التحرر الحقيقي من الذات إلى الأمة
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا
الله
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد
المقدمة: الصدمة التي تُوقظ
أيها المسلمون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
لو كانت الأضحية مجرد إراقة دماء، لكانت المسالخُ
أتقى لله منا. ولو كان العيد مجرد ثوب جديد ووجبة دسمة، لكانت واجهات المحلات أسعد
منا.
إننا لا نجمع الناس اليوم لنُعيد روتينًا سنويًا،
بل لنوقظ أرواحًا أثقلتها تفاصيل الحياة. جئنا اليوم لنكتشف أن الأضحية ليست مجرد نسك
نتقرب به، بل هي إعلان تحرر؛ تحرر من قيود أوهامنا، ومخاوفنا، وعاداتنا البالية.
العيد ليس احتفالًا بما مضى، بل هو ميثاق مع
ما سيكون.
قال الله تعالى: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا
وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ [الحج: ٣٧]
فالمقياس إذن ليس الطقس الخارجي، بل التحول الداخلي.
المحور الأول: ابدأ بنفسك، هناك ما يجب أن يُذبح
داخلنا
أيها الفضلاء، أول ما نطالب به في هذا اليوم
المبارك هو مراجعة الذات. نحن نعيش في عالم يقدس المظاهر، ويهتم بما يدخل الجيوب والبطون،
ويُهمل ما يسكن القلوب والعقول.
قبل أن تضع يدك على أضحيتك وتذكر اسم الله عليها،
ضع يدك على قلبك واسأله: هل ما زال الكبر يسكن فيه؟ هل ما زال الضغن جاثمًا على صدره؟
هل ما زال الخوف من الغد يُشلّ إرادتك؟
ليس كل من ضحّى بذبيحته... ضحّى بشهوته.
اذبح خوفك من المستقبل. اذبح يأسك من إصلاح نفسك.
اذبح ضعفك أمام شهواتك. اذبح كبريائك أمام الحق.
وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » [رواه مسلم]
إن إراقة دم الأضحية رمز عميق لإراقة كبرياء
النفس الأمارة بالسوء. من هنا تبدأ رحلة التحرر الحقيقي.
والناس في مواجهة الابتلاءات صنفان: من يصنع
منه الألم عبدًا ربانيًا أشد عودًا وأنقى سريرة، ومن يكسره الألم فيتحول إلى ساخط يائس.
العيد يأتي اليوم ليقول لك: اجعل الألم رافعة للتغيير، لا معولًا للهدم.
المحور الثاني: إبراهيم عليه السلام، منهج صناعة
اليقين وسط الأزمات
عباد الله، عندما نستدعي قصة الخليل إبراهيم
عليه السلام، فإننا لا نسرد تاريخًا مات أصحابه، بل نستحضر منهجًا حيًا نحتاجه في زمن
القلق والخوف والاضطراب النفسي.
تأملوا المشهد بقلوبكم: رجل يترك زوجته ورضيعه
في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء، لا أنيس، لا مقومات للحياة. بمقاييس المادة والمنطق البشري،
هذا ضياع. لكن بمقاييس الإيمان، هذا هو منتهى الذكاء واليقين.
عندما سألته هاجر رضي الله عنها: آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم. فقالت بلسان اليقين الذي يهد الجبال: "إذن لا يضيعنا." وهي جملة
تختصر منهجًا كاملًا في التعامل مع القدر.
ثم جاء الابتلاء الأعظم، الأمر بذبح الولد. فماذا
قال إبراهيم؟
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ
أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي
إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٢]
هنا نسأل أنفسنا اليوم ونحن نعيش دوامات القلق
الاقتصادي والخوف من المستقبل والضغوط النفسية التي تكاد تعصف بالشباب: أين يقيننا
بالله؟
التوكل الحقيقي ليس استسلامًا بائسًا ولا قعودًا
وتواكلًا. التوكل هو حركة الجوارح مع سكون القلب واطمئنانه إلى الله. أن تفعل ما عليك
وتترك النتائج لمن بيده ملكوت كل شيء.
الذي رزق الرضيع في وادٍ قاحل هو الذي يتولى
أمرك اليوم.
صناعة اليقين تبدأ عندما تتجاوز ثقتك في الأسباب
المادية وحدها، وتنتقل إلى ثقة أعمق برب الأسباب. ليس تركًا للعمل، بل نقاء في النية
وسكينة في القلب وسط المسعى.
وهذا التحول الداخلي، من الخوف إلى اليقين، هو
الذي يُعيد بناء الإنسان من الداخل، ومن ثم يُعيد بناء بيوتنا من الخارج.
المحور الثالث: البيت، الثغر الأخير في مجتمعنا
أيها الأخوة والأخوات، التفتوا حولكم. إن أخطر
ما يهدد مجتمعنا اليوم ليس فقر الجيوب، بل فقر القلوب.
نعيش في بيوت واحدة، لكن قلوبنا شتى. يجمعنا
سقف واحد، وتُفرقنا شاشات الهواتف الصغيرة. تحولنا إلى جزر معزولة داخل بيوتنا، وأصبح
الجفاء وقطيعة الرحم سمة العصر تحت مبررات واهية وضغوط الحياة المتسارعة.
وقد أوعز النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الداء
بدواء صريح: « من أحب أن يُبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه » [متفق عليه]
العيد الحقيقي أن تعود إلى الله... لا أن تعود
إلى العادة.
العيد ليس رسالة نصية باردة ترسلها بنقرة زر
لتُعفي نفسك من مشقة الوصل. العيد هو أن تطرق باب من قطعك، أن تبتسم في وجه من أساء
إليك، أن تحتضن ابنك وابنتك وتمسح على رؤوسهم وتبث فيهم الأمان والطمأنينة.
الأسرة هي الثغر الأخير في مجتمعنا. إذا تهاوت
الأسرة تهاوى المجتمع كله. كفّوا عن المشاحنات على توافه الدنيا، واعلموا أن صلة الرحم
ليست تفضلًا منك، بل هي شريان الحياة لإيمانك.
وعندما تصلح بيوتنا وتقوى أسرنا، نستطيع أن ننطلق
بإيجابية إلى مجتمعاتنا.
المحور الرابع: ما بعد العيد، من الاحتفال إلى
الإصلاح
أيها المسلمون، العيد الحقيقي يبدأ غدًا، عندما
تنتهي الاحتفالات وتعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه
كل منا على نفسه: من سأكون بعد العيد؟
هل سنعود إلى الغش والمماطلة وقطع الأرحام وهجر
الصلاة والوقوع في المحرمات؟ إن كان الأمر كذلك، فما فهمنا من العيد إلا قشوره.
نريد إنسانًا أقوى إيمانيًا ونفسيًا وأخلاقيًا
بعد العيد. نريد شابًا ينطلق في مجتمعه مصلحًا يبني ويعمر ويبتكر ويخدم. نريد امرأة
تصنع الأجيال بالوعي والعلم والدين. نريد مجتمعًا يتكافل فيه الغني مع الفقير لا من
باب الشفقة، بل من باب الواجب والمسؤولية المشتركة.
وقد وضع الله بيدينا مفتاح التغيير: ﴿ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [الرعد:
١١]
اجعلوا من تكبيرات العيد قوة دافعة للبناء والإصلاح.
كونوا رسل خير وأمل أينما حللتم. فالأمة التي تُكبر ربها في كل عيد هي أمة لا تموت
وإن تعبت أو مرضت.
الدعاء الختامي
نتوجه إلى الله العلي القدير بقلوب خاشعة وأكف
ضارعة:
اللهم يا حي يا قيوم، يا رحمن يا رحيم، اجعل
هذا العيد عهدًا جديدًا بيننا وبينك، وبداية لصلح حقيقي معك.
اللهم اذبح من قلوبنا الخوف واليأس والضعف، وازرع
مكانها اليقين والأمل والقوة.
اللهم أصلح بيوتنا، واجمع شملنا، وألف بين قلوبنا،
واشفِ صدورنا من الغل والحقد والحسد.
اللهم ردنا إلى دينك ردًا جميلًا، واجعلنا من
عبادك المصلحين البانين لأوطانهم وأمتهم.
اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين،
واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم احفظ أمتنا، وارفع عنا الغلاء والوباء
والمحن، واجعل أيامنا كلها أعيادًا بطاعتك ورضاك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وكل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى طاعته أدوم.