَتِي)؛ فَاحْمِلْنِى، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَدِلَّةٌ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ))؛ (مُسْلِم).

وَهَكَذَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ - الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ التَّوْفِيقَ فِي إنْفَاقِ وَقْتِهِ فِي الْخَيْرِ - أَنْ يُطِيلَ عُمْرَة، وَيَمُدّ حَيَاتِهِ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَحْيَا وَهُوَ مَيِّتٌ، وَيُؤَدِّي رِسَالَتِهِ وَهُوَ مَقْبُور.

أَنَّ الذَّكَرَ الْحَسَنِ الَّذِي يَتْرُكُهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ مَوْتِهِ يُعْتَبَرُ عَمْرًا ثَانِيًا لَهُ.

يَقُولُ الشَّاعِرُ أَحْمَد شَوْقِي:

دَقَّات قَلْبُ الْمَرْءِ قَائِلُه لَهُ

أَنْ الْحَيَاة دَقَائِق وَثَوْان

فَارْفَعْ لِنَفْسِك بَعْدَ مَوْتِك ذَكَرَهَا

فَالذَّكَر لِلْإِنْسَان عُمَر ثَان

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ اثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ اثَامِهِمْ شَيْئًا))؛ (مُسْلِم).

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي (فُقِدَتْ دَابَّتِي)؛ فَاحْمِلْنِى، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَدِلَّةٌ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ))؛ (مُسْلِم).

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ سَنِّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))؛ (مُسْلِم).

الْعُمْر الْحَقِيقِيّ لِلْإِنْسَانِ:

أَنْ الْإِنْسَانُ بِفِطْرَتِهِ يُحِبُّ أَنْ يَطُولَ عُمْرُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بَلْ يُحِبُّ الْخُلُودِ فِيهَا لَوْ اسْتَطَاعَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ دَخَلَ إبْلِيسَ إلَى ادَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا ادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةٍ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾ [طَه: 120].

وَمَنْ تَدَبَّرَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَجِدْ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْحَنِيف يُعْتَبَرُ طُولُ الْعُمُرِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَذَلِكَ إذَا اسْتَخْدَمَ الْمُسْلِم الْوَاعِي طُولَ عُمْرِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْقِيَام بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهَذَا نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْشِدُك إلَى مَا يُطِيل الْعَمَل، وَيَرْفَع دَرَجَات الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ ﴿ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إلَّا مِنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشُّعَرَاء: 88، 89].

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ؛ إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عَلِمَ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))؛ (مُسْلِمٌ ).

وَهَذِه كُتُبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ أَيْدِينَا نُنْهَل مِنْهَا الْخَيْرُ الْكَثِيرُ وَهِيَ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ.

العُنْصُرُ الثَّالِثِ : كَيْفِيَّةَ اغْتِنَام الْأَوْقَات

يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْوَاعِي أَنْ يُنَظِّمَ وَقْتِه بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْأَعْمَال الْمُخْتَلِفَة، دِينِيَّةً كَانَتْ أَوْ دُنْيَوِيَّةً؛ حَتَّى لَا يَطْغَى بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَطْغَى غَيْر الْمُهِمِّ عَلَى الْمُهِمِّ، فَمَا كَانَ مَطْلُوبًا بِصِفَة عَاجِلَة يَجِبُ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ، وَأَحْوَج النَّاسِ إلَى تَقْسِيمِ الْوَقْت وَتَنْظِيمِة هُمْ الْمَشْغُولون مِنْ أَصْحَابِ المَسْؤُولِيَّات؛ كَوَلَاه الْأُمُورِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِصَلَاحِ أَحْوَالِ الْعِبَادِ وَالْبِلَاد؛

الْأَبْنَاء وَالْفَرَاغُ:

مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يُوجَدُ الْكَثِيرِ مِنْ طَلَبِهِ الْمَدَارِس يَقْضُون إجَازَة صَيْفِيَّة طَوِيلَة، فَهَلْ تَسَاءَل الْابَاء: كَيْفَ يُقْضَى الْأَبْنَاء هَذَا الْوَقْتِ الطَّوِيلَ بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْع فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؟ وَنَسْأَل سُؤَالًا هَامًا أَيْضًا: كَيْفَ تَقْضِي النِّسَاء أَوْقَات فَرَاغِهِنّ فِي الْبُيُوتِ؟؛

أَنْ مَنْ حَسُنَ التَّرْبِيَة أَنْ يَعْتَادَ الْأَبْنَاء مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِمَا هُوَ مُفِيدٌ؛ حَتَّى يَتَعَوَّدُوا عَلَى ذَلِكَ.

قَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِالْمِلْك بْن مَرْوَان: كُنَّا مَعَ أَبِينَا فِي مَوْكِبِهِ، فَقَالَ: سَبَّحُوا حَتَّى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَنَسِبح حَتَّى نَأْتِيَهَا، فَإِذَا رَفَعْتَ لَنَا شَجَرَةٌ أُخْرَى، قَالَ: كَبَّرُوا حَتَّى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَكَانَ يَصْنَعُ بِنَا ذَلِكَ؛

وَمِنْ أَجْمَل مِائَستثمر بِهِ الْوَقْتُ

التَّفَقُّهُ فِي الدَّيْنِ وَحَفِظَ الْقُرْانَ الْكَرِيم:

يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَثْمِر وَقْتِه بِطَلَب الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَقْضِيه فِي طَلَبِ الْعِلْمِ يَكُونُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طَه: 114]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزُّمَر: 9].

وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ امَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الْمُجَادَلَة: 11].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدَّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التَّوْبَةِ: 122].

وَقَدْ حَثَّنَا نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الدَّيْنِ.

رُوِيَ الشَّيْخَانِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ يُرَدُّ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدَّيْنِ))؛ (الْبُخَارِيُّ  و مُسْلِمٍ).

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتِ مَنْ بُيُوتِ اللَّهِ؛ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ - إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمِنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))؛ (مُسَلَّمٍ )

وَيَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْفِقْهَ فِي الدَّيْنِ يَبْدَأ بِحِفْظِ الْقُرْانِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى تِلَاوَتِهِ، وَمَعْرِفَة أَحْكَام التِّلَاوَةُ الصَّحِيحَةُ، كَمَا هُوَ دَأْبُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِح.

رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْانَ وَعَلَّمَهُ))؛ (الْبُخَارِىّ )

 الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعُ:

أَنْ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَجَال خِصْب لِاسْتِثْمَار الْوَقْتِ؛ فَهِيَ وَظِيفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُمْ خَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ سُفَرَاء اللَّهُ إلَى خَلْقَهُ.

أَنْ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ هِيَ وَظِيفَةُ خُلَفَاءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الصَّادِقِين، وَهِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِيمَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ فِي هِدَايَةِ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فُصِّلَتْ: 33].

وَقَدْ أُمِرْنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَوْحِيدِه وَطَاعَتِه بِالْحِكْمَة، وَالْعِلْم الصَّحِيح النَّافِعِ، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنْ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النَّحْل: 125].

وَلَقَدْ حَثَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَة، وَمِنْهَا:

رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يَبْلُغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ))؛ (حَدِيث صَحِيحٌ)

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ: إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عَلِمَ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))؛ (مُسْلِمٌ حَدِيثٍ 1631).

رُوِيَ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ ايَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))؛ (الْبُخَارِيَّ )

 رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: ((وَاَللَّهُ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنَّ يَكُونَ لَك حُمُرُ النَّعَمِ))؛ (مُتَّفَق عَلَيْهِ )

 عِمَارَةٌ الْمَسَاجِدِ وَذَكَرَ اللَّهُ:

أَنَّ عُمَارَةَ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَمُدَارَسَة حَلَقَات الْعِلْمُ النَّافِعُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ، الَّتِي تَرْفَعُ شَأْن صَاحِبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، بَابِ عَظِيمٍ لِلْمُسْلِم الْوَاعِي لِاسْتِثْمَار وَقْتِه؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مِنْ أَمْنِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهُ فَعَسَى أُولَئِكَ إنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التَّوْبَةِ: 18].

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّالِحِ: إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يُعَمِّرْ الْمَسْجِدَ، فَحَسِّنُوا الظَّنّ بِهِ؛

وَعِمَارَةَ الْمَسَاجِدِ تَشْمَلُ أَيْضًا بِنَاءَهَا وَتَعَاهَدَهَا بِالنَّظَافَة، وَتَوْفِير الْمَاء لِلْمُصَلِّين، وَإِعْدَاد الْفُرُش، وَرَفَع الْأَذَانِ فِي وَقْتِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.

أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوْسَعَ الْأَبْوَاب لِاسْتِثْمَار الْمُسْلِم لِوَقْتِه، وَلَقَدْ أَرْشِدْنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ إلَى ضَرُورَةٍ اسْتِثْمَار الْوَقْتِ فِي ذِكْرِهِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ لِيَخْرِجُكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأَحْزَاب: 41 - 43].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تُكَفِّرُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 152].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّك فِي نَفْسِك تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْاصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 205].

وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ أَيْضًا: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الْجُمُعَة: 10].

وَلَقَدْ حَثَّنَا الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْوَقْتِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أَحَادِيث، نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:

رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بِشِبْر تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))؛ (الْبُخَارِيُّ و مُسْلِمٍ ).

رُوِيَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إلَى حَاجَتِكُمْ، قَال: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا))؛ (الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ 6408 / مُسْلِمٍ حَدِيث 2689).

 قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِين:

يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَثْمِر وَقْتِهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 215].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الْحَجّ: 77].

رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إلَّا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَمِنْ أَنَّ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟!)) قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!، قَالَ: ((ذَكَرَ اللَّهُ))؛ (حَدِيثُ صَحِيحٌ)

رُوِيَ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ نَفْسِ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))؛ (مُسْلِم حَدِيث 2669).

وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْفَعَ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ.

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ مِنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ [النِّسَاءِ: 85].

رُوِيَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ، قَالَ: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ))؛ (مُتَّفَقٌ عَلَيْه )

وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ قَضَاء حَاجَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الْحُجُرَات: 10].

وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الْأَنْفَال: 1].

رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إلَّا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟!))، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ))؛ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ) (صَحِيحِ أَبِي دَاوُد لِلْإِلْبَانِيّ حَدِيث 4111).

 مُمَارَسَةِ الرِّيَّاضَةِ الْمُفِيدَة:

يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْتَثْمِر بَعْضًا مِنْ وَقْتِهِ فِي مُمَارَسَةِ الرِّيَّاضَةِ الْمُفِيدَة بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالنَّفْعِ، وَيُسَاعِدُه عَلَى بِنَاء جِسْم قَوِيّ، وَيَرُوح عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ مَعَ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّيَاضَةِ الَّتِي يُمَارِسُهَا الْمُسْلِمُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ الْحَنِيف، وَلَا تُجْبَرُ الْمُسْلِمِ عَلَى كَشْفِ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهِ، وَإِلَّا تَضِيع أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْجَمَاعَةِ الْأُولَى فِي الْمَسَاجِدِ.

رُوِيَ الشَّيْخَانِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ لِمُوسَى: فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةً، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ، قُلْتُ: فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ، أَوْ نَحْوِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا؛ (الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ 2870 / مُسْلِمٍ حَدِيثٍ 1870).

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ): فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُسَابَقَة، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَبَثِ، بَلْ مِنْ الرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فِي الْغَزْوِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبَاب وَالْإِبَاحَة، بِحَسَب الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ؛

رُوِيَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ، فَسَبَقَه، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((حَقُّ عَلَى اللَّهِ إلَّا يَرْفَعَ شَيْءٌ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ))؛ (حَدِيثُ صَحِيحِ) (صَحِيح النَّسَائِيّ لِلْإِلْبَانِيّ حَدِيثٍ 3359).

رُوِيَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلَتْ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ))؛ (حَدِيثٌ صَحِيحٌ) (صَحِيحِ أَبِي دَاوُد لِلْإِلْبَانِيّ حَدِيثُ 2248).

وَمَنْ افَات ضَيَاع الْوَقْت:

لَقَدْ ذُكِرَ أَهْلُ الْعِلْمِ افَاتٌ كَثِيرَةٌ تَضِيعُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَقْتِه، وَتَأْكُل عُمْرَةٍ، إذَا لَمْ يَنْتَبِهْ لِخَطَرِهَا، وَمِنْ هَذِهِ الْافَاتِ مَا يَلِي:

 الْغَفْلَةِ:

أَنَّ الْغَفْلَةَ مَرَضٍ يُصِيبُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَقَلْبُه، بِحَيْث يَفْقِد الْحِسّ الْوَاعِي، وَلَا يُعْرَفُ لِلْوَقْت قِيمَة، فَيُضَيِّعَ عُمُرَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي.

وَلَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا مِنْ الْغَفْلَةِ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ؛ حَتَّى أَنَّهُ جَعَلَ الْغَافِلِين أَضَلُّ مِنْ الْأَنْعَامِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ أذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَاف: 179].

وَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّك فِي نَفْسِك تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْاصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ [الْأَعْرَاف: 205].

وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الْكَهْفِ: 28].

أَنَّ الْإِنْسَانَ الْغَافِلَ عَنْ قِيمَةِ الْوَقْتِ لَا يَضُرُّ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ يَضُرُّ مُجْتَمِعَة الَّذِي يَعِيشُ فِيه.

 التَّسْوِيف:

أَنَّ مَنْ أَفَاتَ ضَيَاعِ الْوَقْتِ افَة التَّسْوِيف، وَهِيَ أَشَدُّ انْتِشَارًا فِي مُجْتَمَعَاتٍ الْمُسْلِمِين، وَالتَّسْوِيف هُوَ: تَأْجِيلُ الْعَمَلِ، فَتُسْمَعُ مِنْ يَقُولُ مَثَلًا: أَنَّنِي مَا زِلْتُ صَغِيرَ السِّنِّ، وَالْوَقْتُ مَا زَالَ طَوِيلًا، وَسَوْف أَوَاظب عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَمَا أَكْبَرَ.

وَمِنْ الْفَتَيَات مَنْ تَقَوَّلَ: سَوْف ارْتَدَى الْحِجَاب عِنْدَمَا أَتَزَوَّج، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَصَارَتْ (سَوْف) مَرَضًا خَطِيرًا يَفْتَكّ بِالشَّبَاب وَالفَتَيَات.

وَالتَّسْوِيف: مَعْنَاه: ضَيَاع لِحَقٍّ لَازِمٍ فِي الْحَاضِرِ وَالْغَد؛

وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْوَاعِي أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ وَقْتِهِ الْحَاضِرِ فِي عَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَخِدْمَة مُجْتَمِعَة الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ.

افَاتٍ التَّسْوِيف:

أَنَّ تَأْجِيلَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَهُ افَاتِ، يُمْكِنُ أَنْ نُجَمِّلُهَا فِيمَا يَلِي:

(1) إنْ الْعَبْدُ لَا يَضْمَنُ إنْ يَعِيشُ إلَى الْغَدِ.

قَالَ الشَّاعِر:

تَزَوَّدَ مِنْ التَّقْوَى فَإِنَّك لَا تَدْرِي

إذَا جُنَّ لَيْل، هَلْ تَعِيشُ إلَى الْفَجْر

فَكَمْ مِنْ صَحِيحِ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّة

وَكَمْ مِنْ سَقِيمٍ عَاش حِينًا مِنَ الدَّهْر

وَكَمْ مِنْ فَتًى يُمْسِي وَيُصْبِحُ امِنًا

وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي

(2) أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ضَمِنَ حَيَاتِهِ إلَى الْغَدِ، فَلَا يَأْمَنُ الْمُعَوِّقَات مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ عَارِض.

(3) أَنَّ تَأْخِيرَ الطَّاعَات وَالتَّسْوِيف فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ يَجْعَلُ النَّفْسَ تَعْتَاد عَلَى تَرْكِهَا، وَالْعَادَةِ إذَا رَسَخَتْ أَصْبَحْت طَبِيعَة ثَابِتَة يَصْعُب الْإِقْلَاع عَنْهَا.

(4) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَهُ عَمَلٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ فَرَاغ.

وَالتَّسْوِيف يُجْعَل الْأَعْمَال تَتَرَاكَم فَوْقَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ، فَيَعْجِز الْإِنْسَانُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا؛

الدُّعَاءِ

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَحَبِّبْنَا فَى بَعْضِنَا وَانْزِعْ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ مِنْ قُلُوبِنَا وَانْشُرْ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ فَى بِلَادِنَا وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَارْفَعْ الْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ عَنَّا اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ مَشَايِخَنَا وَعُلَمَائِنَا وَإِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا يَارِبَ الْعَالَمِينَ

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent