recent
أخبار عاجلة

الرد على شرعنة الهلالي للانتحار وحرمة النفس في الإسلام . ️ محمد أبوالنصر

  الرد على شرعنة الهلالي للانتحار وحرمة النفس في الإسلام .

 


- قال الدكتور سعد الدين الهلالي بأنَّ "هناك من الصحابة من انتحروا"، محاولًا بذلك إيجاد ثغرة  تهون من شأن هذه الكبيرة، وهو طرحٌ يفتقر إلى التحقيق المنهجي ويصطدم بصريح النصوص القرآنية  والنبوية التي كشفت حقيقة هؤلاء الأفراد.

إنَّ ما صدر عن الدكتور سعد الدين الهلالي بخصوص دعوى انتحار بعض الصحابة -رضي الله عنهم- ليس مجرد كبوة عالم، بل هو خلطٌ منهجي خطير يمسُّ جناب الرعيل الأول، ويفتح بابًا من أبواب الفتنة في وقتٍ تحتاج فيه الأمة إلى فقه يثبتها، لا إلى تنظير يشرعن لليأس والقتل النفسي.

والرد عليه يأتي تحت العناصر التالية :

  أولًا: فقه الحكم على الأعيان والفرق بين المسلم والمنافق

إن إطلاق وصف "الصحبة" على من قتل نفسه في عهد النبي هو إطلاقٌ قاصر لا يراعي مقتضيات الوحي التي كشفت السرائر. فالصحابي هو من لقي النبي مؤمنًا به ومات على ذلك، أما من كشف الوحي نفاقه أو سوء خاتمته، فلا يُلحق بجيل العدول.

 الدليل من السنة النبوية على بطلان دعواه  عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال : «شَهِدْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلَامَ: "هذا مِن أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فأصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فقِيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، الذي قُلْتَ له إنَّه مِن أَهْلِ النَّارِ، فإنَّه قدْ قَاتَلَ اليومَ قِتَالًا شَدِيدًا وقدْ مَاتَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إلَى النَّارِ"، قالَ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبيْنَما هُمْ علَى ذلكَ إذْ قِيلَ: إنَّه لَمْ يَمُتْ، ولَكِنَّ به جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ علَى الجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فأخْبِرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلكَ فَقالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ"، ثُمَّ أَمَرَ بلَالًا فَنَادَى بالنَّاسِ: "إنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ"» <أخرجه البخاري برقم (3062)، ومسلم برقم (111) .

  وجه الدلالة:

النبي وصفه بـ "الفاجر"، وأكد أنه "من أهل النار"، فكيف يستسيغ عقل الدكتور الهلالي أن ينسب هذا الفعل لـ "الصحابة" كمنهج أو كفعلٍ صدر عن عدول الأمة؟ إن هذا الرجل (قزمان) كما ذكره  ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين، أنه كان يقاتل حميةً لا إعلاءً لكلمة الله، فانكشف زيف إيمانه عند البلاء بالانتحار.

  ثانيًا: قدسية النفس البشرية في القرآن الكريم.

- إن التشريع للانتحار أو التماس الأعذار الواهية له تحت غطاء "فعل الصحابة" يصطدم بمحكم التنزيل الذي جعل قتل النفس كقتل الناس جميعًا.

- قال سبحانه وتعالى في النهي الصريح عن الانتحار:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء، رقم: ٢٩-٣٠].

وقال تعالى في بيان حرمة الدماء:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ﴾ [الأنعام، رقم: ١٥١].

  إن هذه الآيات تقرر أن النفس ملكٌ لخالقها، وليس لصاحبها حق التصرف فيها بالإفناء. والدكتور سعد بتصويره للأمر كأنه "واقع تاريخي مقبول" يهدم هذا السياج القرآني المحكم.

   ثالثًا: الوعيد الشديد في السنة النبوية للمنتحر

لم يترك النبي مجالًا للتأويل أو التماس المبررات النفسية التي قد يتذرع بها البعض لتسويغ الانتحار، بل جاء الوعيد قاطعًا وحاسمًا.

  جزاء المنتحر من جنس عمله:

- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال:

«مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، ومَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، ومَن قَتَلَ نَفْسَهُ بَحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا» <أخرجه البخاري برقم (5778)، ومسلم برقم (109)>.

  قصة الرجل الذي جزع من الجرح:

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله :

«كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ به جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بها يَدَهُ، فَما رَقَأَ الدَّمُ حتَّى ماتَ، قالَ اللَّهُ تَعالَى: بادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ» <أخرجه البخاري  ومسلم >.

 رابعًا: الجناية العلمية في طرح الدكتور سعد الدين الهلالي

تكمن خطورة كلام الدكتور في عدة نقاط تضرب أصول "فقه الدعوة" و"الأمانة العلمية":

  مخالفة مقتضى الحال:

من فقه الدعوة أن تعرف ماذا يقال ومتى يقال. نحن نعيش في زمن كثرت فيه الضغوط النفسية وحالات الإحباط، فبدل أن يُصدر الدكتور خطابًا يبعث على الأمل والصبر، نراه ينبش في مرويات شاذة أو يسيء فهم أحاديث المنافقين ليقدم "رخصة" مبطنة للمنهزمين نفسيًا.

  الخلط بين "الوقوع" و"التشريع":

حتى لو افترضنا -جدلاً- وقوع خطأ من مسلم في عهد النبوة، فإن فعل الفرد لا يشرع حكماً إذا خالف قول المعصوم .

والنبي غضب ورفض الصلاة على من قتل نفسه، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه:

«أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ برَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بمَشاقِصَ -  السهام -، فَلَمْ يُصَلِّ عليه» <أخرجه مسلم برقم (978)>.

 إغفال نصوص الصبر والاحتساب:**

لقد أغفل الدكتور أن الصبر على البلاء هو جوهر الإيمان، قال سبحانه:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة، رقم: ١٥٥-١٥٦].

وما ورد في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وذكر حديثا قال فيه: "..فلَمّا هاجَرَ النَّبيُّ إلى المَدينةِ هاجَرَ إليه الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو، وهاجَرَ معهُ رَجُلٌ مِن قَومِه، فاجتَووُا المَدينةَ، فمَرِضَ، فجَزِعَ، فأخَذَ مَشاقِصَ له، فقَطَعَ بها بَراجِمَه، فشَخَبَت يَداه حتّى ماتَ، فرَآهُ الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو في مَنامِه، فرَآهُ وهَيئَتُه حَسَنةٌ، ورَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيه، فقال له: "ما صَنَعَ بك رَبُّك؟"، فقال: "غَفَرَ لي بهِجرَتي إلى نَبيِّه "، فقال: "ما لي أراك مُغَطِّيًا يَدَيك؟"، قال: "قيلَ لي: "لَن نُصلِحَ مِنك ما أفسَدتَ"، فقَصَّها الطُّفَيلُ على رَسولِ اللهِ ، فقال رَسولُ اللهِ : "اللهمَّ، ولِيَدَيه فاغفِرْ".

الرجل لم يقصد الانتحار بمعناه الحرفي، بل كان يبحث عن وسيلة للتخلص من الألم الشديد الذي كان يعاني منه. فقطع العضو المؤلم كان محاولة يائسة لتخفيف الألم، ولم تكن النية الأصلية هي إنهاء حياته. هذا التمييز مهم لأن الإسلام يحرم الانتحار بشدة .

 خامسًا: الرد المفحم على دعوى "تشريع الانتحار"

يا دكتور سعد، إن القول بأن "بعض الصحابة انتحروا" هكذا بإطلاق، هو طعنٌ في عدالة الجيل الذي رضي الله عنهم ورضوا عنه.

  فأين أنت من قوله تعالى:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة، رقم: ١٠٠].

فهل يرضى الله عمن "بادره بنفسه" وحرم عليه الجنة؟

إن تناقض قولك مع صريح القرآن يكفي لإبطاله. والواجب على العالم أن يجمع الأمة على تعظيم حرمات الله، لا أن يتلمس السقطات ليوهم العامة بأن "الجريمة الكبرى" (الانتحار) لها سلف في الصدر الأول.

  والخلاصة:

إن الذي قتل نفسه في عهد النبي هو "قزمان" وأمثاله ممن شهد الوحي بنفاقهم وسوء منقلبهم، وتسميتهم "صحابة" تجاوزٌ علمي وتدليسٌ تاريخي. فاتقِ الله يا دكتور سعد في شباب المسلمين، ولا تفتح لهم بابًا إلى الجحيم بدعوى البحث التاريخي، فالبلاغة -كما قلتَ- هي مراعاة مقتضى الحال، وحالنا اليوم يحتاج إلى "التبشِير وفتح باب الأمل "، لا إلى من يبرر الانتحار ويهون من شأنه.

 

google-playkhamsatmostaqltradent