recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةتجربة الصوم الشيخ /أحمدعزت

 تجربة الصوم




يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:١٨٣). هذا نداء إلهي يدوي في جنبات الوجود ويحلق في آفاقه منبها إلى فريضة الصوم.                               

الصوم: هو الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشروطٍ مخصوصة

تأمل جيدًا هذا التعربف وهذه الأشياء -طعام  شراب زوجة- أهي حلالٌ أم حرام؟

لم يقل أحد بأنها حرام! بل هي حلال 

إنها كلها أشياء حلال يباح لك فعلها في أي وقتٍ وأي مكان ومع ذلك أمتنع عنها لماذ؟ لأن الله أمر بذلك، وإلا فسد أو بطل صياميه.

 إذًا الصوم هو الامتناع عن الحلال، والسؤال:

 هل الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة هو كل ما أمر به الله ورسوله؟! بالطبع لا. إذًا لماذا لا أمتنع عن الحرام وكل ما يغضب الله ورسوله وقد جرّبتُ الامتناع عن الحلال ولم أهلك ولم أمت جوعًا أو أهلك عطشًا أو تضعف أو تنمحي شهوتي؟                                      

لقد جرّبت الامتناع عن الحلال فازددتُ قوةً وصبرًا، فلماذا لا أمتنع عن الحرام وفيه الهلاك كل الهلاك، والإثم كل الإثم؟

 لقد قال رسول الله في حديثه الشريف مُرهّبًا ومُبكّتًا هؤلاء الذين لا يمتنعون عن الحرام، وحذّر تحذيرًا قاطعًا من الإخلاد إلى الجوانب الماديّة الشكليّة للصوم، مُؤَكِّدًا أنّه إذاً جسد بلا روح، وعبادة بلا فائدة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "من لم يــدع قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامَه وشرابَه" [رواه البخاريّ وأبوداود.] ما دام هذا الإنسان لا يعرف عن الصيام سوى أنه جوعٌ وعطشٌ فالله تعالى غنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه فليأكل وليشرب، فهو يدخل في عِداد القول الثاني: "ربّ صائم حظُّه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظُّه من قيامه السهر". [رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاريّ]                                   

يا حسرةً على من كان كل ثوابه وكل بضاعته من الصيام الجوع والعطش.                                            

وقال : "ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث" [رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه]

فوائد وحكمة الصوم                                                                                                      

الصوم سمو بالروح وارتقاء بالنفس وعلو بالانسانية إلى مقام الملائكة الأبرار؛ فهو يُقوّي جانب الروح في الإنسان الذي قد ينحط إلى مرتبة الحيوان الأعجم إذا ما استجاب لنداءات جسده وانغمس في شهواته وصار ينفذ ما تُمليه عليه غرائزه وأهمل جانب الروح. فالحيوان ليس لديه وازع من عقلٍ يمنعه أو دينٍ يُردعه أو ضميرٍ يحجزه، فكل ما يأكله مثله حلال أما الإنسان فهو مُكرّم يدع كل ذلك طوعًا واختيارًا مبتغيًا المثوبة من الله مترفعًا عن حياة الذين عاشوا لأجسادهم غرائزهم وأسارى شهواتهم، وتظهر آثاره في الأخلاق وفي النفس، فهو سلاح عجيب وضعه الله عز وجل بيد القوة الإنسانية لتقهر به الطبيعة الحيوانية؛ ما يدفع عن الإنسان غوائل العدوان على الدماء والأراضي والأموال؛ لأن هذا العدوان إنما يكون من تمرد الصفات الحيوانية.                                                                               فالصيام يكسر الشهوات؛ إذ لا تكسر النفس بشيء كالجوع، ويذكر الصيام بحال الأكباد الجائعة والأجسام العارية والنساء المشردة، فيرق القلب وتلين النفس. فهو -الصوم- كفيلٌ بكل ذلك ففيه انتصارٌ للروح على المادة؛ بإضعاف الشهوات والرغبات المادية؛ فهو انتصارٌ للعقل على الشهوة بالتحكم في العواطف وقهر سلطان الجسد أمام سلطان العقل وروحه، فهو بذلك أقرب إلى مصاف الملائكة الأطهار

الصيام يدعو إلى التحلي بمكارم الأخلاق؛ إذ يكلف فيه الإنسان أن يحفظ لسانه عن الغيبة ويغض عينيه عن النظر إلى الأجنبيات ويصون قلبه الرقيق من وساوس الشياطين، ويحلي الصائم نفسه بالصدق والإخلاص، ويتجنب الشح المذموم والبخل الممقوت. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال:  أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: أما الأولى: فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً.،

وأما الثانية: فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك،

 وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة.

 وأما الرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي.

وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا"

الصوم يُعلم الأمانة ويُعلم الصدق في المعاملة ويُعلم النصح لكل مسلم ويُعلم مراقبة النفس ويُعلم مراقبة الله عز وجل. فالصوم سرّ بين العبد وربه، الصوم يحرك الشفقة في القلب ويحض على الصدقة؛ فهو يُعلم العطف، ويحث على البر. فهو شهر الجود والكرم، وشهر البر والإحسان، فالصائم في جهادٍ صامت يجعله رؤفًا بالفقراء رحيمًا بهم  مؤديًا للزكوات سخيًا بالصدقات، فيمد يده بالعون، يقول أحمد شوقي: "الصوم حرمانٌ مشروع، وتأديبٌ بالجوع، وخشوعٌ لله وخضوع. لكل فريضةٍ حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمه، يعوّد الناس البر، ويعلّمهم خِلال الخير؛ فإذا جاع من ألِف الشِبع عرف الحرمان كيف يقع وألم الجوع إذا لدغ" إنه لا ينس أهل البلاء، فالشبعان ينس الجائع ويظن أن الناس كلهم شباع فتتحرك الرحمة في قلبه لاطعامهم والاشفاق عليهم. رُوي في الآثار أن يوسف عليه السلام سُئل: لِمَ تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال عليه السلام أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع.

#أحمد_عزت

- ويجب أن ننبه إلى نقطةٍ مهمةٍ جدًا في هذا السياق وهي إن القضية ليست قضية جوع وشبع أو سعةٍ وحرمان إنما القضية قضية عزيمة تسهم في عون الإنسان على مواجهة التحديات وأحداث الحياة ومتغيراتها، وسنة الحياة كما قال ربنا دُول: "وتلك الأيام نُداولها بين الناس" آل عمران                                     

فمن عاش يومًا في ضيق سيأتيه آخر سعة، ومن ألمّ به اعسار سيواتيه حتمًا يسار، ومن هنا يقول الإمام الشعراوي رحمه الله: "إن احتياج الغني إلى الصوم أشد من حاجة الفقير، فالغني في غناه يحتاج إلى الصوم ليعينه على شكر النعمة؛ بتوظيفها في مرضاة الله، والفقير في حاجة أشد؛ ليمنحه العزيمة القوية التي تساعده على الصبر على نوائب الدهر ويعينه على حاله الذي هو فيه فيحمد الله على حاله.                                                                                     

فالصوم عبادة الشاكرين الصابرين، وبناء العزيمة وتربية الارادة الصلبة في ضمير المسلم التي تجعله يواجه أي إغواء أو إغراء مهما عظم فإذا جاع الغني وشعر بالجوع تمكن من الإيثار والتصدق بما فضل على اليتامى والمساكين؛ فيكون يوم القيامة في ظل صدقته،                                                                              

الله سبحانه هو المدبر الحكيم والمشرِّع العليم، أوجد الصوم لحكم عالية ومرام سامية، وقد أنزل سبحانه في هذا الشهر الكريم النور المبين والذكر الحكيم والهادي إلى صراط الله المستقيم، كتاباً يهدي للتي هي أقوم، لا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء.                                                                                                         

لم يُشرع الصيام لمجرد أن يشعر الأغنياء بألم الجوع ومعاناة الحرمان فيعلموا أن هناك من إخوانهم محرومين فقراء يذوقون ويلات الفقر ومرارة الحرمان طوال العام، فيميلوا إلى مدّ أيدي العون إليهم؛ بل إن الصوم يربّى المسلم على الصلابة في الحق، وعزيمة الإرادة، وقوة الصمود أمام كل تحدّ مهما هال وطال، فلا يزعزعه أي حالة من المواجهة والمعاناة والتعرض للأخطار والأهوال، التي تكثر في طريق الحياة حتى لايمضى فيه قدمًا، وينهار عاجلاً؛ ولكن المؤمن المتخرج في مدرسة الصوم، والحامل لشهادة التقوى والتزكية، لايقبل هزيمةً أمام أي قوة قاهرة.  

الصوم يكسر الكبر ويشعر الإنسان بضعفه وعجزه وأنه في حاجة ماسة إلى لقمة العيش وشربة الماء، وأن حياته متوقفة على الطعام والشراب والهواء، فهو في حاجة إلى ربه دائماً وأبداً، يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى الله والله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر: ١٥).

التقوى من أهم دروس الصوم                                  

الصوم تنبثق منه التقوى بشكل تلقائيّ، فتُشَكِّل عاصمًا من كل شرّ وفساد وفتنة وسوء وضرر، والتقوى تتفجّر ينابيعُها، فتتعدّد مُعْطَيَاتُها، وتشمل انتصاراتُها، وتكثر خيراتُها، فتضع النفسَ في مواجهة أكيدة أمام تبعاتها ومسؤوليّاتها. 

التقوى تحارب الازدواجية في السلوك وتباعد بين المُتصف بها وبين النفاق والرياء؛ لأنه في مراقبةٍ دائمة ومستمرة لله تعالى، فلا يغش ولا يخادع ولا يحتال؛ لأنه صاحب ضمير حي.                                          

ومراقبة الله لا تطول غفلته عن الله ولا يسترسل في المعاصي "إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون" الأعراف ٢٠١.

 إنه سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة الصحيحة "والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" آل عمران ١٣٥                                                                               

إنّ بناءَ العزيمة الحديديّة، والإرادة الصلبةِ الفولاذيةِ لدى الإنسان المسلم، وتثبيت المعنويّات التي لاتُقْهَر في ضميره، كلُّ ذلك وغيره هو التقوى التي نصّ الله جلّ وعلا أنها الغاية المرجوّة من وراء الصيام الذي كتبه على هذه الأمة كما كَتَبَ على الذين من قبلها. إنّها إذا نشأت لدى المسلم، وتمكّنت منه، انتصر على النفس وشهواتها، كلَّ الانتصار؛ فيهون عليه الانتصارُ على كلّ عدوّ من الجنّ والإنس، ويهون عليه كسبُ كل معركة في الحياة يخوضها مع نفسه الأمارة بالسوء أو مع غيره أيًّا كان.                                                                                                        

التقوى حين يتّصف بها المسلم، تتحوّل إلى الوقاية الذاتية الدائمة، والمتابعة الأمينة المتصلة، والمحاسبة الدقيقة الدائبة، والمراجعة الصادقة المتواصلة لكل ما يصدر منه من قول أو فعل.                                                           

إنّها تجعل المسلم يتّقي كلَّ ما يضرَّه هو، أو يضرّ أسرتَه، أو يضرّ مجتمعَه،                                                     

الصيام يتسامى بالمسلم إلى العلياء، وتطلّع صادق إلى أهدافه الكبرى التي أرادها الله عز وجلّ أن يصل إليها عباده المؤمنون. وتلك هي التقوى الحقيقية التي جعلها الله تبارك وتعالى غايةَ الصيام؛ لأنها حالة تتكوّن في النفس نتيجة للإيمان الراسخ بالله، والصيام هو المعاناة العمليّة لرياضة النفس على تربية النزعة الإيمانيّة لدى الفرد والجماعة، من خلال التعوّد على الصبر والصمود غير العادي في مواجهة الحياة، وكشف الحساب مع النفس في دورة تدريبية حَدَّدَ لها الله تعالى أمدًا مُحَدَّدًا وهو شهر رمضان  والطريق إلى تحقيق الهدف المنشود من الصوم هو تحلّينا بالصبر؛ فكل طاعة تحتاج في أدائها إلى الصبر، وكل معصية تحتاج للإقلاع عنها إلى الصبر، والصوم يعلم الصبر، فيجعل الإنسان قادرًا على تحمل الأذى والمكاره، وقد سُمي الصيام صبرًا، ووعد الله تعالى الصابرين بالجزاء الأوفى والثواب العظيم، يقول سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر/ ١٠)، ويقول رسول الهدى : (ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم) [رواه أحمد والبزار والبيهقي.]

وقال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [رواه البخاري ومسلم].  #أحمد_عزت

ومعنى الصبر على الطاعة أن أتحلّى بهذه الصفة خلال أدائي لهذه العبادة فلا قلق ولا ضجر في أدائها وإن صاحبها بعض المشقة، فلا أغضب إن أطال الإمام قليلًا بل أصبر، والصوم خير معلم فأنا أصبر على الجوع والعطش ساعات وساعات أفلا أصبر دقائق معدودات في الوقوف أمام يدي الله فمتى سنصلي باطمئنان إذا لم نصل في رمضان؟!          

 فعلينا أن نعلم اننا مناجون الله في صلاتنا الله تعالى يبادلنا دعاءً بدعاءٍ ومناجاة بمناجاة ففي الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: يقولُ اللهُ تعالى: قسمتُ الصلاةُ بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: {الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ} قال اللهُ: حمدني عبدي،

 فإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال: أثنى عليّ عبدي،

 وإذا قال: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجدني عبدي،

 وإذا قال: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ} قال اللهُ: هذه الآيةُ بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل،

 وإذا قال: {اهدِنا الصِّراطَ المُستَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ} قال: هؤلاءِ لعبدي ولعبدي ما سأل" أخرجه مسلم

أما الصبر عن المعصية فيتجلى في الإقلاع عن كل الموبقات والسيئات والمخالفات التي كنت تعملها، والصوم يمنعك فهو خير معلم، فهو لم يشرع تعذيبًا للنفس ولا اقتصادًا للنفقات بل لغاية أسمى هي التقوى؛ وذلك بإعداد الصوم للنفوس فهو أمرٌ موكول إلى ذات الصائم وسر بين العبد وربه ولا يطّلع  عليه أحد فيخلص العبد وتتوّى لديه ملكة المراقبة لله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا في السماء

المسلم بعد تجاوزه هذه الدورة التدريبية لمدة شهر يعود متزودًا بالتقوى، فيصبح هو رقيبَ نفسه في كلّ وقت، فلا تنحرف، ولا تضلّ، ولا تشذ عن الطريق السويّ في أيّ مطلب من مطالب الحياة؛ لأنّه يعود بعد اجتياز الدورة وقد صَفَتْ نفسُه، وتَزَكَّت روحُه، وتَخَلَّصَ كيانُه من كل الأدران التي تكون قد عَلِقَت به في الرحلة السنويّة الطويلة ذاتِ المُنْعَطَفَات الكثيرة، والإغراءات المتنوعة، ونَمَا لديه شعور داخليّ قويّ بأنّ هناك في أعماقه سلطةً ذاتيةً تتحكّم في كلّ الأعمال والأقوال. عندما جعل الله التقوى غايةَ الصيام، حَضَّ المسلم الصائم أن يظلّ دائم الاستحضار لروافده الكثيرة المتصله ومُعْطَيَاتها غير المعدودة، وبصيرًا كلَّ وقت بمواقع استلهامها وفرص استثمارها وتوظيفها في الأغراض الدينية والدنيويّة ومُتَحَسِّبًا لمواطن الحاجة إليها، وعندها يعود هو أمينًا في جميع مناحي الحياة، دقيق الشعور بالمسؤوليّة، فهو على المستوى المطلوب في كل جهة من جهات الحياة:  إنه أمين إن كان تاجرًا، فلا يغش، ولا يخدع، وهو أمين إن كان أجيرًا أو موظفًا فلا يخفف في العمل ويطلب الأجر فوق المطلوب، وهو مربّ صادق إن كان والدًا أو أستاذًا، لا يقصر في أداء الدرس، ولا في ممارسة التربية وإسداء النصح وبذل كل وسع في بناء الجيل وإعداد مستقبله، وهو خادم القوم حقًّا إذا كان سيدهم أو حاكمهم وقائدهم، فهو دائم التفكير في النهوض بالشعب والوطن، يتخذ لذلك كل وسيلة، ويوفر له كل سبب، ويسعى له كلّ وقت، ويسهر على مصالحهما – الشعب والوطن.                                                         

ولرمضان تأثير عجيب على النفس المؤمنة، وصقلها وإعادة ضبطها وفق ما أراد الباري عز وجل؛ فرمضان هو شهر الانتصار على النفس، قبل أن يكون انتصارًا على العدو، ففيه تتعلم النفس مجاهدة ما تحب وتتعلق به، وهو يعيد تعريف علاقة الإنسان مع المحيط الخاص به. كالعلاقة مع الشهوات والملذات، ومجاهدة الهوى والتعلق بالأشياء، وبيان أهمية الالتزام بأوامر الله وعبادته، وتقديمها على ما سواها من الأمور الدنيوية.  فتجد المرء يترك طعامه وشرابه وشهوته امتثالاً لأمر الله عز وجل، رغم شدة الحر، وطول ساعات الصيام، وكثرة الملهيات والمغريات. كما يتعلم فيه الإنسان كيفية ضبط جوارحه في تعامله مع الناس، فيما يعتبر ثورة أخلاقية، تعيد بوصلته نحو ما يريده الشارع ويسعى لتحقيقه في النفوس والمجتمعات                 

"إن الصوم كغيره من العبادات، يهدف إلى إجراء تغيير داخل الأمة وأفرادها، بتحقيق العبودية لله، وجعل المجتمع على أتم الجاهزية للثبات على الحق والسير على خطاه نحو النصر والتمكين"                                                      

إن رمضان يعتبر فرقانًا في حياة النفوس والمجتمعات التي تتمتع بالإيمان وتسعى لنيل رضا الرحمن، كيف لا وهو شهر تتجدد فيه الصلة بين المؤمنين والقرآن الكريم، مع ما ينتج عنها من التدبر والتأثر وزيادة الإيمان.

وكيف لا يترك في النفس أثراً يدفعها إلى فعل كل ما يأمره الله ويحبه، حتى لو كان بالتضحية والجهاد في سبيله؛ لأن النصر منه عز وجل، ومعية الله وتأييده أقوى من كل شيء.

 يقول الله تعالى: {وما النصر إلا من عند الله} [الأنفال:١٠]

 ويقول: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} [آل عمران:١٦٠].

 ولا غرابة أن نجد هذا الأمر جليًا في سورة البقرة. فالآيات الكريمة ١٨٣- ١٨٧ قد تطرقت لموضوع الصيام وما يتعلق به من الأحكام، لكنها بينت أهمية ذلك في صلاح المجتمع وتطهيره، فختمت بكلمات: "يتقون" و"تشكرون" و"يرشدون". ثم تبعها آيتان تتعلقان بالحج، قبل أن يكون الحديث عن الجهاد والقتال. مما يعني أهمية العبادة، وتحقيق غاياتها في الثبات والانتصار على العدو.                                                          

وهكذا نرى الصوم يثمر في نفوسنا الفضائل ويُقلع منها الرزائل ويغرس في قلوبنا الوازع الديني الذي يفعل في النفوس ما لا يفعله وزاع القوة أو السلطان، فإذا ألِف المرء أن يستمع إلى صوت الضمير، وأن يراقب الله ويخشاه فقد أمِن المجتمع بوائقه واستراح من شروره، أما إذا كان الاعتماد على وازع السلطان وحارس القانون، فالحارس قد يغفل والقانون قد يُؤول ويُتحايل عليه للتخلص من سلطانه. وأخيرًا                                                                                                    

فالمسلمون الأوّلون من الصحابة والتابعين ومن تَبِعَهم بإحسان، أدركوا غايةَ الصيام إدراكاً حقيقيًّا، وفهموا مهمتها فهمًا صادقًا، فاستحضروها وهم يؤدونه، فكان له مردود غير عاديّ في حياتهم الفرديّة والجماعيّة، فعَلَّمَهم الصلابةَ في الحقّ، والإصرارَ على رفض الباطل، والقدرةَ الفائقةَ على مواجهة كل إغراء ماديّ وإغواء شيطاني، ولم تستطع عوامل التأثير على أنواعها وتكاثرها وقوتها أن تخترق جُنَّةَ الصيام لديهم.                                                                           

عندها شَعَرَ كلُّ فرد منهم أنّه يعيش تجربةً خاصّةً من تجارب العبادات، تحدث آثارًا سلوكيّة فريدة تصبغ الحياةَ كلَّها بصبغة خاصة، وتزكّيها من كلّ الشوائب التي لا تتفق والإيمانَ الصادق ومردوداته الإيجابيّة، فعاد وقد اغتسل في نهر الصيام وعبّ منه وصدر عنه كيوم ولدته أمّه، تخلَّص من كلّ الذنوب، وودّع جميعَ الآثام والمعاصي والتجاوزات على عتبة الماضي الذي لم يَعُدْ في حياته.                                                             

كانوا يجتنبون جميعَ العوامل التي تجعل هذه العبادةَ المُسْتَهْدِفَة لغايات شريفة شكليّةً، مجردةً من معنويّاتها، وتحول دونها دون مُعْطَيَاتها.

فالصيامُ مدرسة يتعلّم فيها المؤمنُ سلطةً حيويةً ويتلقّى فيها جرعة تطبيقيّةً عمليّةً، ويتلقن فيها أعظم مَنهج للإرادة والإدارة بشكل سلوكيّ واقعيّ؛ فيجد في داخل نفسه مقاومة ذاتية لكل شهوة؛ وملاحقة لكل انحراف، واندفاعًا أوتوماتيكيًّا إلى استيعاب الخيرات وقطف الحسنات، واحترازًا عفويًّا من كل المنكرات والسيئات، وضبطاً تلقائيًّا لكل حركة وسكون تتعرض لهما الحياة في مسيرتها الطويلة، وكبحًا اضطراريًّا لأي جماح تتعرض له النفس.  

الصيام مدرسة جامعة تُخَرِّج المسلم تخريجًا يحير الألباب ويدهش العقول؛ حيث يتغيّر كلّيًّا، فهو غير ما كان قبل الالتحاق بها والتخرج فيها، شريطة أن يظلّ فيها "طالبا مجتهدًا" "طالبًا مثاليًّا" لايضيّع أي فرصة في غير فائدة،

رمضان شهر صيام لا موسم طعام

إن الإسراف والتبذير عادة مذمومة بشكل عام فكم بالحري في شهر رمضان؟!

 التبذير في رمضان عادة مذمومة تفسد حلاوة الصيام وترهق جيوب الأسر وتمرض البدن !!!

ولا يقتصر التبذير على الأثرياء وميسوري الحال بل نرى أن جميع شرائح المجتمع تنفق في شهر رمضان أكثر بكثير مما تنفقه في الأشهر العادية.

كما في كل عام يبدأ المسلمون في جميع أماكن تواجدهم بالاستعداد لاستقبال الشهر الفضيل، شهر التقشف والعبادة والرحمة والمغفرة والعتق من النار، ولكن الغريب في الأمر أن الاستعدادات ليست في مجال الروحانيات أو وضع برامج للعبادة بل استعدادات ومشتريات بكميات كبيرة تحضيرًا للولائم التي سيقيمونها، وتبدأ التساؤلات والتخمينات حول أصناف الأطباق التي سيقدمونها وأي الحلويات وأي المقبلات ستزين موائدهم الرمضانية وأي الأنواع من اللحم سيشترون، فتجدهم يعمدون إلى الأسواق لشراء ما لذ وطاب من حاجيات رمضان، بعضهم باقتصاد وفق الحاجة وكثيرون بتبذير يتنافى مع الحكمة التي من أجلها شرّع الله الصيام. وتتكبد الكثير من الأسر المصاريف الشرائية التي تتجاوز ضعف ما تنفقه في الأشهر العادية، أو من خلال السلوكيات الغذائية التي تصيب الصائم بسبب إسرافه في تناول الطعام الذي يؤرق جسده من الناحية الصحية والنفسية، وهناك نساء يتباهين بموائدهن، ويتفنن بأنواع مختلفة من الأطعمة والشراب، ويجعلنها ميدانًا للتنافس مع آخريات.

الجميع يعرفون ذلك وهناك الكثيرون الذين يحاولون التخلص من هذه العادة البغيضة لكنهم لم يهتدوا الى الطريقة، ومنهم من يضطر الى أخذ قروض من البنوك لتغطية نفقات رمضان وعيد الفطر الذي يحل في نهايته، وما أن ينتهي العيد حتى نسمع من الكثيرين أن رمضان أرهقهم وأثقل العيش عليهم، فهل هذا أمر محتوم أم أنها عادة سيئة تأصلت فينا بحكم التقليد والمباهاة وقلة الوعي وعدم المسؤولية؟

أما رأي الشرع بممارسات التبذير والبذخ التي تتجلى لدى الأسر العربية على مائدة رمضان فهو: "شهر رمضان به حكم عظيمة وفوائد جليلة وكبيرة منها على سبيل المثال لا الحصر الناحية الصحية، حيث "لا يستفاد أن يبقى الإنسان صائمًا طوال اليوم ثمَّ يتخم نفسه عند الإفطار بأنواع الطعام"، والملاحظ في واقعنا أن الناس في شهر رمضان تصل إلى درجة التبذير في إعداد مائدة الإفطار وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، والأصل أن تصنع ربات البيوت من الطعام ما لا يزيد عن الحاجة ويلقى في القمامة، ولا مانع من أن يكون متنوعًا لكن في حدود الحاجة.

كما يجب مراعاة مشاعر الجيران محدودي الإمكانيات الذين أضناهم الفقر لقول رسول الله : "والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعانًا وجاره جائع -وهو يعلم-"، وقال في موضع آخر -موصيًا أبا ذرٍ رضي الله عنه: "إذا طبختَ مرقًا فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك"، والمتفحص لأحاديث النبي وآيات القرآن العظيم يجدها تحث على الشعور بالآخرين في شهر رمضان.، وقال : "لا تسرف ولو كنت على نهر جار".

إن صفة التبذير من صفات الشيطان وهي صفة منبوذة لعدة أسباب أهمها أنه يُشغل الإنسان عن طاعة الله، فالأولى له أن ينشغل بالعبادة وقراءة القرآن، فربة البيت التي تقوم بتجهيز أكثر من صنف من الطعام يؤثر ذلك على ضياع وقت العبادات،

كما أن الإسراف يدعو للخيلاء والمباهاة وهذه أمراض قلبية حذَّر منها الإسلام والصيام يعالجها بالتقوى وبالتالي الإسراف فيه تضييع لنعمة الله تعالى خاصة أن الإنسان يفقد الإحساس بالآخرين.

التبذير في رمضان إفساد لحلاوة الصيام

ومع وجود المبذرين والمسرفين في رمضان إلا أن هناك من يرفض هذه الظاهرة ويعتبرها إفسادًا لحلاوة الصيام فشهر رمضان ليس شهرًا للتخمة وإعداد الأطعمة الدسمة.

بالإمكان إعداد وجبات خاصة ولكن بكثير من الاقتصاد وعدم التبذير والإسراف، وإذا تبقى جزء من الطعام فيمكن أكله في اليوم التالي.

كما أن هناك مجموعة من المفاسد السلبية التي تنتج عن الإسراف وهي أن المبذر لا يشكر نعمة الله عليه والشكر يأتي بالمحافظة عليها وعدم التبذير فقد قال تعالى: "ولئن شكرتم لأزيدنكم".

وشكر النعمة يكون في حفظها وإنفاقها بالقدر المعقول، كما أنه يوقع الأسرة في مشاكل كثيرة للإيفاء باحتياجاتها، فإن أكثر عوامل الخلافات الزوجية في المجتمع تنشأ بسبب الإسراف والتبذير. وهناك حديث نبوي شريف يقول : "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، فحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فاعلاً فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه" وهذه من القيم التربوية العظيمة يجب اتباعها ومنها تنظيم عملية الأكل وكيفية تناوله لتعود الإنسان على أن لا يسرف ويبذر في أكله وشربه.

#أحمد_عزت

google-playkhamsatmostaqltradent